حزب ‘الاستقلال’ المغربي والنفخ في مزاعم ‘الاحتلال’ الجزائري

حجم الخط
5

من المؤسف جدا أن يكون في المغرب الأقصى حزب يحمل اسم الاستقلال، ولا يحترم سيادة بلد شقيق مجاور مر على استقلاله أكثر من نصف قرن، فيدلي أمينه العام بتصريحات تضرب عرض الحائط باتفاقية ترسيم الحدود مع الجزائر، التي مضى عليها ما يزيد عن عقود أربعة. عندما يقتطع الرجل بأمانيه الكاذبة جزءا من الجغرافيا الجزائرية، ويؤكد اعتقاده الراسخ بأنها أرض مغربية مستعمرة، فإن هذا الأمر لا يخلو من احتمالين لا يمكن استبعاد أحدهما إلا بالابقاء على الآخر، فإما أن يكون هذا الموقف نشازا وخروجا من أصحابه على طاعة ‘أمير المؤمنين’ في المملكة، بحكم أن حديث ‘الاستعمار’ هذا ليس من مفردات الخطاب الدبلوماسي الرسمي المغربي، ولا نجد له أثرا في المحافل الدولية والمنظمات العالمية، وإما أن يكون للرباط شيء من تلك الأماني أو الأطماع التي تفوه بها المسؤول الأول في ما يسمى بحزب الاستقلال المغربي.
ومهما يكن من شأن المزاعم حول مناطق جزائرية، وبينها ولاية تندوف، والكلام عن انتمائها ‘مغربيا’ حسب تصريحات السيد حميد شباط، فإن هذا الدخان السياسي الذي يرتفع من حين لآخر في فضاء الإعلام المغربي له نار تؤججه، كلما تزايدت وتيرة التحامل على الجزائر والكيد لها من قبل الشقيق قبل العدو. والتوقيت الذي اختير هذه المرة ليس بريئا لهذا الادعاء الذي سمعنا مثله في السابق، وهو نابع بالأساس من أوهام تعانق أمنيات ما يسمى مغربيا بـ’المغرب الكبير’. ويمكن أن نحدد ثلاثة عناصر لتوقيت هذه التصريحات التي هي أبعد ما تكون عن الواقعية السياسية، ومع ذلك فهي تستند إلى رهانات خاطئة عن الوضع الداخلي في الجزائر، ويوقظها مخاض عسير تمر به قضية الصحراء الغربية، كما تحركها ثروات تلك المنطقة التي بدأ الحزب المغربي يطالب بها، منذ حققت الثورة الجزائرية إنجازات ما قبل التحرير بدماء زكية طاهرة.
يعتقد بعض المغربيين (ولا أقول ‘المغاربة’ كما تعود الإعلام المغربي أن يستأثر بالمصطلح، لأن الكلمة تشمل في الحقيقة سكان المغارب الثلاثة أدناها وأوسطها وأقصاها) ان مآلات الأمور في ظل رئيس جزائري مريض قد تفضي إلى فوضى في الجزائر بحكم طبيعة النظام الحاكم، وربما يراهنون على ما تمت إشاعته من أن سبب إرسال الولايات المتحدة عشرات من جنود المارينز إلى إسبانيا، هو خطوة استباقية لعدم استقرار الوضع الجزائري، مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية التي لم تتضح بعد معالمها. ولكن ما لا يدركه هؤلاء هو أن المساس بأي شبر من التراب الجزائري هو من قبيل الأماني، ويكفي استنطاق الماضي لينبئهم بأن التفريط في سيادة البلد لا مكان له في مصطلحات الجزائريين.
أما المسألة الثانية التي تؤجج تصريحات الأمين العام لحزب الاستقلال المغربي، فقد تكون الصحراء الغربية التي لم يلتزم فيها النظام الملكي بحق تقرير المصير، وأدار ظهره للاستفتاء الذي قبل به بادئ الأمر، قبل أن يمدد من أمد معاناة الشعب الصحراوي في الأراضي المحتلة واللجوء والشتات، ومع ذلك هناك من يتضامن معهم ويناضل من أجل هذا الحق حتى من أبناء المغرب نفسه، وبينهم المناضل المغربي السيد عبد العزيز المنبهي الداعم لتقرير الصحراويين مصيرهم بكل حرية. أما استهداف الجزائر بإحياء حزب الاستقلال للأطماع المغربية فلا يخرج عن هذا السياق، وهو عادة ما يكون متزامنا مع تزايد الضغوط الدولية على الرباط بشأن انتهاكاتها لحقوق الإنسان في الصحراء الغربية.
وثالثة النقاط التي نعتقد أنها الباعث مجددا للتصريحات حول ‘احتلال جزائري’ مزعوم لأراض مغربية، فهي تلك المناطق المستهدفة في حد ذاتها وما تكتنزه من ثروات، لاسيما أن الحكومة الجزائرية أعلنت الشهر الماضي عن دراستها لإمكانية استغلال منجم غار جبيلات بتيندوف، الذي يقدر احتياطيه بما يقارب الملياري طن من الحديد. وهو ما يزيد من أطماع المغرب الخفية على هذه المنطقة التي تشهد الخرائط الدولية كلها على أنها جزء لا يتجزأ من الجزائر، وهو بذلك يتجاهل أن الأيام بين الناس دول، وليست دولة واحدة كما يزعم من قراءته لتاريخ شمال افريقيا التي كانت محل تنازع بين سلالات حاكمة، ولم تتسع جغرافية الواحدة من تلك الدول إلا على حساب أخرى عبر حقب زمنية متلاحقة. وإذا كان الاحتكام إلى تلك الأيام الخوالي هو المرجعية في الادعاء، فلنطالب وإياكم بعودة الأندلس الضائع إلى المغرب العربي الإسلامي.

‘ كاتب صحافي جزائري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية