حرب غزة تنسف مساعي إصلاح العلاقات التركية الإسرائيلية وتفجر الخلافات بين أردوغان وبايدن 

إسماعيل جمال  
حجم الخط
5

إسطنبول- “القدس العربي”: في الأشهر الأخيرة، بدأت الدبلوماسية التركية حملة واسعة من أجل إعادة تحسين العلاقات مع الكثير من الدول حول العالم في مسعى لفتح صفحة جديدة بعد سنوات من استخدام القوة الخشنة والتدخلات العسكرية الخارجية التي أكسبت تركيا إنجازات في ساحة مختلفة لكن رافقها توترات وأزمات دبلوماسية أضعفت من تحالفات تركيا في صراع شرق المتوسط.

وإلى جانب مساعي إعادة تحسين العلاقات مع مصر والسعودية والإمارات والاتحاد الأوروبي وغيرها من الأطراف، كانت تسير الدبلوماسية التركية باتجاه ترتيب العلاقات مع الإدارة الأمريكية الجديدة، إلى جانب إعادة إصلاح العلاقات مع إسرائيل، وذلك عقب سنوات طويلة من الخلافات الحادة وتراجع العلاقات الدبلوماسية بسبب المواقف الحادة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان ضد سياسات إسرائيل تجاه الشعب الفلسطيني والمقدسات الإسلامية.

وسعت أنقرة بدرجة أساسية إلى محاولة تحييد الخلافات في الكثير من الملفات مع تل أبيب ومحاولة التركيز على ملفات الاتفاق والتعاون لا سيما فيما يتعلق بملف الغاز والنفط في شرق المتوسط وإمكانية العمل على مشاريع مشتركة لتصدير الغاز إلى أوروبا ومحاولة خلق توازن في العلاقات يُمكّن من ربط المصالح الثنائية بتقديم بعض الخدمات والتسهيلات للشعب الفلسطيني.

وعلى الرغم من أن تركيا كانت من أوائل الدول التي اعترفت بإسرائيل وبنت معها علاقات دبلوماسية مبكرة، وهي ما تطورت سريعاً لتصبح حليفاً مقرباً من خلال تعزيز التعاون العسكري والاستخباري على المدى العقود الماضية، إلا أن هذه العلاقات تراجعت بشكل حاد وتغيرت جذرياً عقب وصول حزب العدالة والتنمية وأردوغان إلى الحكم في تركيا.

فمنذ نحو 18 عاماً، تراجعت العلاقات تدريجياً ولم تعد تركيا “حليفاً” كما كانت في السابق، حيث تراجع التعاون العسكري والاستخباري إلى أدنى المستويات على الإطلاق وبقيت العلاقات الدبلوماسية شكلية إلى درجة كبيرة إلى حين الهجوم الإسرائيلي على سفينة التضامن التركية “مافي مرمرة” التي كانت في طريقها إلى قطاع غزة وهو ما فجر الخلافات بشكل أكبر بين البلدين وتراجعت العلاقات الدبلوماسية أيضاً إلى أدنى مستوياتها مع طرد السفراء المتبادل بين البلدين.

لكن ومع التوجه الجديد لأردوغان بمحاولة تقليل الخلافات في المنطقة، ومع التحديات الصعبة التي مرت بها تركيا خلال السنوات الأخيرة وخاصة فيما يتعلق بملف الصراع في شرق المتوسط، انفتحت أنقرة على محاولات إعادة تحسين العلاقات مع تل أبيب وذلك في محاولة لإضعاف التحالف المناوئ لها في شرق المتوسط وعدم إعطاء الفرصة لليونان لتجييش إسرائيل ومصر ودول أخرى ضدها في هذا الملف الاستراتيجي والحساس.

وفي هذا الإطار، جرت جهود دبلوماسية في الخفاء على مدى الأشهر الماضية، وسط أنباء عن وساطة أذربيجانية بين أنقرة وتل أبيب، كما تسربت أنباء عن اتصالات على المستوى الاستخباري، وعاد الحديث عن إمكانية إجراء اتصالات سياسية أرفع خلال الفترة المقبلة مع الأنباء عن دعوة تركيا لوزير الطاقة الإسرائيلي للمشاركة في مؤتمر كان مقرر أن يعقد قريباً في أنطاليا بتركيا.

وبينما كانت تسير الأمور في هذا الاتجاه، كثفت إسرائيل اعتداءاتها على مدينة القدس وحي الشيخ جراح قبل أن تتحول إلى مواجهة شاملة في قطاع غزة، ارتكبت خلالها القوات الإسرائيلية انتهاكات واسعة ضد المسجد الأقصى والمقدسات إلى جانب المجازر ضد المدنيين والأطفال في القطاع، وهو ما فجر ردود فعل تركية واسعة، كان الأشد ضد إسرائيل على المستوى الدولي وحتى العربي.

وهاجم أردوغان وكبار المسؤولين الأتراك إسرائيل في سلسلة تصريحات أجمعوا فيها على وصفها بدولة “إرهابية وعنصرية وفاشية”، وقال أردوغان إن “إسرائيل دولة مارقة تقتل الأطفال”، وجدد أردوغان في أحدث تصريحاته على أنه “لم ولن يكون صديقاً لنتنياهو في يوماً من الأيام”، وبالتوازي مع ذلك تصدرت تركيا مساعي إدانة إسرائيل على الصعيدين الإسلامي والدولي.

ومن شأن هذه التطورات، أن تنسف كافة الجهود الأخيرة لتحسين العلاقات بين البلدين، كما أنها تعيد مستوى التواصل بين البلدين إلى سنوات للوراء عندما قتلت إسرائيل النشطاء الأتراك على متن سفينة “مافي مرمرة”، وهو ما قد يدفع أنقرة إلى البحث عن خيارات أخرى لتقوية موقفها في ملف شرق المتوسط بعيداً عن إسرائيل، وهو بدوره ما قد يعطي زخماً أكبر للجهود المتواصلة لإعادة بناء العلاقات مع مصر.

وبالتوازي مع ذلك، تفجرت الخلافات أيضاً بين أنقرة وواشنطن، فبعد اتصالات واسعة ومساعٍ حثيثة لفتح قنوات اتصال بين أردوغان وإدارة بايدن في محاولة لبناء أرضية لتحسين العلاقات بين الجانبين وتحييد حزمة كبيرة من ملفات الخلاف المعقدة، فرض العدوان الإسرائيلي على فلسطين نفسه بقوة، ليفجر خلافات جديدة قد تنسف كافة الجهود التي بذلت طوال الأشهر الماضية، وتصعب أي جهود يمكن أن تتجدد في الأسابيع والأشهر المقبلة.

حيث هاجم أردوغان صمت الإدارة الأمريكية بقوة على الجرائم الإسرائيلية، قبل أن يصف الرئيس الأمريكي جو بايدن بأن “يديه ملطختان بدماء الشعب الفلسطيني“، وهو ما دفع إدارة بايدن للتصعيد واعتبار انتقادات أردوغان لإسرائيل “معادية للسامية وتشجع على العنف”، وهو بدوره ما ولّد ردود فعل تركية غير مسبوقة تجاه إدارة بايدن، أعادت كافة مساعي تحسين العلاقات إلى نقطة الصفر، ليضاف ملف جديد ثقيل إلى حزمة كبيرة من ملفات الخلاف بين أنقرة وواشنطن.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية