في مجموعة “حروب فاتنة” للقاص حسن عبد الموجود، الفائزة بجائزة يوسف إدريس هذا العام، يدرك القارئ أن هذه القصص بعد القراءة ليست عادية، وأن بها تفردا ما، والسبب في تولد ذلك الشعور يتمثل في مجموعة من السمات، ربما يكون أهمها يرتبط بكون الكاتب لا يكتب القصة بمقصد أو غاية أو توجيه مشدود لأيديولوجية واضحة، والأصح أن يقال أنه لا يكتبها بتصميم أو تركيز معتمدا توجيها دلاليا محددا، فهو يكتبها بمنطق الحياة المتعدد في المقاربة والاقتراب منها.
يضاف إلى السمة السابقة وعي لافت بالقصة القصيرة، وتأسسها نوعا مغايرا منفصلا عن الرواية، بعيدا عن المساحة الزمنية والكتابية التي كانت لا تقيم وزنا للفروق الإجناسية بين النوعين، حيث كان مصطلح القصة بشكل عام معبرا عن تلك المرحلة، فالكاتب لديه وعي بالقصة القصيرة وأعلامها، وتحولاتها الفنية، ولديه رصيد ضخم من إسهامات السابقين تظهر في المجموعة قدرته على تطويعه، ولديه وعي بالجزئيات الفارقة المميزة لدى كل كاتب.

هناك سمة أخرى تجعل كتابة حسن عبد الموجود للقصة القصيرة مختلفة عن الآخرين، ربما تكون هذه السمة متمثلة في درجة الجودة والإتقان، فليس هناك تفاوت بين قصة وأخرى في فنية العمل، ولا في قدرته على غواية القارئ وجعله مشدودا للاستمرار في القراءة، لاستكمال جزئياته، واستبيان دلالاته في المناحي المعرفية المشدود إلى مقاربتها والارتباط بها. من ملامح فكرة الإغواء بالقراءة هناك آلية لافتة في التقطير والتوزيع في تقديم ملمح من ملامح الشخصية أو جانب من جوانبها، فقد يأتي اسم الشخصية في سياق مبكر يكشف عن الفاعلية في حركة القصة ونموها، كما في قصة “الغرف المنسية”، فرغدة – البطلة التي تتجلى بوصفها عنصرا للمشابهة والقدرة على الاستمرار بوصفها بديلا لتلاحم سابق- يأتي ذكرها في البداية، ولكن الكاتب يترك القارئ بهذا الشغف، وينتقل بطريقته إلى جانب آخر يستجليه بشكل جزئي، ثم يعود من خلال إشارات متقطعة بعد ذلك لاستكمال ملامح اللقطة الأولى التي أشار إليها.
وهذا قد يشدنا إلى سمة أخرى ربما تكون أكثر فاعلية من سمات كتابة القصة عند حسن عبدالموجود فقصصه تعتمد بناء متوازيا قائما على التآزر، وليس على الخطية، فهو يقدم عالما كليا يرتبط بالتعدد في أبعاده الداخلية الغائرة للشخصية، ولا يكشف في استراتيجيته سواء في بناء رموزه أو في جعلها في مساحة الريب، عن قطع بفكرة نهائية في محتوى الرمز الدلالي، حيث لا يكون هناك لدى القارئ يقين نهائي بتشكيل رمز من جهة، ومن جهة أخرى لا يكون هناك محتوى ناجز يمكن الارتكان إليه. فالقصص عند حسن عبد الموجود تكتفي بالإشارة البعيدة إلى رموز تتكون وتبدو شبه مكتملة، ولكن القصة- نظرا لنفس السخرية الذي يطل في كل جزئية وكأنه خطاب مضاد- تظل معلقة برموزها في الهواء فكرة غير مكتملة، وغير قطعية الدلالة، لتفصح في النهاية على أن هناك نوعا من اللعب الفني المنسوج بمهارة.
لعبة الوجود والمحو
يدعم حسن عبد الموجود في قصص المجموعة هذا التوجه الكتابي متعمدا، فليس هناك يقين نهائي بفكرة مكتملة، هو يعرضها فقط للمعاينة والتأمل. ونظرة فاحصة إلى بعض القصص تكشف عن ذلك، ففي القصة الأولى “دراجة تعيد رفيق الحزب القديم” سوف تتشكل أثناء القراءة مداخل عديدة للقصة، منها: ثنائية الوطن والدين، وانتهازية الأحزاب وتهافتها (من خلال الارتباط بالطبيب الشهير بجاردن سيتي، بالإضافة إلى لحظة النهاية في القصة بتصوير البطل والدراجة، وعدم فاعلية هذه الأحزاب وغياب أثرها بالنسبة للفرد العادي). ولكن التأمل الدقيق يثبت أنها مداخل غير ناجعة في تلقي العمل. الحروب أو الصراعات في هذه المجموعة ليست صراعا مع الخارج المحيط، وإنما هي حروب مع الداخل، مع المخاوف والهواجس التي تلازمنا على الدوام، مع أحلام اليقظة التي تصنع له- أي للبطل- فاعلية حقيقية، وكأنه من خلالها يحاول أن ينفذ من الواقع للخيال، يخرج من السكون للحركة، من الخمول إلى الذكر.
الواقع في قصص المجموعة لا يصنع الخيال، وإنما الخيال – وهذا شيء ضد المنطق الطبيعي- يصنع الواقع، ويشكله، ومن ثم نجد أن الواقع في قصص المجموعة ليس واقعا تام الوجود، وإنما هو واقع متلاش رجراج لا حدود له. ففي القصة السابقة يظل القارئ متأرجحا بين يقين بالوجود ويقين بالغياب، فيما يخص الحزب الشيوعي المصري، فالإشارة إلى جوزيف روزنتال إشارة دامغة على وجوده، ولكن هذا الوجود في القصة وجود سائل ومحل شك.
التذكر والنسيان في هذا العمل يرتبط بذاكرة فردية لها منطقها الذاتي والفردي، فهي ليست مشغولة بمواضعات ومنطق السياق العام، ولكنها مهمومة في الأساس بمخاوف هذه الذات، وآلامها وآمالها وانكساراتها المستمرة، وفي كل ذلك نجد أن المدى الكتابي مشغول بالغائر الداخلي لهذه الذات الذي لا يتجلى بشكل مباشر، وإنما في صورة همهمات مشدودة للمثير الخارجي حيث يوجدها ويشكلها، ويطلقها من إسارها.
جميع قصص المجموعة لها طرق وأساليب في التقاط هذا الغائر البسيط المؤرق، ويمكن أن يكون مفسرا للعنوان “حروب فاتنة”، فهي حروب الداخل الجزئية، حتى حين تكف واحدة عن الظهور دون نصر أو هزيمة، تتولد بالضرورة نظرا لطبيعة هذه الذات حرب أخرى داخلية. فاعلية الخيال- كسرا للمتوقع- في تشكيل الواقع تجعلنا نعيد مقاربة بعض السياقات السياسية والثقافية وفق توجه جديد، فمع الخيال يصبح وجودها هلاميا غير مستقر، فكأن الشخصيات بهواجسها ومخاوفها تتحرك في مساحة الشك بين إمكانية الوجود واستحالة هذا الوجود. وهذه الجزئية ربما تكون الإضافة التي أضافها حسن عبدالموجود في كتابة القصة إلى تراث كتّاب القصة القصيرة السابقين خاصة لدى يوسف إدريس، فالواقع في قصص يوسف إدريس – وكذلك نمط بناء الشخصيات- يتحقق بالقوة ووهج الحياة اللافح الذي نشعر بصعوبته، ولكن في قصص (حروب فاتنة)-ربما لانفتاح كاتبها على العديد من الأنماط الكتابية المتاحة- نجد هناك هشاشة واجتراحا للواقع الذي تتحرك فيه الشخصيات، ودائما ما تخايلنا أثناء القراءة أسئلة ترتبط بمشروعية حدوث ذلك ووقوعه، ويظل ذهننا موزعا أيضا بين يقين بإمكانية الحدوث، ويقين بصعوبة تحقق ذلك. فالحدث واقعي، ولكن هناك خطابا آخر يمارس نوعا من التشويه في حقيقة حدوثه، يتمثل في الاستناد إلى مشاهد عجائبية مقصودة، هذه المشاهد العجائبية تبذر دلالات للسخرية والضحك الهادئين، وكأن القصص تسخر من هذا الثبات، والارتباط بآفاق قديمة في إطار فاعلية لحظة آنية مغايرة.
يخامرنا أثناء قراءة هذه القصص شعور أننا أمام شخصيات لها طابع خاص، صراعها ليس مشدودا لواقع جهم، وإنما مشدود لصراع داخلي مع أفكارها وهواجسها، ويقينها، وثباتها على هيئة واحدة تأبي أن تتحلل، ومن ثم يصعب أن يتشكل لها وجه يجذرها في الواقع الآني. فمعظمها مشدود لواقع قديم متوار لا تستطيع التخلص منه، ولكنها تعيش وفق واقع مغاير في الوقت ذاته، ولا تستطيع أن تمدّ إليه وسائل اتصال واندماج. حين تقول قصة “الغرف المنسية” إن “الإله نفسه نسي هذا المكتب”، فإننا نعيد قراءة القصة وفق مستويين: مستوى الحدث السياسي المنتهي في عام 1961 بالوحدة بين مصر وسوريا، وبقاء هذا المكتب الخاص بالاتصال في فترة الجمهورية العربية المتحدة إلى اللحظة الآنية وكأنه إشارة إلى لحظة ثبات، وكأن بقاء ذلك في ظل واقع التجزئة الفعلي يهشم مشروعيتها، ويهشم أسباب وجودها من الأساس. ومستوى الفرد أو الشخصية المشدودة إلى نمطية رتيبة، لا تفتح بابا للخارج للابتعاد عن الخط المرسوم لها، تتحرك على هداه.
فالقارئ لهذه القصة-الغرف المنسية- سوف يقابل نمطا من الشخصيات يواجهون مصيرا واحدا، يواجهونه مجتمعين وليسوا منفردين(البطل- والزوجة الراحلة- والموظف- والموظفون السابقون الذين رحلوا)، فهم يشعرون بأنهم ينتمون للحظة ماضية، ومن ثم بعدم التكيف، ومن ثم تصبح كل حركة في هذا العالم المغاير حربا داخلية، ويتجلون بسبب ذلك بوصفهم شخصيات ليس لديها قدرة على التواصل مع الخارج المحيط.، فالبطل يقول في نهاية القصة مشيرا إلى ذلك القسيم من الشخصيات(لم يعد لديّ من يصدقني بعد رحيل زوجتي). فنحن أمام كيانات ذاتية، تواجه كيانا جمعيا أكبر له سطوة فاعلة، وإبصار الكيان الدافق الذي يفتح الباب للخارج بالنسبة للبطل تولّد من خلال المشابهة الشكلية بين الزوجة المتوفية وعاملة النظافة. لقد أعادتني هذه القصة إلى قصيدة للشاعر الإسباني أنطونيو ماتشادو تسمى (عينان)، يشير فيها إلى محاولاته المتكررة والفاشلة في تذكر لون عينيّ حبيبته المتوفية، وأثناء سيره في الطريق قابل امرأة وأبصر عينيها، فقال في آخر سطر في القصيدة (لقد كانتا مثل هاتين).
هذه الرؤية لا تنسحب على الشخصيات فحسب، وإنما تتمدد لكي تنسحب على الأفكار والرؤى، والرهانات القديمة التي كانت تحمل في لحظة ما إيمانا ناجزا وجاهزا، وظلت فاعلة في تحريك وتشكيل توجهات البشر. ولكن هذه الشخصيات- وهذه الكيانات أيضا- لا تتجلى فرادتها بشكل واضح وصريح، فالقارئ لن يستطيع تحديد خيط واحد للإمساك به، فهناك السخرية أو المفارقة التي تظلل قصص المجموعة، وهناك العجائبية التي تتشكل في مساحة الريب بين الواقع والخيال، وهناك- وربما تكون مولدة من السابق- الأيديولوجية الرجراجة التي لا تحسم اختيار الكاتب لموقع أيديولوجي أو فكري يتجذر فيه، فهناك أشياء تهشم هذه الموقعية، وتقضي على كل محاولة لتجذير المؤلف الفعلي للنص في إطار رؤية أيديولوجية محددة.
يدرك القارئ المتأمل أن قصص المجموعة تستند إلى فاعلية النسيان، وفاعلية الذاكرة لدى البعض. فهناك أشياء كثيرة ماتت أو أصبح الإحساس بموتها حاضرا، ويجب أن يتم التعامل معها وفق هذا المنطق الكاشف عن الموت، ولكنّ هناك عقولا ترفض هذا الموت، أو على الأقل ترفض الإقرار به، وتستمر موهمة نفسها بوجوده، من خلال محاولة بث الحياة فيه، سواء أكانت ممثلة في شخصيات أو في كيانات أو أحزاب، أو أفكار تحمل أيديولوجيا يرفض العقل أو المنطق الإشارة إلى استمرار وجودها وفاعليتها.
يمكننا أن نحدد ملامح الحياة الدافقة التي يرفل فيها البشر، بعيدا عن مظلة الانعزال المحدودة، من خلال الوقوف عند ملامح رمز ورد في القصة ربما يكون كاشفا عن جدل الانفصال والاتصال، جدل الذاكرة والنسيان، فرغدة- وحتى يمكننا الوصول إلى ذلك من خلال اسمها وإن كانت عاملة نظافة للإشارة إلى مغايرة الماضي ونصاعته حين يقارن بالآني- ربما تكون المثير الأساسي لإخراج الشخصيات من نفق الأيديولوجيا المحددة والرتابة الخانقة، وللإشارة إلى الآني بكل عنفوانه ووجوده. فهي-كيانا دافقا- تحاول تنبيه الآخر، وإخراجه من السياق المحدد بمواضعات بالية، وأفق مدرج ومسنن بثباته إلى أفق منفتح على الكون، حتى لو كان به أشياء غير محببة، وينفر منها، حين نقارنها بالماضي المحبب إلى النفس، لأن هذه النفس عودت على النمطية، وليس لديها القدرة على مجابهة الواقع ومجابهته.
السخرية والهواجس وإعادة الاتزان بالكرنفال
قد يبدو للوهلة الأولى أن السخرية والهواجس مختلفان في المقاصد، ولكن التأمل الدقيق يثبت أنهما قد يختلفان في آلية الاشتغال ومدى مشروعية الحكم، فالكاتب الذي يلجأ إلى السخرية، يكون قد وصل إلى شبه يقين بغرابة العالم، يقين بأن هذا العالم الذي نعيش فيه ليس مستقرا، ومن ثم يخرج المؤلف من طور المشابه للآخرين، إلى طور المقارب المتأمل الذي يلحظ هذه التصدعات والتناقضات. ولكن الكاتب المملوء بالهواجس يأتي مشغولا بالداخل وبالذات أكثر من انشغاله بالعالم الخارجي، وهو يقارب لحظتين متناقضتين في وقت واحد، وربما لم يصل بعد إلى يقين بفساد العالم، فالسخرية تطل بعد المقاربة واليقين، والهواجس مشدودة إلى لحظة المعايشة والمرور بالتجربة.
الهواجس ترتبط بمثير واقعي أو تشابه ظاهري، لكي تطل برأسها، وفي ظهورها وإطلالتها تحدث حركة دائبة بين موقفين متناقضين، وواقعين مختلفين، ولكنها تكشف في النهاية عن حالة من حالات الاهتزاز وعدم الاستقرار، فهي تأتي للتشظي، وللخروج من فعل الذات إلى فعل كيان أكبر لا يمكن السيطرة عليه، أو التيقن من ردة فعله. فهي تتشكل من التوزع بين عالمين، عالم ثابت رتيب أصبح لدينا قدرة على لمّ تشوهاته، وعالم ما زلنا نشعر تجاهه بالغربة، لأننا لا نملك كل مفاتيحه وآلياته، ولم نشارك في تشكيله، نحن فقط نستهلك منتجاته.
إن نظرة فاحصة إلى سلوك الأم وتشكيل ملامحها، هذه الشخصية التي يمكن أن تكون مساوية أو موازية لمعزة جوركي في القصة التي تحمل الاسم نفسه تكشف عن حالة اهتزاز حادة بين موقف استهلاكي لا يجيد القراءة أو الكتابة، ولا يقدر على شيء سوى الضغط على الروابط، وموقف يرتبط بالهواجس حين يتعلق الأمر بالشبيه أو النظير، فالأم لديها يقين وإيمان بهواجسها أن جارتها البدينة استطاعت أن تخترق خط تليفونها وتتجسس عليه هي وزوجها، وقد أدى ذلك إلى وجود مواقف كاشفة عن هذا اليقين والإيمان بالهواجس، مثل تعدد أجهزة المحمول التي تمتلكها، منها النوع المؤمن الذي لا يمكن اختراقه، والآخر الذي تسهل عملية اختراقه، ومن ثم يتم وضعه في أماكن بعيدة.
مع سيطرة الهواجس تزيد مساحة التداخل بين الواقعي وغير الواقعي المشدود إلى الخيال والهواجس، بحيث تغدو هذه الهواجس خطابا مغايرا وخروجا جزئيا يقضي على خطية السرد وانسجامه، وذلك من خلال خلط العوالم المتداخلة، فالهواجس في التحليل الأخير ليست إلا تداخلا بين وتوجهين ولحظتين، الأولى ثابتة زمنيا ومكانيا، والأخرى متحركة زمنيا ومكانيا، لأنها تفتح بابا لعمل المخيلة، وتنقل السرد إلى عالم مباين، عالم مرتبط بالداخل، لا يدرك أحد بالضرورة أسباب الانتقال من الواقع للهاجس، ولكنه كاشف عن ضآلة الذات في مقابل كون مهيمن لا يقيم وزنا لفرديتها وهواجسها، ففي قصة (العرض الأخير) نجد الفهود المرسومة على الملايات تفتح بابا للهواجس، وكأن فكرة مطاردة قوة أكبر تظل حاضرة حتى في اللحظات الحميمية(خطر لي أن هذه الفهود قد تتحرك وتلتهمنا أثناء نومنا، حذرت سيمون من ترك نهديها عاريين خوفا من القواطع التي تحيط بنا).
القارئ لقصص المجموعة يدرك أن الآلية الفاعلة الأكثر حضورا، حتى لو كان هذا الحضور يتشكل دون جلبة واضحة تتمثل في السخرية، فهي الآلية أو النسق الفاعل الذي يحمي القصص من الوقوع في أيديولوجية مباشرة، وتهشم بالتدريج الموقعية الثابتة التي يمكن أن تتأسس.
والسخرية في المجموعة لم تتشكل في هيئة واحدة، فهي تارة تتشكل بوصفها آلية جزئية لجلب بعض الاتزان أو الهدوء إلى الداخل المتأمل، حيث يلمح في جزئيات العالم بوادر للاهتزاز وعدم الاستقرار، وتارة تأتي كيانا كاملا، وكأنها تمثل تحديا لأعراف مقررة تم إسدالها لمدى طويل. ومن ثم تغدو السخرية نشاطا فكريا، نتوسل من خلاله لتأمل حالنا، ونعيد من خلاله طرح الأسئلة التي تلازمنا على الدوام، ونحاول كذلك الإجابة عنها.
فاعلية السخرية تبدو واضحة تمام الوضوح في تقليم التوجيه الأيديولوجي، فيشعر القارئ أن هذا التوجيه الأيديولوجي- انطلاقا من قصدية واضحة للكاتب- مشتت وغير واضح المعالم، وذلك بفعل خطاب السخرية الذي يتجلى وكأنه شريان أساسي مغذ للعمل، ومؤثر بحضوره، على تلقيه وقراءته، وينبه القارئ بألا يأخذ هذه الإشارات الأيديولوجية المبثوثة في ثناياه على محمل الجد التام.
فالسخرية – وهي إشارة تشويه للسائد والمستقر بتناقضاته – تجعلنا نألف طبيعته المشدودة حتما للتناقض والتباين، فهي تمثل رد فعل جمعي على هزيمة ما في مجالات عديدة، فكأنها تهب الجميع المنضوين في هذا العالم قدرة على الاستمرار والحركة، فهي بوصفها فعلا سلبيا قائما على تشويه السائد تمكننا من إعادة التشكيل. فالسخرية – كما يقول بيرانديللو- لا تهدف إلى التدمير، وإنما إلى إعادة تأسيس الإطارات المكسورة.
بوسعنا أن نعاين العوالم بجزئياتها العديدة من خلال خطاب السخرية الذي يدفع المتلقي إلى الضحك الهادئ دون تجاوز حدود الابتسام، بداية من العناوين “دراجة تعيد رفيق الحزب القديم”، و”معزة جوركي”، و”النوم مع فتاة مودلياني”، و”ماء العقرب وتراب العذراء”، مرورا بالدلالات المرتبطة بالإشارة إلى الحزب الشيوعي المصري، والكتلة السوفيتية بأفكارها بشكل عام، وانتهاء بالتوجيه المكاني حيث وضعت مؤلفات جوركي وديستوفسكي وتولستوي وتشيخوف التي مزقتها المعزة، لندرك ان هناك توجيها للإشارة إلى تحول ذلك النتاج إلى تراث، وأنه بالرغم من قيمته الفكرية في لحظات زمنية سابقة يحتاج بالضرورة إلى إعادة قراءة وفق لحظة آنية.
قد تتحول القصة من بدايتها إلى نهايتها إلى حالة من حالات السخرية التي تستدعي تأملا طويلا، ففي قصة (العرض الأخير)، هناك مجابهة مقصودة لدمج عالمين متناقضين متباعدين، وبينهما على المستوى السطحي المباشر ما يشير إلى صراع، ولكن القصة لديها القدرة على جمع الاختلافات في الطبقة والمستوى الاجتماعي والوظيفي في كيان واحد، وكأنها تستحضر فكرة (الكرنفال) لدى باختين، وما يعتورها من تداخل تام بين الملكي والشعبي، فالفتى والفتاة حين يمارسان الجنس تحت إضاءة خافتة قرب النافذة، ويظهران كشبحين، يراقبهما المسجونون في السجن المجاور، والمأمور والضباط وصف الضباط، وهذا يفتح بابا لخلخلة التراتب الطبقي، وإلى اندماج يستمر لحظة العرض.
ولكن طريقة تقديم القصة للعرض/الكرنفال تحدث مغايرة في نوع وطبيعة المتحكم، وذلك حين تعطي الفاعلية للفتى والفتاة، وكأن فعلهما عمل من أعمال الحرية، فيناط بالفتى فعل القيادة، في تحديد موعد ومكان العرض(كنت حريصا على مفاجأتهم كل مرة، فاختار مواعيد مختلفة، وشبابيك مختلفة، ينبغي أن يظلوا في حالة ترقب دائم، ينبغي أن يظل العرض محتملا في أي لحظة).
نقل الفاعلية إلى الفتى والفتاة للإشارة من جهة إلى حفلة الكرنفال في الشقة المطلة على السجن التي يتابعها المسجونون الضباط وصف الضباط والمأمور، ومن جهة أخرى للإشارة إلى الكرنفال في أصل محتواه الفكري في ميدان التحرير الذي يكشف عن العدل والمساواة دون تراتبية زائفة ظلت مؤسسة لفترة طويلة.
تستند بعض قصص المجموعة كما رأينا في القصة السابقة إلى فاعلية الخيال في علاج أخطاء الواقع، وتناقضاته الظاهرة، فالخيال آلية تجعل الواقع نسقا يمكن تحمله، على نحو ما يمكن أن نرى في قصة “ماء العقرب وتراب العذراء”، فالقارئ يدرك أن خطاب الأبراج يطل كأنه نسق تهويمي مشدود للخيال، يمارس دوره في إصلاح عطب الواقع.
ولكن في قصة “النوم مع فتاة مودلياني” هناك مقارنة بين نمط شخصيات بوتيرو، ونساء لوحات مودلياني البائسات المتوحدات، كاشفة بشكل واضح عن انحيازه واختياره لنساء لوحات مودلياني، وعدم رضاه عن النمط الآخر. ويطوّر انطلاقا من ذلك آلية للنوم وعيناه مفتوحتان ووعيه حاضر، وكأنه يشير إلى طريقة في مقاربته للعالم، فهو من يحدد وسيلة التواصل والاندماج، يفرض هيمنته ويصر عليها، وإن كانت هيمنة واقفة عند حدود الأنا المقهورة، ولكنها تحفظ وجودها.
ففي هذه القصة لا يسلم البطل وجوده للكيان الأكبر، وإنما يطوع ويعدل من قدراته وفق أسس وآليات خاصة ليحفظ لهذا الكيان الهش ذي الخصوصية وجوده، ذلك الوجود الواعي بهشاشته، ولكنه – بالرغم من هذه الهشاشة – يعطي لنفسه القدرة على تمثيل الآخرين من لحظة الضعف، ويحيلها إلى لحظة من لحظات القوة، وذلك حين قدم تمثيلا خياليا كاشفا لمدير البنك فتجلى وكأنه عار، بالإضافة إلى قدرة الخيال في إصلاح بؤس الواقع في التواصل الحميم مع لوحة مودلياني (عارية نائمة)، بوصفها نمطا مشابها لتكوينه البائس المتوحد، ولكنه بالرغم من ذلك يصنع عالمه الخاص فيمنحه قدرة لافتة.
حسن عبد الموجود: “حروب فاتنة“
دار الكتب خان، القاهرة 2018
134 صفحة.