أوديب تلك الأسطورة الإغريقية، التي تروي حكاية ملك يقتل والده من أجل أن يتزوج من أمه، صارت النظرية المركزية في التحليل النفسي، كما شرحها سيغموند فرويد بداية القرن العشرين. وسماها «عقدة أوديب» في تفسير العلاقة المرضية التي تربط الطفل بأمه، والتي تراوح بين حب وانجذاب جنسي، يترتب عليها رغبته في قتل أبيه. بناء على تلك النظرية سوف تنشأ فكرة مماثلة هي «قتل الأبوية» في مسعى الفرد إلى التخلص من صورة المعلم أو المرشد، أو من يتفوق عليه في مرتبة اجتماعية أو روحانية. نظرية فرويد، التي ظلت مسألة نفسية يتداولها محللون سيكولوجيون فحسب، ستتحول في الجزائر ـ مطلع الخمسينيات ـ إلى نظرية سياسية، وتجد بيئة لها في الانتقال من اللاوعي إلى الوعي. فالمحرك الأساسي صوب حرب التحرير ضد الاستعمار ـ في الجزائر ـ نشأ من عقدة أدويبية، من رغبة البعض في قتل الأب. ولا يمكن فهم ذلك التحول التاريخي الذي قاد إلى حرب الاستقلال دون العودة إلى سيغموند فرويد، والبحث عن جذور النضال الجزائري في تفسيرات سيكولوجية، بدل حصرها في تأويلات سياسية فقط.
صورة الأب
مطلع 1954، في العام الذي اندلعت فيه حرب التحرير، لم يكن الناس في الجزائر، في الأرياف كما في المدن، يتبنون سوى صورة أب قومي واحد لهم، هو مصالي الحاج (1898-1974) أو «سيدي الحاج» ـ كما سماه البسطاء. هذا الرجل الذي احتكر لنفسه صورة «أب» الوطنية. وهو القادم من عائلة فقيرة من تلمسان، الذي تطوع في الحرب العالمية الأولى مع فرنسا، ثم لم يجد ما يسد به جوعه سوى العمل في مصانع في باريس، من الخامسة صباحاً إلى الرابعة بعد الزوال، قبل أن ينخرط في الأوساط النقابية، ويتشكل وعيه السياسي، يتعاطف مع الحزب الشيوعي، ثم ينشئ عام 1926 «نجم شمال افريقيا». وهي أول حركة تحريرية، ولدت في المهجر من أجل الداخل. تبنى فيها مصالي الحاج خطاباً صريحا ضد ما أطلق عليه «الإمبريالية الفرنسية» مطالباً بالحق في التحرر. بدءاً من 1926 سوف يصير هذا الرجل بؤرة يتجمع حولها الجزائريون. خطاباته ومناشيره كانت تلقى ترحيباً في أعماق البلاد، لم يختلف فيها مثقفون ولا عامة الناس. عام 1937 سوف يُحل «نجم شمال افريقيا» بتهمة «المساس بوحدة الدولة الفرنسية» بعد أن صار مطلبه: سحب كل القوات العسكرية الاستعمارية واستقلال الجزائر استقلالاً تاماً. انتهت المغامرة الأولى لمصالي الحاج، الذي جمع ما لا يقل عن 5 آلاف منضوٍ من الجزائريين في حركته، ولا يزال الناس إلى اليوم، يحفظون نشيد ذلك الحزب الذي كتبه الشاعر مفدي زكرياء (الذي سوف يكتب في وقت لاحق النشيد الوطني للبلد).

سيغموند فرويد
عقب حل الحركة، أسس مصالي الحاج «حزب الشعب» الذي سيعزز مكانته في أوساط الناس، هكذا تاريخ حركة التحرر في الجزائر، كانت دائماً تأتي من المهجر، وأب هذه الحركة هو دائماً مصالي الحاج. جرى في أدبيات التاريخ الرسمي القول إن الجزائريين خرجوا يوم 8 مايو/أيار 1945، عقب نهاية الحرب العالمية الثانية، إلى الشارع قصد المطالبة بحقهم في الاستقلال، كما وعدتهم فرنسا إثر هزيمة النازية. فتاريخ 8 مايو هو يوم الذاكرة، يوم سالت فيه دماء الآلاف من الجزائريين تحت قمع الآلة الكولونيالية. وتفيد الإحصائيات الرسمية، أن ما يقارب 40 ألف جزائري خرج إلى الشارع في تلك الواقعة. لكن التفصيل الأهم الذي يخفيه المؤرخون، أن الجزائريين الذين خرجوا للشارع كانوا من أنصار «حزب الشعب» بالتالي من أنصار مصالي الحاج، هذا الرجل الذي استطاع من منفاه، أن يجند عشرات الآلاف من الناس في صفه. وانتهى الأمر، مرة أخرى، بحل حزب الشعب، الذي تلاه حزب آخر أسسه دائما مصالي: «حزب انتصار الحريات الديمقراطية» الذي سوف ينتقل ـ تدريجياً ـ من الممارسة السياسية إلى الممارسة العسكرية. ولن تتدخل السلطات الاستعمارية، هذه المرة، في حله، بل ستنوب عنها «عقدة أوديب» كما عرفها فرويد، وما يترتب عنها من عقدة أبوية، في خلق صراع داخل هذا الحزب، من أجل استبعاد الأب (مصالي حاج) وقتله رمزياً من طرف شبان (سوف يحكمون البلاد عقب الاستقلال). ففي شتاء 1954 سوف تنشق ما يطلق عليها (اللجنة المركزية) عن الحزب، ثم أطلقت على نفسها مجموعة اﻟـ22 (بعدما انضم إليها أعضاء آخرون) وهم مجموعة من المناضلين كان يجمعهم أمر مشترك: استبعاد مصالي الحاج. استبعاد الأب الذي بسط حضوره على عقول الجزائريين كلهم. هذه المجموعة من اثنين وعشرين فرداً سوف تشكل (اللجنة الثورية للوحدة والعمل) ثم جبهة التحرير الوطني. منطلق عملها يتطابق مع نظرية في التحليل النفسي: قتل الأب والانفراد بالأم (الثورة، البلد). غالباً ما يجري التأريخ لحرب التحرير بتاريخ الفاتح من نوفمبر/تشرين الثاني 1954، لكن التأريخ الحقيقي لها يبدأ من الانشقاق عن الأب «مصالي الحاج» تطابقاً مع عقدة أوديب التي أخبرنا بها سيغموند فرويد.
دفن الأب
حين قتل أوديب والده، لم يخبرنا أين دفنه، وعندما ابتكر فرويد نظريته الأوديبية لم يخبرنا عن مكان دفن الجثة أيضاً، لكن عندما تحولت هذه النظرية السيكولوجية إلى حقيقة سياسية، في الجزائر، صرنا نعرف مكان جثة الأب، مكانها النسيان، محو تاريخها بالكامل، بعدما كان مصالي الحاج «أباً» للوطنية، مشعلاً للرغبة في التحرر، صار عقب الاستقلال (1962) لعنة، اسماً ممنوعاً، بل وصل الأمر بالبعض إلى دمجه، عنوة، في خانة العملاء. انتصر الأبناء على الأب، وبدل أن يرأفوا بحاله، بعد كبره في السن، تسابقوا في الطعن في ماضيه، في النيل منه، في الإساءة إليه. إلى غاية السنوات العشر الماضية، كان اسم مصالي الحاج مرادفاً للخيانة، لا لشيء سوى أنه خسر معركته إزاء عقدة أوديب، التي سكنت جيل حرب التحرير. ولم يعد اسمه إلى الاهتمام سوى عام 2011، بمناسبة مؤتمر دولي في تلمسان، رجا مؤرخون أن يستمر ذلك المؤتمر في طبعات أخرى، لكنه توقف. وعاد أب الوطنية من حيث جاء: اسماً غير مرغوب فيه، من طرف أبناء الاستقلال.
من الممكن أن نقضي ساعات في مناقشة الخلفيات التاريخية والسياسية التي أدت إلى اندلاع حرب التحرير في الجزائر (1954) لكن يجب أن لا نتغاضى عن البعد السيكولوجي إزاء ما وقع، فتعاظم عقدة أوديب تجاه «الأب» مصالي الحاج، والرغبة في قتله (رمزياً) كانا سببين فيها، مع رغبة شبان في احتكار «الزعامة» نيابة عن معلمهم الذي علمهم النضال. ففي اجتماع لمجموعة اﻟ ـ22، صيف 1954، التي انشقت عن حزب (انتصار الحريات الديمقراطية) لم ترد فقط الدعوة إلى الحرب، بل أيضاً جملة أخرى تختصر ما سبق قوله: «إدانة انقسام الحزب والمتسببين فيه» يقصد منها إدانة مصالي الحاج شخصياً.
روائي جزائري