حرب لبنان الثالثة: الورقة الأمريكية لوقف النار فرصة «ملغومة» أم «ضائعة»؟

رلى موفق
حجم الخط
0

هناك في المكتب البيضاوي المسكون بالأسرار و«أزرار» لوحة العالم بأسره، جرى تسليم وتسلّم الشرق الأوسط المشتعل، في لقاء وُصف بـ«التاريخي» عُقد بين «اللدودين» جو بايدن ودونالد ترامب بعدما تعاهدا على الانتقال السلس للسلطة في الدولة الـ«ما فوق» الدول في المعمورة، والتي خاض الرئيس الأمريكي المنتخب حملته الرئاسية تحت شعار» لنجعل أمريكا عظمى من جديد».
على الطاولة بين رئيس راحل وآخر قادم، يقبع شرق أوسط ممزق، تستوطنه واحدة من أكثر حروب العصر ضراوة، أضحت حرباً وجودية لأضداد زجّوا بكل أنواع الأسلحة فتكاً: صواريخ، وأيديولوجيا، ومصالح، وقنابل زلزالية، ونفوذ، ومجازر، وخرائط، ومكائد، وأدوار، حتى بدا الإقليم كـ«بقعة الدم» ومن دون قطرة ضوء.
غزة المحطمة التي لم تعد تصلح للعيش بـ«التكافل والتضامن» بين مناورات بالميدان وأسلحة قاتلة ومناورات بالتفاوض لا طائل منها، تحوَّلت إلى مستودع دمار وموت ويأس مجهول المصير في ظل سراب «اليوم التالي» الذي ينتظر «هندسات» أمنية وسياسية واستراتيجية لم تنضج ظروفها بعد. الضفة الغربية، المرشحة لأن تكون في عين العاصفة مع تسلل دعوات إسرائيلية لضمّها، تعاند المخرز الممعن في إقامة المستوطنات وتوسعتها، وكأنه يراد إطلاق رصاصة الرحمة عليها لـ«اغتيال» مشروع الدولتين بعد تعاظم التأييد الدولي له، ومسعى القمة العربية – الإسلامية الاستثنائية في الرياض في 11 تشرين الثاني/نوفمبر، والتشبث به طريقاً لحل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، لعل المستقبل القريب – البعيد يشهد «معجزة» إقامة دولة فلسطينية جنباً إلى جنب مع دولة يهودية، تفتح الطريق واسعاً أمام مفهوم «السلام» المترجم بلغة «التطبيع».
أما حرب لبنان الثالثة التي دخلت شهرها الثالث بعد أشهرها العشر الأولى كـ«حرب إسناد» فصارت «ميني» حرب إقليمية بامتياز، في أصلها بين إسرائيل وإيران، وفي ميدانها ومداولات «الحل والربط» في شأنها تجد لاعبين ووسطاء كثر: تل أبيب، بيروت، واشنطن، باريس، القاهرة، طهران، الرياض، الدوحة، لندن، برلين، وأخيراً موسكو.
غزة، وما آلت إليه في العسكر والدبلوماسية «مسوّدة» لما يجري في لبنان وينتظره. فالثابت أن إسرائيل التي تمضي في اجتياحها الجوي المدمر، وفي غزوها البري، تريد «حزب الله» بلا أنياب، منزوع السلاح. أما التحوُّل فهو «انتظارات» ما تنطوي عليه المرحلة الانتقالية في الولايات المتحدة.
فحرب «التفاوض بالنار» بين إسرائيل ومعها أمريكا، و«حزب الله» ومن خلفه إيران، وبينهما لبنان، هي في أوجها على وقع تبادل الضربات والمقترحات في أقسى عملية «ليّ ذراع» على الطريق إلى حلٍ وَضعتْ أحرفه الأولى إدارة بايدن ويراد تقديم إنجازه هدية لإدارة ترامب بعد تنصيب الرئيس العائد بقوة.
ولم يكن ممكناً قراءة الاندفاعة الهستيرية لإسرائيل في حربها في الأسبوع الأخير إلا في إطار معادلة من حدّين… تطويع بالنار لأي مقاومة لدفتر شروطها حيال الحل المقترح، وإنجاز ما أمكن من تدمير لبنى «حزب الله» في فترة السماح قبل حلول موعد «اليوم التالي» على جبهة لبنان.
ومن هنا تحوَّلت الضاحية الجنوبية لبيروت، معقل «حزب الله» أو بالأحرى عاصمته السياسية، إلى ملعب غارات ليل نهار، العنيفة تُسلِّم الأعنف، حيث تُسوَّى بالأرض عشرات المباني السكنية بعد الاعتقاد السائد بأن الأهداف العسكرية وذات المعنى السياسية قد نفّذت، في الوقت الذي بلغ فيه القصف مستويات لا سابق لها في عمليات تدمير جوية لبلدات الجنوب ومدنه ولا سيما صور، والنبطية، وبنت جبيل، ولبلدات البقاع الذي اهتزت قلعته التاريخية في بعلبك.
ولم يكن عابراً إطلاق إسرائيل المرحلة الثانية من عمليتها البرية بعدما أنجزت في الأولى مهمة تحويل الحافة الحدودية إلى «أرض محروقة» و«منطقة ميتة» غير صالحة للعيش عبر تسوية أكثر من 40 بلدة بالأرض بعمق 3 – 5 كلم ومسحها عن الخريطة تحقيقاً لمطلبها بـ«منطقة عازلة» على حدودها.

تفاوض النار بالنار

ثمة تساؤلات حول الأسباب التي حدت بالقيادة العسكرية الإسرائيلية إلى الذهاب للمرحلة الثانية بعدما كان هؤلاء يقولون إنهم أنجزوا المهمة وحققوا الأهداف التي وضعوها للمرحلة الأولى بإبعاد «قوة الرضوان» التي هي قوة النخبة في «حزب الله» وتفكيك منشآتهم على الحدود وتدمير الأنفاق التي كانت تشكّل هاجساً لتل أبيب من تكرار عملية مشابهة لعملية «طوفان الأقصى» في مستوطنات الشمال. وتنبع التساؤلات عن أسباب تصديق رئيس الأركان هيرتسي هاليفي – على عجل – على المرحلة الثانية، على الرغم من أن المستوى العسكري كان قد أعلن عن سحب فرق وتسريح ألوية احتياط وأن الوقت حان للذهاب إلى تفاهم سياسي.
المراقبون يدرجون المرحلة الثانية في إطار إنجاز تفكيك ما أمكن من البنى التحتية لـ«حزب الله» جنوب الليطاني ودفعه إلى شمال النهر، ما يجعل المهمة منجزة بـ«تفاوض النار». وبدا من التطورات الميدانية تركيز إسرائيل على المحور الغربي والذي يُعتبر عسكرياً «خاصرة رخوة» لـ«حزب الله» ولم تدخله في حرب 2006. وتذهب القراءات إلى هدف إسرائيلي بإنشاء منطقة عازلة بعمق 9 كلم بمحاذاة الشاطئ البحري من الناقورة داخل العمق اللبناني، الأمر الذي يُفسِّر تقدّم الجيش الإسرائيلي إلى بلدة شمع المشرفة على مدينة صور والتمدد منها إلى منطقة البياضة التي تبعد عن صور نحو 15 كلم. يقول محلل عسكري في متابعته لتطورات الميدان في الأيام الـ54 الماضية والتكتيك العسكري الإسرائيلي إن الجيش الإسرائيلي يتصرف بعقلية أن ما زال لديه هامش زمني لشهرين مقبلين ما يجعله يستخدم استراتيجية التقدّم والتدمير والانسحاب وعدم الانتشار والتمركز لتقليل الخسائر، وكي لا يكون هدفاً سهلاً لصواريخ المقاومة. ويُشير إلى أن التوغل في المرحلة الثانية ستكون من نتائجه إبعاد تأثير الصواريخ المباشرة وصواريخ الكورنيت الدقيقة عن كل الجبهات من الناقورة وصولًا إلى الخيام، وتأمين عددٍ من المدن الأساسية داخل إسرائيل. ورغم زج إسرائيل بآلتها الأكثر فتكاً في حربها المجنونة، فإن «حزب الله» الذي استُنقذ عبر انخراط إيراني مباشر في إدارته، ما زال يُعاند وبـ»النار» عبر مواجهات الميدان لعرقلة التوغل البري أو من خلال تعميق استهدافاته لإسرائيل بصواريخ باليستية وبمسيرات على قاعدة «تفاوض النار بالنار».
أتى علي لاريجاني كبير مستشاري المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية إلى بيروت على وقع الورقة الأمريكية المكتوبة للتوصل إلى تسوية لوقف إطلاق النار. لم تكن لغته وتعابيره بفجاجة مَن سبقه من مسؤولين إيرانيين، ولا سيما وزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف، إلى بيروت منذ تلقي «حزب الله» الضربات القاصمة في هيكليته القيادية السياسية والعسكرية. حاول لاريجاني في تصريحاته العلنية أن يقول إنه يقف خلف ما تريده حكومة لبنان ومقاومته الحكيمة، في محاولة للتخفيف من الاستفزاز الإيراني السابق الذي أرادت إيران إيصاله من قبل بيروت إلى العالم بالقول إن «الأمر لي».
لكن في العمق، يبقى الكلام غير المعلن والذي يتحدّد بين إيران و«حزب الله» هو «بيت القصيد» والذي يُبنى عليه، وهو ما ستظهر معالمه وترجماته في قابل الأيام مع تبلور الإجابات اللبنانية عن المقترح الأمريكي، الذي يتضمن عملياً حرية الحركة الإسرائيلية في الأجواء اللبنانية إنما في صياغة التفافية تُعطي الجانبين («حزب الله» وتل أبيب) «حق الدفاع عن النفس». وفي مثل هذه الحال، قد تشكل فرصة «ملغومة» ستبقى اليد الطولى لسلاح الجو الإسرائيلي الذي يتفوَّق فيه على «حزب الله» ما يجعل من الصعب ذهابه إلى القبول والتسليم بهكذا بند يُشكِّل «عملية نحر وانتحار» له، لكن عدم التقاط فرصة الاتفاق التي تلوح في الأفق سيعني عملياً مواصلة الآلة العسكرية الإسرائيلية الإمعان في التدمير والقتل في «الوقت الضائع».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية