حروب تجارية وتصعيد ترامب ضد الاحتياطي الاتحادي وأسعار النفط العربي تتراجع

محمد المذحجي
حجم الخط
0

لندن-“القدس العربي”: خيمت تداعيات الحروب التجارية التي شنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على الصين والاتحاد الأوروبي، على الاقتصاد العالمي، وأدى ذلك إلى تراجع الأسواق والاستثمارات في القوى العالمية فضلاً عن الدول النامية والاقتصادات الصاعدة. وتحسن الاقتصاد الأمريكي بفضل السياسة الحمائية في دعم الشركات المحلية في مواجهة الشركات الصينية والأوروبية، وعلى سبيل المثال، سجلت أمريكا أدنى مستوى للبطالة خلال الـ50 سنة الماضية، وارتفع معدل نمو الناتج الإجمالي المحلي إلى نسبة 4.2 في المئة خلال الربع الثاني من هذا العام.

تصعيد ترامب ضد الاحتياطي

لكن أسواق الأسهم الأمريكية شهدت هبوطاً حاداً خلال الأسابيع الأخيرة للعام المنتهي بفعل مخاوف وتقديرات صندوق النقد الدولي حول انخفاض نمو الاقتصاد الأمريكي خلال عام 2019 بنسبة 0.2 إلى 2.5 في المئة. بينما أكد مصرف “غولدمان ساكس” أن اقتصاد الولايات المتحدة لن يشهد ركوداً خلال العامين المقبلين حتى موعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية المقبلة. وجدد ترامب هجومه على مجلس الاحتياطي الاتحادي بشأن ضعف النمو الاقتصادي، وحمله الجزء الأكبر من الأسباب التي أدت إلى هذه المشكلة، وقال “هم يرفعون أسعار الفائدة بوتيرة سريعة للغاية لأنهم يعتقدون أن الاقتصاد جيد جدا، لكنني أعتقد أنهم سيفهمون الأمر قريبا”، مضيفاً “المشكلة الوحيدة التي يعاني منها اقتصادنا هي مجلس الاحتياطي الاتحادي”. وأشارت وسائل إعلام عديدة إلى أن الرئيس الأمريكي يدرس إقالة رئيس مجلس الاحتياطي الاتحادي، جيروم بأول، وخلال حديثه مع وكالة “رويترز” للأنباء، أكد أنه غير سعيد بباول.

الحرب التجارية

كان أداء الاقتصاد الصيني الأسوأ منذ أزمة عام 2009 ونمو الاقتصاد خلال 2018 الأضعف منذ 28 عاما الماضية. وخيم التراجع على اقتصاد الصين حيث انخفض متوسط نموه إلى 6.7 و6.5 في المئة خلال الربع الثاني والثالث من عام 2018، وبلغت قيمة الديون غير المعلنة بين 4340 مليار إلى 5780 مليار دولار أمريكي، ونسبة معدل ديون الحكومة الصينية إلى الناتج الإجمالي المحلي إلى 60 في المئة خلال العام الحالي، حسب ما أعلنته وكالة “ستاندارد آند بورز” (وهي شركة لخدمات التصنيف الائتماني مقرها الولايات المتحدة)، واعتبر العديد من المحللين تصاعد الديون غير المعلنة الصينية أزمة بكين الكبرى. بينما كان نمو الاقتصاد 9.2 في المئة خلال عام 2011.

وشن ترامب حربه التجارية على الصين منذ أيار/مايو الماضي ضد الإجراءات الحمائية الصينية، وأعلن فرض ضرائب جديدة بنسبة 25 في المئة على واردات الصلب و10 في المئة على واردات الألومينيوم، وبرر الرئيس الأمريكي ذلك بأن العجز التجاري لبلاده مع الصين ارتفع بشدة. كما أعلنت وزارة التجارة الأمريكية أن العجز التجاري للولايات المتحدة في السلع والبضائع لوحدها بلغ 810 مليار دولار خلال عام 2017، فضلاً عن العجز في قطاع الخدمات. وكان إجمالي العجز التجاري في الولايات المتحدة وصل إلى 566 مليار دولار ما يعادل 2.7 في المئة من الاقتصاد الأمريكي. ويحاول ترامب تقليصه من خلال شن حروب تجارية ضد الصين وأوروبا وباقي اقتصادات العالم، واصفاً السياسة المتبعة من قبل أسلافه الأمريكيين بأنها “حمقاء”. ووصفت بكين فرض واشنطن التعاريف الجمركية بأنها “أكبر حرب تجارية شهدها التاريخ”.

ولا يبدو أي وضوح في أفق المفاوضات الجارية التي بدأت بعد التوافق بين الرئيسين الصيني والأمريكي على هامش قمة مجموعة 20 في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي في أرجنتين. وأعطى ترامب مهلة 90 يوما، وأجل فرض المزيد من الضرائب والتعاريف الجمركية على الواردات الصينية التي كان من المقرر أن تبدأ في كانون الثاني/يناير المقبل، وتفرض على أكثر من 200 مليار دولار من السلع الصينية.

وتباحث نائب رئيس الوزراء الصيني ليو خه، مع وزير الخزانة الأمريكي ستيف منوتشين، خلال اتصال هاتفي حول “خريطة طريق” لتنفيذ التوافقات العامة التي توصل إليها ترامب مع نظيره الصيني، فضلاً عن مناقشة جدول زمني محدد لحل القضايا الاقتصادية والتجارية العالقة بين البلدين. وأعرب الممثل التجاري الأمريكي روبرت لايتهايزر، عن عدم تفاؤله إزاء توصل البلدين إلى توافق خلال المفاوضات التجارية الحالية، وأكد أن الولايات المتحدة لن تتأخر في فرض تعاريف جمركية جديدة ضد الصين في آذار/مارس المقبل إن لم يحصل التوافق المرضي.

وشكك الكثيرون في أن الحرب التجارية تحقق كل ما تريده الولايات المتحدة، حيث قال المحافظ السابق للاحتياطي الاتحادي الأمريكي جانيت يلين، إن الحرب التجارية ليست الحل لتقليص العجز التجاري الأمريكي مع الصين، وإن ارتفاع سعر الفائدة في أمريكا سيشكل ضغطا متزايدا على قيمة صرف الدولار، واعتبر أن انخفاض سعر الدولار يشكل جزءا غير قليل من عجز أمريكا التجاري. وأضاف أن مستوى الاستهلاك العالي للسلع والبضائع المستوردة لدى المواطنين الأمريكيين يزيد العجز التجاري تفاقما، وأن نفقات الأمريكيين أكثر من إنتاجهم، والولايات المتحدة تستورد كما كبيرا من سلع الخدمات حتى تلبي الطلب الداخلي.

أزمة بريكست

ويعاني الاقتصاد البريطاني من الغموض الذي خلفته أزمة بريكست، فضلاً عن عدم توافق النخبة الحاكمة حول كيفية تعاطي معها. وبريكست من الملفات الشائكة التي أثرت سلباً على الاقتصاد الأوروبي بشكل عام. ورغم المفاوضات العديدة التي خاضتها لندن وبروكسل لحل أزمة الحدود بين ايرلندا الشمالية وايرلندا الجنوبية والاتفاق النهائي الذي اشتهر باسم “اتفاق ماي” والذي وصف بأنه أفضل اتفاق يمكن التوصل إليه، لكن أول معارضة لهذا الاتفاق جاءت من داخل حزب تريزا ماي أي المحافظين، وكاد ذلك أن يطيح بحكومة رئيسة الوزراء البريطانية من خلال محاولات المؤدين لما يوصف “بريكست الحاد” سحب الثقة من ماي. وأجلت الأخيرة التصويت على الاتفاق النهائي للانسحاب من التكتل الأوروبي حتى منتصف كانون الثاني/يناير المقبل بهدف الحصول على النسبة اللازمة لتمريره في مجلس العموم البريطاني. لكن ليس من المتوقع أن تحصل ماي على هذه النسبة، واتجهت إلى تبني الانسحاب دون توافق من الاتحاد الأوروبي ما يدعمه ترامب بقوة ودعا المملكة المتحدة له خلال زيارته إلى لندن الصيف الماضي.

وحاولت بروكسل أن تعزز موقف معارضي بريكست من خلال إعلان محكمة العدل الأوروبية أن في إمكان بريطانيا أن تلغي البند 50 من معاهدة لشبونة منفردة، ويفتح ذلك المجال لإجراء استفتاء جديد لإلغاء بريكست، لكن رئيسة الوزراء البريطانية رفضت إجراء استفتاء جديد. وبدأت المفوضية الأوروبية العمل على إعداد خطة عمل لحماية المواطنين والشركات الأوروبية من التداعيات التي سيسببها انسحاب بريطانيا من التكتل الأوروبي دون اتفاق في 29 آذار/مارس المقبل. ولم يبق إلا 100 يوم حتى الموعد المقرر، ولا يبدو أن مجلس العموم البريطاني ينوي المصادقة على خطة ماي.

“السترات الصفراء” زادت الطين بلة

وأفسدت حركة “السترات الصفراء” الانتقال المرن من الحقبة المالية التي تعرف باسم “بترو-دولار” إلى حقبة مالية جديدة تعتمد على الغاز وعلى عملات أخرى غير الدولار الأمريكي. وحاول نادي العولمة أن يستخدم اتفاقية باريس للمناخ غطاء لهذا الانتقال، لكن رد نادي اليمين والشركات العالمية الكبرى المتضررة من اتفاقية باريس، جاء بشكل عنيف ومن خلال ربيع يميني في شوارع المدن والعواصم الرئيسية الأوروبية. والملفت في الأمر هو أن الاستثمارات الفرنسية تضاعفت خلال السنوات الـ3 الماضية وبعد التوقيع على اتفاقية باريس المناخية على قطاع الوقود الأحفوري الذي يشكل نسبة 80 في المئة من انبعاث الكربون والاحترار عالمياً، بينما لم تشكل الاستثمارات الفرنسية في قطاع الطاقة المتجددة شيئا يذكر خلال الفترة ذاتها. فضلاً عن أن ماكرون أعلن أن فرنسا تعتزم إغلاق 14 مفاعلا نوويا من أصل 58 مفاعلا تنتج 72 في المئة من احتياجات فرنسا للطاقة الكهربائية. وفي طبيعة الحال الوقود الأحفوري سيكون بديل فرنسا للطاقة النووية، ما يضرب قواعد اتفاقية باريس بعرض الحائط!

ولم يكن الاقتصاد الأوروبي في أفضل حالاته، فمتوسط النمو في إيطاليا هو 0 في المئة، وأعلى نمو شهدته ألمانيا هو 1.5 في المئة، وهي نسب ضعيفة للغاية بالنسبة للاقتصاد الأوروبي. وأجبرت حركة “السترات الصفراء” حكومة إيمانويل ماكرون على زيادة العجز في الموازنة إلى 3.5 في المئة، أي أكثر من النسبة التي اتفق الاتحاد الأوروبي عليها مع باريس التي تصفها روما بأنها الفتى المدلل لبروكسل. ورفض الاتحاد الأوروبي موازنة إيطاليا التي سجلت عجزا بنسبة 2.4 في المئة، وهددت بروكسل بأنها ستفرض عقوبات على روما، لكن “السترات الصفراء” خففت الضغط الأوروبي على إيطاليا التي تعاني من التراجع المتواصل في اقتصادها. وبلغ إجمالي العجز المالي الايطالي 131 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، ويعتبر ذلك ثاني أكبر عجز مالي بين دول الاتحاد الأوروبي بعد اليونان.

ووفقا لقواعد الاتحاد الأوروبي، يجب على روما خفض العجز المالي سنويا بشكل تدريجي ليصل إلى 60 في المئة فقط من الناتج المحلي الإجمالي، لكن المفوضية الأوروبية أكدت رغم رفضها الموازنة أن العجز المالي الايطالي يبدو مستقرا على مدار العامين المقبلين. ومن جانبها، قالت المفوضية إن خطة الموازنة الايطالية لعام 2019 تضمنت عجزا ماليا هيكليا بواقع 1 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، متجاهلة الدورة الاقتصادية الاعتيادية في ايطاليا، وهو ما جاء بديلا عن خفض عجز الموارنة بواقع 0.6 في المئة الذي طلبه الاتحاد الأوروبي من الحكومة الايطالية السابقة.

الاقتصاد العربي: انهيار حاد في أسعار النفط

 

النفط هو أبرز ملف في اقتصاد الدول العربية خلال عام 2018، وشهد سعره انهيارا حادا رغم أن منظمة الدول المنتجة للنفط “أوبك” خفضت إنتاجها بنسبة مليون و200 ألف برميل يوميا اعتبارا من الشهر المقبل، وسط توقعات في تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي، فضلاً عن أن الولايات المتحدة زادت من إنتاج النفط الصخري بكميات كبيرة. ورغم أن واشنطن فرضت عقوبات مشددة على إيران، إلا أن سعر نفط برنت انخفض إلى أقل قيمته خلال الشهور الـ14 الماضية ووصل إلى ما يقارب 57 دولارا لكل برميل، بينما كان 86 دولارا في تشرين الأول/أكتوبر الماضي. وتوقع مصرف “ميريل لينش” أفقا سيئا وغير مستقر للاقتصاد العالمي، وقال إن أسواق الأسهم ستشهد انخفاضا خلال العام المقبل.

وأفادت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن إنتاج الولايات المتحدة من النفط وصل إلى 11 مليون و300 ألف برميل يوميا خلال كانون الأول/ديسمبر، وانخفضت وارداتها من النفط إلى 3 ملايين و100 ألف برميل يوميا أي أقل من ثلث وارادتها النفطية قبل 10 سنوات. وسجلت روسيا رقما قياسيا جديداً في إنتاج النفط أي 11 مليون و420 ألف برميل يوميا. وجميع هذه المعطيات، تظهر أن تأثير العمود الفقري للاقتصاد العربي يتقلص يوماً بعد يوما، والمستقبل غير جيد بالنسبة لهذا القطاع خاصةً وأن العالم ينتقل تدريجيا إلى حقبة مالية جديدة ونظام دولي جديدة أقل اعتماداً على النفط.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية