حرية الصحافة في مصر: إما معنا أو مع الإرهاب

عبد الحميد صيام
حجم الخط
0

نيويورك-“القدس العربي”:في تشرين الأول/ أكتوبر الفائت، وخلال دورة الجمعية العامة، دعت إدارة شؤون الإعلام في الأمم المتحدة عددا من الصحافيين من دول العالم النامي، للمشاركة في دورة إعلامية تحمل إسم “دورة رهام الفرا” زميلتي الصحافية التي استشهدت في بغداد يوم 19 آب/أغسطس 2003 إثر تفجير مقر الأمم المتحدة في أول عملية انتحارية في العراق بعد الاحتلال الأمريكي. تعرفت على المجموعة أثناء محاضرة لي حول دور الأمم المتحدة في العراق فتقدمت صحافية مصرية شابة في منتصف عشرينياتها وعرفت نفسها “سلافة مجدي”. كانت سعيدة جدا بتلك الفرصة النادرة التي أتاحت لها الاطلاع على المنظمة الدولية أثناء الفترة الأكثر نشاطا وازدحاما مع وصول أكثر من 120 رئيس دولة أو حكومة للمشاركة. انتهت الدورة وعاد المشاركون بعد حفلة وداع في مقر المنظمة الدولية.  وصلت مصر فدعاها زوجها حسام السيد للاحتفال بهذه المناسبة وخرجا معا مع صديقهما محمد صلاح وجلس ثلاثتهم على مقهى في الدقي. وصل رجال الأمن المقهى واقتادوا سلافة وزوجها حسام ومحمد صلاح إلى مكان مجهول ولم يسمع منهم بعد. ما زالت الصحافية الناشئة سلافة في غياهب السجون بعد نحو ثلاثة أشهر من الاعتقال بدون تهمة. أثير الموضوع مع مكتب الأمين العام حيث أكد متحدثه الرسمي أن اتصالا تم مع السلطات المصرية وبانتظار جواب لم يأت ولا نتوقع أن يأتي.

حرية التعبير والقانون الدولي  

حسب القانون الدولي لحقوق الإنسان حق التعبير مكفول لكل فرد ما دام لا يدعو إلى العنف والتمييز وانتهاك حرمة الأفراد وإشاعة الفوضى وضرب الأمن الداخلي. والنص على هذا الحق ورد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي اعتمد في كانون الأول/ديمسبر 1948 والعقد الدولي للحقوق المدنية والسياسية لعام 1965 والميثاق العربي لحقوق الإنسان الذي اعتمد في 2004 وخصص مادة 32 لحرية التعبير والإعلام، وكافة الاتفاقيات الإقليمية حول حقوق الإنسان في أوروبا وآسيا وافريقيا وأمريكا اللاتينية. وتنص المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على: “لكلِّ شخص حقُّ التمتُّع بحرِّية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحقُّ حرِّيته في اعتناق الآراء بدون مضايقة، وفي التماس الأنباء والأفكار وتلقِّيها ونقلها إلى الآخرين، بأيَّة وسيلة ودونما اعتبار للحدود”.

الصحافة بمفهومها الواسع هي حق للشخص الذي يعمل بها وحق للجمهور المتلقي. فحق التعبير عبر وسائل الإعلام والتواصل ليس حقا حصريا للشخص نفسه، فهو يختلف عن بقية الحقوق لأنه ليس محصورا بالشخص صاحب حرية التعبير بل بالجمهور المتلقي الذي يمارس حقه أيضا في الحصول على المعلومات من مصادر مختلفة. وحرية التعبير والرأي بالكلمة أو الصورة أو الصوت تتعرض تاريخيا لاضطهاد السلطة وفي كل بقاع الأرض. لكن عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية أدخل مرجعية قانونية لتحدي السلطة وإجبارها على تقبل حرية الرأي والتعبير. وقد نجحت الحملات المتواصلة لانتزاع هذا الحق فأصبحت الغالبية الساحقة من دول العالم تقر بمبدأ حرية التعبير وبالتالي حرية الصحافة كليا أو جزئيا إلا في عدد محدود من الدول من بينها كوريا الشمالية والصين وإيران والمملكة العربية السعودية ومصر والبحرين وسوريا والعراق والصومال وأذربيجان وغيرها.

حرية الصحافة في مصر

 

اخترت أن أتحدث عن مصر لأهميتها ودورها في توعية الأجيال العربية وعراقة صحافتها واتساع مؤسساتها الإعلامية. فعندما تكون بوصلة مصر صحيحة يستفيد من ذلك كل العرب، وعندما تكبو مصر عِلْما أو صحافة أو سياسة أو دورا ينعكس ذلك على كل العرب. فمن حقنا أن نكتب في الشؤون الداخلية لمصر لأننا متأثرون أصلا بكل ما يجري في مصر بإرادتنا أو بغير إرادتنا. ولذا سنخصص الحديث عن وضع الصحافة في السنوات الأخيرة.

ينص الدستور المصري في طبعته الأخيرة التي أقرت عام 2014 وعدلت في عام 2019 في المادة 56 على: “حرية الفكر والرأي مكفولة. ولكل إنسان حق التعبير عن رأيه بالقول، أو بالكتابة، أو بالتصوير، أو غير ذلك من وسائل التعبير والنشر”.

 احتلت مصر عام 2019 المرتبة الرابعة من حيث التضييق على حرية الصحافة بعد الصين وتركيا والسعودية. أي أن إيران الآن أفضل من مصر في موضوع حرية الصحافة. وحسب منظمة “مراسلون بلا حدود” تحتل مصر في قياس مدى تدهور حرية الصحافة لعام 2019 الرقم 163 من مجموع 180 دولة بالتراجع درجتين عن عام 2018 وخمس درجات عن عام 2013.  فحاليا يوجد 23 صحافيا وصحافية في السجن (25 حسب منظمة هيومان رايتس ووتش) عدا المختفين والموقوفين من أمثال سلافة ومحمود حسين، صحافي “الجزيرة” الذي يقبع قيد الاعتقال لأكثر من خمسمئة يوم بدون محاكمة.

مقارنة بسيطة بين هذه الفترة والسنوات السابقة توضح الصورة. ففي عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك وصل أعلى رقم من الصحافيين المعتقلين أربعة عام 2009 وفي عام 2010 صحافي واحد وفي عام 2011 ثلاثة وفي عام 2012 أثناء رئاسة محمد مرسي اختفى صحافي واحد ولم يكن في السجون أي صحافي. في عام 2013 وبعد شهر تموز/يوليو قتل 8 صحافيين وسجن 11 صحافيا وفي عام 2014 وصل عدد الصحافيين المسجونين 23 صحافيا وارتفع العدد عام 2015 إلى 26 وفي عام 2016 وصل العدد إلى 27 صحافيا ثم انخفض إلى 20 عام 2017 وعاد واستقر عند 23 أو 25 خلال 2019. أما العدد الحقيقي بين معتقل بدون محاكمة أو مختفٍ تماما دون الاعتراف بوجوده لدى السلطات الأمنية فيقدر ب 100 صحافي/إعلامي على الأقل.

الاعتقال التعسفي

أصبح اعتقال الصحافي في مصر أمرا سهلا ولأتفه الأسباب. فبمجرد المشاركة في مظاهرة أو في كتابة أو نشر بيان لا ترضى عنه الدولة، يؤدي ذلك بالشخص إلى السجن. محمود السقا وعمر بدر اعتقلا يوم 20 أيار/مايو 2016 لمشاركتهما في وقفة احتجاجية داخل مقر نقابة الصحافيين ضد بيع جزيرتي تيران وصنافير. أصبحت أجهزة الأمن تختار أعضاء النقابة حيث وضعت على رأسها ضياء رشوان الذي يحتل موقع رئاسة هيئة الاستعلامات الحكومية. في عام 2018 بعد الانتخابات الرئاسية اعتقل ستة صحافيين بعد تقديمهم تقريرا مفصلا لصحيفة “النيويورك تايمز” حول شراء الأصوات واتهمتهم بـ”نشر الأخبار الكاذبة بهدف الإساءة للدولة”. كما اعتقل الصحافي عادل صبري رئيس محطة “العربية مصر” لنفس السبب. أما خيري رمضان فقد اعتقل فقط لأنه قال في برنامجه على قناة “مصر الأولى” المؤيدة للسلطة إن رواتب رجال الأمن والشرطة ضعيفة وتمس بكرامتهم وهي أقل من رواتب الإعلاميين. واقتحمت قوات الأمن المصرية يوم 24 تشرين الثاني/نوفمبر موقع “مدى مصر” واعتقلت أربعة صحافيين بعضهم أفرج عنه لاحقا. وفي منتصف هذا الشهر اعتقلت أجهزة الأمن المصرية مراسلي وكالة أنباء “الأناضول” التركية وأطلقت عليهم اسم “خلية ألكترونية تركية” وهم أربعة موظفين ثلاثة مصريين وتركي واحد، ثم بدأ الإعلام المصري يردد أن هذه المجموعة خلية إخوانية ثم خلية إرهابية.

في 18 آب/أغسطس 2016 أقر الرئيس قانون “مكافحة تقنية المعلومات” والذي يمنح الدولة حق تقييد حرية التعبير وانتهاك خصوصية المواطنين وسجن الناشطين تحت حجة حماية الأمن العام ومكافحة الإرهاب. كما أنشأت الحكومة عام 2018 “المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام” والذي وضع قوانين صارمة لتسجيل منصات إعلامية جديدة، كما يستطيع المجلس أن يحذف أي مادة إعلامية أو يغلق أي منصة أو موقع بتهمة الإضرار بالأمن الوطني ودعم الإرهاب. والمجلس يقيد بشكل كبير حرية الصحافة ويسمح بالرقابة بدون أوامر قضائية، ويفرض غرامات مالية مرتفعة عند انتهاك مواده، فضلا عن عقوبات بالسجن في القضايا المرتبطة ببند “الحض على العنف”. وقد أقر البرلمان هذه القوانين الجديدة رغم اعتراض “نقابة الصحافيين المصريين” عليها. وبناء على هذه القوانين الجديدة أغلقت مئات المواقع الألكترونية والمنظمات الحقوقية وتجمعات المجتمع المدني في مصر. لقد تحولت مصر كما وصفتها منظمة “صحافيون بلا حدود”: “أحد أكبر سجون العالم للصحافيين”.

يبدو أن السلطة المصرية لا تتعلم من التاريخ. فكلما زاد العنف وقيدت الحريات كلما زادت نسبة الاحتقان الداخلي.  والاحتقان الداخلي إذا لم يجد منافذ لتصريفه سلميا، فالنتيجة أن الانفجار يصبح أكثر احتمالية. وكلما كانت العلاقة بين الحاكم والمحكومين قائمة على الخوف والعقاب والترهيب، فإن انفجار الأوضاع يصبح أقرب مما يتخيل الحاكم. وعلى الحكومة هذه وغيرها من حكام الطغيان الأعمى أن يعتبروا من حوادث التاريخ البعيد والقريب ومن تاريخ مصر نفسها ونحن نحيي الذكرى التاسعة لثورة يناير العظيمة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية