ولد أفي كاتز في فيلادلفيا، الولايات المتحدة، سنة 1949، ودرس الفنون هناك، قبل أن يقرر الهجرة إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي في سنة 1970؛ تفادياً للتجنيد في الجيش الأمريكي، والقتال في فيتنام. أكمل دراسته في القدس، وانخرط في هواية أولى كبرى هي الرسم الكاريكاتوري وتصوير قصص الأطفال والكتب المدرسية. وعمل في منابر عديدة، كانت أبرزها «جيروزاليم ريبورت»، المجلة نصف الشهرية التي تصدر عن مؤسسة «جيروزاليم بوست»؛ كانت هي الأخيرة، أيضاً، لأنه فُصل من عمله فيها بعد أن رأت «الإدارة»، في المؤسسة وليس المجلة، أنّ أحد رسومه الكاريكاتورية كان… معادياً للسامية!
الرسم، الذي نشرته المجلة بالفعل أواخر تموز (يوليو) الماضي، لأنّ رئيس التحرير ستيف ليند لم يجد فيه ما يمنع النشر؛ كان يحاكي صورة فوتوغرافية التقطها مصوّر الأسوشيتد برس أوليفييه فيتوسي، تُظهر رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو وقد تحلّق حوله عدد من نوّاب الليكود، الذين تلهفوا على أخذ صورة «سيلفي» احتفاء بتمرير قانون «قومية الدولة» في الكنيست. كانت روح الكاريكاتور مكتملة العناصر في اللقطة»، كتب كاتز، و«كلّ ما فعلته هو تحويلها إلى رسم»… وأيّ رسم، والحقّ يُقال: مجموعة خنازير مجتمعة، مع عبارة مقتبسة حرفياً من «مزرعة الحيوان»، رواية جورج أورويل الشهيرة، تقول: «كلّ الحيوانات متساوية، لكنّ بعضها أكثر مساواة من آخرين».
ورغم شعبية كاتز الواسعة، إذْ كان القرّاء قد طالبوا بإعادته إلى المجلة بعد أن أنهت الإدارة عقده في إطار إجراءات تقشفية خلال مرحلة سابقة؛ ورغم أنه اعتاد على نقد حكومات الاحتلال كافة، طيلة 18 سنة من الرسم في المؤسسة؛ ورغم أنّ مالك «جيروزاليم بوست»، إيلي عازور، كان قد تعهد بمنح «جيروزاليم ريبورت» استقلالية تحريرية تامة؛ إلا أنّ الإدارة أصرّت على قرار فصل كاتز. أكثر من هذا، التزمت الصمت حول أسباب الفصل، ثمّ ــ بعد انتقال الحكاية إلى وسائل الإعلام الدولية وانطلاق حملات تضامن متعددة للتضامن مع كاتز، واستقالة اثنين من كبار محرّري المجلة ــ خرجت أخيراً بالتبرير التالي: «الرسم تجاوز خطوط الخطاب المشروع. ذلك لأنّ صورة الخنزير تعيد إلى الأذهان تذكارات معادية للسامية استُخدمت ضدّ اليهود على مدار التاريخ. وقبل وقت قصير كان باحث مرتبط بحركة حماس قد أعلن أنّ الله حوّل اليهود إلى خنازير وقرود، ونحن كصحيفة صهيونية لا نستطيع قبول هذا التناظر التحقيري».
لكن كاتز، في حوار نشره مؤخراً الموقع الإسرائيلي المستقل «+972»، يردّ التهمة على أصحابها؛ مساجلاً بأنّ معايير حرّية التعبير في دولة الاحتلال هي التي تغيّرت، أو بالأحرى انحطت، لأنّ ياكوف فركاش (زئيف)، أحد مخضرمي الكاريكاتور الإسرائيليين، كان ــ في سنة 1980، وفي صحيفة «هآرتس» ــ قد استخدم صورة الخنزير لتمثيل جميع وزراء حكومة مناحيم بيغين، وعلى رأسهم أرييل شارون، فلم يُفصل من العمل، ولم يُتهم بالعداء للسامية. كذلك فإنّ واحداً من أشهر الرسوم التي تلتقط اليهودي في صورة خنزير، وأندرها في الواقع، كانت قد بادرت إلى توزيعه حركة يهودية متشددة في ضواحي تل أبيب، احتجاجاً على تجنيد اليهود في الجيش؛ وكان الرسم يلتقط خنزيراً يرتدي القبعة اليهودية، ويحمل رشاش M-16 على كتفه، وفي يده نسخة من التلمود البابلي!
كذلك، يتابع كاتز، لم يسبق لتيارات العداء للسامية أن مثّلت اليهودي في صورة خنزير، وما نجده في بعض الكنائس الاوروبية من رسوم تعود إلى القرون الوسطى وتصوّر يهودياً يرضع من خنزيرة، لا تنزع عن اليهودي هيئة الكائن البشري. أمّا أسبابه في تحويل نتنياهو وجماعته من أعضاء الكنيست إلى خنازير، فهي هذه حصرياً، كما أوضح في الحوار مع «+972»: التناظر بين التمييز الذي يقرّه قانون قومية الدولة، وبين التمييز الذي يقوم عليه نظام الخنازير في «مزرعة الحيوان»، شديد الوضوح ببساطة. وهؤلاء الذين حضروا في فوتوغرافيا فيتوسي ــ نتنياهو، أورن حزان، دافيد بيتان، عنات بيركو (التي ساجلت بأنه لا وجود للشعب الفلسطيني لانه لأنه لا وجود لحرف P في اللغة العربية!) ــ ليسوا صنّاع التمييز، قبل القانون وبعده، فحسب؛ بل هم رهط من الفاسدين الذين خضعوا أو يخضعون لتحقيقات الشرطة. ومَن لا يفهم وظيفة الكاريكاتور هنا، أو يغفل عامداً حقيقة أنّ كاتز ناقد دائم لمعظم سياسات الحكومات الإسرائيلية، لن يحتاج إلى جهد كبير كي يدين الرسم على خلفية تلك الحساسية اليهودية التاريخية إزاء صورة الخنزير وترميزاته.
مناسبة الحديث عن حكاية كاتز أثارها حوار موقع «+972»، الذي يستمدّ اسمه من مفتاح الاتصالات الهاتفية لفلسطين ودولة الاحتلال معاَ، ويعتمد في تمويله على الاشتراكات والتبرعات، ويعارض الاحتلال، ويسعى إلى إعلام مستقلّ لا يتحرّج من فتح الملفات الساخنة، والمحظورات السياسية والدينية والاخلاقية؛ وعلى رأسها، غنيّ عن القول، نقد الإفراط في إلصاق تهمة العداء للسامية، كيفما اتفق. وبين حرّية التعبير، التي يتشدّق بها واصفو الكيان بـ«واحة الديمقراطية» في الشرق الأوسط؛ ومحرّم الخنازير، حتى إذا عاد النسب فيه إلى مزرعة أورويل؛ ثمة مجلدات من الوقائع التي تُبطل الخرافة وتُسقط عنها الأقنعة.