أجلس ككل صائم انتصر على شهواته يوما كاملا من الصيام في مقهى كل من فيه يشعر بأن عليه أن يشرب شيئا على نخب هذا الانتصار؛ لكنني أجلس وحدي كالغريب إلى طاولة أعدت كي يجلس إليها أربعة من الشاربين اللاعبين.. من أين لي بثلاثة من الجالسين الذين لا تربطهم بي صلة كي لا يطردني النادل ليمنح الطاولة لرباعي يغدق على سيده ربحا أكثر. أشرب نارجيلتي وأراجع معجم الانتصار والهزيمة في لغتنا اليومية.. ثم يأتي غريب مثلي يبحث عن كرسي شاغر ويتحرج إذ يراني جالسا وحدي فيستأذن ويجلس.. كان وجهه عابسا كأنما خرج لتوه من معركة خاسرة؛ طلب قهوة إيطالية وأشعل سيجارة أمريكية ثم انخرط في تأمل بعيد وظلت أمواج الدخان المنبعثة من السيجارة تتصارع قبل أن تذوب في أدخنة أخرى منبعثة من كل مجلس.
نستعمل مثلما فعلت أعلاه عبارات الحرب والهزيمة والانتصار كي نعبر عن أحداث بسيطة نستعملها ونحن قد نكون من أبعد خلق الله عن خوض حرب وكسبها أو الخسارة فيها، نستعملها للتعبير عن تفاصيلنا وكأننا نستعير شيئا معلوما لشيء مجهول غائر في بواطننا أو ظاهر للعيان. كثيرة هي العبارات التي نعتقد في دقتها كي نصف بها الوقائع ونلملم به أشتات الوضعيات، أو نبني بها الكون الذي يعتور في داخلنا أو الكون الماثل أمامنا أو خلفنا، هي عبارات نروضها كي نستعملها في غير السياق الذي وضعت له.
يجلس رجل مهذار على الكرسي الثالث، يبدو أنه يعرف الرجل الثاني ويتحدثان عن حرب من حروب الدول، ويختلف الرأيان فينحاز أحدهما إلى دولة وينحاز الثاني إلى أخرى في حرب لا ناقة لهما فيها ولا جمل، وينخرطان في ضرب من الحجاج حملت نفسي المفلسة هذه الليلة على متابعته فتابعته. كان جدلا حول الحرب الدائرة حاليا في قارة بعيدة وكأن رحاها تدور في حارتنا البعيدة. منطق الحجاج بين الرجلين منطق عدائي فيه يرفع شعار الخلاف للخلاف: أنا أخالفك والسلام. تجادل الرجلان جدلا فيه كثير من الهمز واللمز والتعريض، الذي كدّر نفسي غير أنه ما كدّر المتجادلين. حرب تقع رحاها على بعد آلاف الكيلومترات تجد صداها في قهوة شعبية يجلس فيها الناس للعب الورق وتدخين النارجيلة والسجائر استمتاعا بلذة الإفطار. قال الثالث للثاني لو كانا مسلمين لتوقفت الحرب بينهما لأن هذا شهر حرام الحرب فيه والقتل وسفك الدماء حرام.
قال الثاني هل تعتقد أن الكفة في الحرب متوازنة كي تتوقف؟ تظاهرت بشرب القهوة وأغرقت جزءا كبيرا من وجهي في الكأس أردت أن أخفيه عن الثاني الذي يسعى بكل جهد أن يشركني في الحديث. لو دخلت الحديث لصرت جزءا من المعركة ولانتصرت، بانتصاري لأحدهما، لدولة على حساب دولة ولصنفت في شق دون شق ولرماني أصحاب الشق الآخر بالانحياز الظالم إلى معسكر الشرق أو لمعسكر الغرب لذلك أغرقت وجهي في الكأس كأسير حرب يريد أن يخفي وجهه حتى لا يعرفه بقية الأسرى.. لو أسر الكأس جزء وجهي لخفي موقفي الذي يكره الانحياز فسير النقاش لا يرضي شخصا مثلي. لكن لماذا لا أرضى؟ هل أن ما لا يرضيني حجاجهم أم لغتهم التي لا تنصف رأيي. عبث أن تبحث عن عدالة اللغة التي يتكلم بها الناس وأنت تعني بالعدالة أن تعبر بإنصاف عما يدور في نفسك أنت. لا أحد يكون لسان حال غيره وحده لسانك الذي يكون معبرا عن حالك.
على شاشة التلفزيون سلسلة يتابعها في المقهى من عينه على الورق وعلى الوجوه وعلى الشاشة كثير.. أتظاهر بمشاهدة السلسلة التافهة فرارا من جدل أكثر تفاهة. يأتي ويجلس رجل يلبس نظارات مثلي وطربوشا صوفيا ويحمل كيسا صغيرا لا أحد يعلم ما فيه يجلس بلا استئذان ويطلب بصوت جهوري من النادل قهوة ونارجيلة وكوبَ ماء.. يخبره النادل أن الماء لا يصرف مجانا فيغضب ويقول صمنا النهار فلم لا نصوم الليل عن الماء؟ يجلس ويلعن بطريقته التعليب الذي لم يترك للناس شرابا كانوا يتمتعون به بالمجان.. كدت أعرض على الجالس أن يشرب من قنينتي، لكنه دون استشارة أسرع يسكب في الكأس ويشرب ثم شكرني ودعا بالرحمة على والدي.. أبتسم له وفي داخلي يفور الدم ويغلي..
يدخل طفل إلى المقهى فيرمي لعبة نارية يحدث انفجارها المفاجئ هلعا فيجري من جاء ثانيا إلى طاولتي ويخرج آخرون مذعورين من المقهى، أما أنا فلا أدري حين أراني خارجا لمَ أجري والطفل الذي رمى اللعبة يجري أمامي.. انتصر الطفل علي فهو يعرف على الأقل لمَ يجري.
ليس ما يدور من كلام في هذا المقهى غير عينة من صراع يومي بين البشر في الأفكار أو في المواقف أو لانتزاع مكان من الأمكنة من آخرين أو لإعادة التموقع في مكان آخر باستعمال ما يمكن أن يكون قوة ما. هذه القوة ليست بالضرورة مادية، بل يمكن أن تكون نفسية فشعور من سكب الماء من قنينتي بأني لن أعترض على فعله هو الذي دفعه إلى أن يتصرف كما تصرف. ربما قرأ في وجهي وفي جلستي وفي صمتي وفي غربتي، ما يمكن أن يدفعه إلى أن يتصرف بلا استئذان في ملك غيره. وربما عرف أن ميلي الباطن إلى التسليم بالنهايات هو الذي دعاه إلى أن يتحدث عن شربة ماء مقابل رحمة الوالدين. في هذا السياق تنخرط اللغة في الحرب اليومية الباردة أو الساخنة النارية أو الرمادية. أكثر أشكال ذلك هو الاستعارات الحربية التي استعملها الناس وهم يتحدثون حديثهم اليومي. لكن اللغة وهي تستعمل في هذه السياقات الحربية تكون منخرطة بما هي أداة في سياق حربي آخر.
ومثلما يقول جان لوي كالفاي Jean- Louis Calvet فإن للغة وظيفةَ ماهِيَةٍ، أي إن لها بصمات تحملها عن هوياتنا. فاللغة كما يقول هي بطاقة هوية، بل هي الطريقة التي بها نتكلمها ونعبر بها عن شيء ما عنا: عن وضعيتنا الثقافية وعن المجتمع وعن العرق وعن الهوية وعن المهنة وعن طبقتنا وعن أصلنا الجغرافي؛ إن اللغة لتقول هويتنا أي تقول اختلافنا. واختلافنا يمكن أن يصل إلى حد الحرب والعداء والوقوف مواقف مختلفة لا تخفى عن العدو بعد النطق بها. إن اللغة هي إلى ذلك ومثلما بين أصحاب نظريات الأعمال اللغوية أداة تفعل بواسطة الكلام في الكون وتغيره ويمكن ألا تغيره سلميا، بل بواسطة الحرب الكلامية التي تكون في مناقشاتنا الحادة أو في هجائنا أو في سبابنا، أو حتى في سخريتنا السوداء. حين تدخل اللغة مجال الحرب بين الأفراد لن تكون هي الخاسرة أو الرابحة، بل سيكون طرف ما خاسرا أو رابحا. يكون الخاسر أحيانا من لا يحسن استعمالها ويكون الرابح من يحسن ذلك. ستكون اللغة كأداة حرب كسيف مثلا في عصر السيوف أو كسهم لا يحسن المتكلم الخاسر استعماله. لكن اللغة ليست في هذه الحروب أداة بها تخاض الحروب، بل يمكن أن تكون مكانا للحرب ويمكن أن تكون موضوعا للحرب.
قد يحدث أن نتحدث اليوم عن حروب بين اللغات تقود في الغالب إلى هيمنة لغة بعلومها وآدابها وفنونها على بقية اللغات التي فرطت في هذا الخطاب الغالب، أو لم تعرفه أصلا ولم تجربه؛ لكن هذه الحرب لا تقود إلى قتل اللغات، إذ لا تخوض اللغات صراعا يقود إلى القتل بقدر ما تخوض حروبا تقود إلى الهيمنة. حروب اللغة الخاسرة في التاريخ هي تلك الحروب التي تدخل فيها الأمم سوق الكلام فتبيع وتشتري وتبرم العقود باللغة، لكنها تشتري ألسنة جديدة وتعتقد أن لسانها قديم لا يلبس إلا في أعياد الميلاد.
يدخل طفل إلى المقهى فيرمي لعبة نارية يحدث انفجارها المفاجئ هلعا فيجري من جاء ثانيا إلى طاولتي ويخرج آخرون مذعورين من المقهى، أما أنا فلا أدري حين أراني خارجا لمَ أجري والطفل الذي رمى اللعبة يجري أمامي.. انتصر الطفل علي فهو يعرف على الأقل لمَ يجري.
أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية