حرّر علامات خوفك

يُولد المرء ليفعل أشياء كثيرة ومن بينها أن يخاف. لكنّ الإنسان الذي يفتخر دائما وأبدا بأنّه كائن مخوِّف لغيره من الكائنات، أو لمن تسلط عليهم بشكل ما من أشكال التسلط من البشر، قلّما يعترف بأنّه كائن خوّاف فلديه خوف مستكنّ من أن يعترف بأنّه يخاف لأنّه يخاف أن يرمى بالجبن عن الفعل.
لكنّ الخوف قبل أن يصبح رذيلة تسمّى الجبن هو ردّ فعل حسّي وطبيعي إزاء شيء أو حدث أو حالة تخيف. الخوف يشبه من جهة كونه ردّ فعل، أيّ ردّ فعل آخر آلي كالألم عند الاحتراق، والحزن عندما يهيج الحزن، والسعادة عند حدوث ما يبعث عليها.. غير أن الإشكال في بعض ردود الأفعال أنّها بلا علامات ظاهرة فإن تصيح عندما تخزك إبرة الطبيب فذلك تحرير لعلامة الألم، وأن تبكي حين تحزن وتذرف الدموع ففي ذلك تحرير لعلامة الحزن، وأن تصيح أو تقفز من فرط السعادة بالنجاح ففي قفزك تحرير لعلامة سعادتك، وحين تحرّر تلكم العلامات أتلقّاها أنا القريب منك المحيط بك المنفعل معك، وأشرع في فهمها وتأويلها وعندئذ نتواصل بعلامتك معك عبر الألم والحَزَن والبكاء وغيرها.
لكنك حين لا تحرّر علامات سعادتك وحين تكتم وأنت تحقن، صرخة الألم صبرا، وحين تكتم دمعة الحزن صبرا، أو صرخة السعادة صبرا أيضا تموت العلامات القادحة للتواصل معك عبر أحوالك، التي هي ردّ فعل على أفعال مثيرة للانفعال.
الصبر والجلد على الأذية ثقافة نتعلمها حين يكون لمعنى الثقافة التهذيب حين تصرخ وأنت في عمر معيّن من لذعة إبرة الطبيب وهي تؤلمك، فأنت كيان هشّ وحين تبكي كالنساء حزنا لم تكتمه كالرجال، فأنت كيان هشّ، وحين تهتز فرحا من أجل نجاح وأنت طالب يزاول تعليمه الآن وهنا وقد شرّف على الخمسين فأنت كيان هشّ أيضا.. تدعونا الثقافة ولضرب ما من الصبر أو من التعالي إلى أن نخفي علاماتنا الدالة على ردود أفعالنا وحين نخفيها نكون قد دخلنا سراديب مظلمة من سجن العواطف، التي تقبع في مكان غير أنّه قريب من سجن الأفكار.
تحرير التعبير عن العواطف، أو عن الأفكار يبدأ من تحرير العلامات الدالة عليها، كلّ المسألة إذن سيميائيّة في الأصل غير أنّنا ولأسباب تتعلّق دائما بالقفز على الأشياء، ننسى أن العلامات التي بدأ بها الخلق ونحت به الوجود (وجودك والوجود الذي يحوي وجودك) هي أصل الأشياء. أن لا تترك العلامات من أقوال أو إشارات أو إيماءات تقول عنك ما تقصد، وما به تنفعل درجة من المراقبة الذاتية التي تؤدّي إلى مصادرة الفكرة والشعور، مصادرة الألم والخوف والسعادة مصادرة ذاتية خشية موقف أخلاقي اجتماعي معاقب أو ممتهن. المراقبة الذاتية هي سجن النفس خشية أن يسجنك الآخر بشكل أعنف، خطر العلامة المسجونة أنّها تفرّ من سجنين أحلاهما مرّ: سجن الكتمان عن أن تُقال وسجن العقاب لأنّها قيلت.
عادة ما نسجن العلامات لأنّها ستقودنا إلى ما لا يحمد عقباه، لكنّ أغرب أسباب سجن العلامات لا لخشية ممّا ستقوده إليها الدلالة التي تتضمّنها، بل لخشية منها هي في ذاتها. فإن تخشى العلامات لأسباب خارجة عنها درجة، وأن تخشاها هي في نفسها درجة أشدّ قسوة. هو كالخوف من مسدّسك لا لأنّه قد يقودك إلى السجن لأنك استعملته في التهديد أو التخويف، أو حتى القتل، بل أن تخشاه في ذاته لأنّه قد يطلق إراديّا النار لأنك فقدت السيطرة عليه. العلامات في بعض الأحيان كالعيارات، عيارات النار نخشاها لأنّنا نفقد السيطرة عليها أو لا نعرف كيف ندخل إلى نظام تشغيلها لنسيطر عليه، هي تشبه الدخول إلى منظومة متفجّرة قبل أن يحين موعد الكارثة، وهذا لا يكون إلاّ بمهارة فائقة من فريق بارع في العمل والسرعة الناجعة.

الإشكال في الفوبيا أن علاماتها لا يمكن أن تكون محرّرة، بل يصرف الإنسان كثيرا من الانتباه والتعقّل كي ينتبه إلى أن شخصا ما مصاب بالخوف المفرط أو المبالغ فيه، أو الكره الذي يجاوز حدّه لشيء ويحتاج المرء هذه العلامات كي يترك لنفسه مجالا لفهم ما يحيط به.

ليس لدينا في العربية السائدة عبارة قديمة تترجم بدقّة معنى فوبياPhobia التي نستعمل لها مقابلا محدثا هو الرُّهَابُ، أو عصاب المخاوف، وهما عبارتان تركتهما عمدا لأنهما ليستا رائجتين، ولسيتا مصاغتين بإتقان لأنّ وزن (فُعال) الذي قال النحاة العرب إنّه يكثر في الأمراض، قالوا إنّه يكثر أيضا في الأصوات من نوع خوار ورُغاء، وأنّ الأصوات يمكن أن تكون علامات مرض مثل العطاس. فهذه العبارة جاءتنا ككلّ شيء مذهل ومخيف من بعيد، إذ تعود إلى الأصل اليوناني «فوبوس»Phobos وتعني كلّ خوف غير معقول وغير قابل لأن يُتحكّم فيه من شيء أو ذات أو موضوع أو وضعيّة هي في الحقيقة لا تمثّل أيّ خطر فعلي على حياتنا. لهذا يعدّ هذا الخوف غير مبرّر. هناك إشكال في هذا التعريف يبدأ من الحكم عليه بأنّه غير مبرر لأنّه لا يمثّل خطرا وهذا حكم يعتمد الحس المشترك الذي ينحاز دائما إلى الشعور السائد، الذي يبني دائما الحقائق والحس المشترك يولد معنى مشتركا هو في الغالب يشبه النسب في سبر الآراء تلك، التي تجعل من لا يأكل لحم الضأن يأكله سبعة منه في الشهر. نقول ذلك لأنّ الفوبيا لدى من يشعر بها هي خطر محدق وخطر فعلي بالنسبة إلى صاحبها. حين يعالج المرء من هذا الخوف الذي لا يراه الناس إلا مبالغا فيه يمكن أن يحكم عليه ما بعديّا، لكن الحكم على الخوف والخائف في بؤرة الفوبيا يجعله خطرا محدقا وتهديدا فعليا يستوجب كم الخوف الذي يشعر به.
في علم النفس، وهو المجال الذي تدرس فيه ظاهرة الفوبيا، يميّز بين الفوبيا الفعلية وغيرها من ردود فعل الخوف، وهذا الضرب الأخير هو خوف حادَ عن درجات الخوف المعقولة، غير أنّه خوف يمكن للمرء أن يتحكم فيه؛ على النقيض من الفوبيا التي تثير فيها مواجهة من يعانيها، بما هو مخوّف، قلقا كبيرا، أو حالة من الذعر، حيث يبدأ المصاب في تجنب أي شيء يمكن أن يؤدي إلى حدوث أزمة. ويمكن لتجربة الخوف أن يكون وسواسا، وعندئذ تصبح حالة اجترار مؤلم ودائم، فلا شيء يطمئن الخائف لأنّ الحالة النفسية ثابتة، ولاسيّما عند فقدان ما يدلّ طبيا على أن المرض زال طمأنة لمن يعاني فوبيا ما (على سبيل المثال: رهاب السرطان: لا يوجد فحص طبي يمكن من طمأنة المريض بأنه غير مريض).
في كثير من الأحيان يدل مصطلح فوبيا على الكره لا على الخوف لأنّ هذه الحالة المرضيّة في جزء كبير منها أن يشعر المرء بكره ما يخاف منه. فعبارة Xénophobie لا تعني الخوف من الأجانب صراحة، بل ضمنا وتدلّ على كرههم دلالة مطابقة أو صريحة.
الإشكال في الفوبيا أن علاماتها لا يمكن أن تكون محرّرة، بل يصرف الإنسان كثيرا من الانتباه والتعقّل كي ينتبه إلى أن شخصا ما مصاب بالخوف المفرط أو المبالغ فيه، أو الكره الذي يجاوز حدّه لشيء ويحتاج المرء هذه العلامات كي يترك لنفسه مجالا لفهم ما يحيط به، فأكثر ما يصيب المرء المفرط في الخوف أو في الكره أنّه وهو يقسو على غيره يقسو على نفسه.

أستاذ اللسانيات بالجامعة التونسية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية