دفعت الأزمة الراهنة للسينما المصرية بعض المخرجين والمنتجين إلى استحداث أشكال جديدة ومُبتكرة في المجال الكوميدي، في محاولة لاستعادة الجمهور مره أخرى إلى دور العرض السينمائية، للحيلولة دون تفاقم الأزمة، وتضاعف المشكلات الناجمة عنها، بعد ظهور بعض المؤشرات السلبية التي تهدد بتوقف النشاط السينمائي كله، والمتمثلة في تراجع نسبة الرواد من هواة متابعة الأفلام الجديدة، منذ بداية انتشار وباء كورونا، الذي فرض قيوداً على دور العرض، وحجّم بشكل كبير عملية رواج الفيلم المصري داخلياً وخارجياً، الأمر الذي دعا إلى البحث عن حلول مؤقتة للتغلب على الأزمة، وأدى إلى وجود ما يُسمى المنصات السينمائية، لعرض الأحدث من الأفلام «أون لاين» وإتاحة المشاهدة للجمهور عبر الإنترنت، وتداول المصنفات الفنية بأشكالها النوعية المتباينة على وسائل التواصل الاجتماعي لتحقيق أعلى نسبة مشاهدة.
وقد بدأت موجة من الأفلام تغزو دور العرض بمواصفات مغايره للسائد والمألوف إلى حد كبير، تراعى فيها الخلطة التجارية، وتلعب على الاصطلاحات التكنولوجية الحديثة في لغة الحوار، باعتبارها اللغة المستخدمة والمتداولة بين الشباب، والمُراهن عليها في شباك التذاكر، فمعظم الأفلام تطرح صوراً للعلاقات الاجتماعية الناشئة عبر الفيسبوك وتويتر وواتساب، وغيرها من وسائل التواصل الحديثة، وتناقشها في سياقها كأمر واقع، وتشير إلى مخاطرها والكمائن المنصوبة للمستخدمين وهم يمثلون قطاعاً كبيراً داخل الواقع الافتراضي.
العينات السينمائية التي ظهرت بوادرها في دور العرض والمنصات الإلكترونية، عبّرت عنها أفلام بعينها كانت جادة في رصد الواقع الموازي الجديد، من بينها فيلم «سعاد» بينما جاءت أفلام أخرى أقل من حيث المستوى والقيمة، لتقدم توابلها الحريفة، بشكل يستهدف السوق، ولا يقيم وزناً للقيمة الفنية في حد ذاتها، كفيلم «الغسالة» وفيلم «الفلوس» و«ملك روحي» وغيرها من النوعيات التي تعتمد على الجانب الدعائي، وتراهن على الإثارة والشكل كعنصرين مهمين في لعبة المقامرة.
الفيلم يقدم معالجة درامية إنسانية لحياة المكفوفين داخل دار الرعاية الخاصة، ويطرح في سياق بعيد عن الكوميديا الهزلية والاستغلال السيئ لظروف الإعاقة البصرية لدى المصابين، القدرات الفائقة التي يتمتع بها المكفوف والحساسية المفرطة له من جميع الزوايا
غير أن هناك نوعيات أخرى يجتهد كُتّابها ومخرجوها في وضع مشهيات ومُقبلات تستهدف الربح بصفة أساسية، فضلاً عن وجود عناوين مُلتبسة يلعب الغموض فيها دوراً رئيسياً في ما يتعلق بإثارة الذهن والانجذاب للمحتوى مهما كانت مكوناته، وهذا الصنف السينمائي هو ما ينتمي إليه الفيلم الجديد «حزام آسف» للمخرج عريان سيدهم، الذي يقدم تنويعاً كوميدياً على مُصطلح حزام ناسف، في محاولة لاستخدام الجرس الموسيقي المتشابه بين التعبيرين، لتوليد الكوميديا من المفارقة بين المعنيين، وهي حيلة إبداعية لمزج الكوميديا الخفيفة بالمضمون السياسي والإنساني، داخل إطار واحد لتحقيق المعادلة الصعبة، في الجمع بين السهل الممتنع من الكوميديا والقضايا الاجتماعية برؤية غير تقليدية.
فيلم «حزام آسف» يعد التجربة الأحدث حالياً في السينما المصرية، التي يتم الإعداد لها منذ فترة من جانب المخرج، الذي عاد مؤخراً من بريطانيا لتطبيق النظم الحديثة في التصوير والإخراج، ومن المتوقع أن يبدأ التصوير خلال شهر أكتوبر/تشرين الأول المقبل، بعد الاستقرار على الأبطال الأساسيين ومجموعة الممثلين المساعدين، وقد تم ترشيح كل من ميرفت أمين وليلى علوي للقيام بالبطولة النسائية في دور نوعي تقوم فيه البطلة الفائزة بالفرصة، بتجسيد شخصية المرأة الكفيفة صاحبة دار الرعاية المنوط بها رعاية النزلاء، وهم المجموعة المُشكلة من نجوم الكوميديا مها أحمد وحجاج عبد العظيم وإدوارد والوجه الجديد فاضل منير.
الفيلم يقدم معالجة درامية إنسانية لحياة المكفوفين داخل دار الرعاية الخاصة، ويطرح في سياق بعيد عن الكوميديا الهزلية والاستغلال السيئ لظروف الإعاقة البصرية لدى المصابين، القدرات الفائقة التي يتمتع بها المكفوف والحساسية المفرطة له من جميع الزوايا، فضلاً عن تمتعه برهافة في المشاعر العاطفية والرومانسية، وقدرته على نسج العلاقات المتميزة في هذا الجانب من غير أدنى إحساس بالنقص أو العجز.
الإطار الكوميدي للأحداث يجمع بين أكثر من فئه مهنية، لإثبات حيوية التواصل وسرعة التجاوب بين الأفراد المُعاقين بصرياً وبقية عناصر المجتمع، كالبواب والجنايني والسائق والطبيب والمحامي وغيرهم، ويمثل هذا الحشد الفئوي عنصر الاختلاف الجوهري بين الفيلم المذكور سلفاً «حزام آسف» والتجربة التي قدمها عادل إمام قبل سنوات في فيلمه الشهير «أمير الظلام» مع شيرين سيف النصر. ولأن التكلفة الإنتاجية للفيلم مرتفعة نسبياً، فقد لجأ المخرج عريان سيدهم إلى نظام الشراكة في الإنتاج، لتخفيف الأعباء وضمان إنجاز العمل وخروجه بالمستوى الفني المطلوب، على أن يمثل القيمة الحقيقية للسينما الجديدة، المختلفة، القادرة على مجابهة الإسفاف والركاكة والنوعيات الرديئة، التي امتلأ بها السوق، وباتت تُشكل ملمحاً تجارياً فجاً يسيء إلى سمعة السينما المصرية وصُناعها وتاريخها الذي يربو على المئة عام.
٭ كاتب مصري