مع أن الله أرسل للعرب آخر أنبيائه ورسله ليخلصهم من العنصرية، إحدى أخطر إفرازات الجاهلية الأولى، إلا أنهم عامةً أبوا إلا أن يبقوا مخلصين لعنصريتهم إزاء بعضهم بعضا، وإزاء غيرهم من الأمم والأقوام والشعوب على مدى القرون الأربعة عشر الماضية بنسب متفاوتة. صحيح أن ‘حزب الله’ أجرم إجراما سافراً بدعمه قتل الأبرياء والتنكيل بهم في سورية والمشاركة مع ‘المافيا البشارية’ في المذابح، غير أن ذلك رغم كل قبحه وبشاعته ينبغي ألا يُسلبنا الحكم الموضوعي على الحزب وما له.
ما من شك في أن ‘حزب الله’ حارب ‘إسرائيل’ حربين حقيقيتين لا مُمَسرحيتين كما يدعي العنصريون العرب في 2000 و2006 وانتصر عليها بمعيار عدم قدرة إسرائيل على وقف صواريخه لحد آخر لحظة في حرب تموز/ يوليو 2006، ولا في قدرتها على استرجاع أسراها. وفي 2000 حرر الجنوب اللبناني وحرر معه معتقلي ‘الخيام’ .إن موقفه المعادي – وليس السلبي فحسب – من الثورة السورية ومحاربتها أمرٌ استغربناه وما زلنا، ونشجبه ونستنكره ونرفضه تحت أي مبرر أبداه الحزب، من قبيل أنه حليف إستراتيجي للنظام السوري، وكنا نتمنى على الحزب أن يكون الحليف
الإستراتيجي لسورية الوطن والشعب والثورة. المهم أن ذلك لم يحدث وأوغل الحزب في دماء الشعب السوري وفقد صدقيته أو مصداقيته لدى الكثير من الشعوب العربية، وشوه تاريخه النضالي والجهادي العظيم .
ومع أن كل ذلك كان صائباً بيد أننا نرفض في المقابل من العرب، علماء ومفكرين وقادة رأي، إطلاق ألفاظ ومسميات عنصرية على ‘حزب الله’ مثل ‘حزب الشيطان وحزب اللات’، وما إلى ذلك من تعبيرات جارحة للذوق العام ومعمقة للخلافات العربية ـ العربية. ‘عين الرضا عن كل عيب كليلةٌ كما أن عين السخط تُبدي المساويا’، منطق عنصري جاهلي إذ لا يليق البتةَ أن نعادي شخصا أو حزبا منا وفينا عربيا ونجرده من كل مزاياه وماضيه المشرف بمجرد السخط عليه، وهو يستحقه ونحن الذين كنا نهتف باسمه في كل مكان، سنة وشيعة عربا، عندما كان يحارب إسرائيل ويمرغ أنفها في التراب، وهو ما عجزت عنه دول عربية تبتاع السلاح تلو السلاح من الغرب الداعم والراعي الأول لإسرائيل بعشرات المليارات وتخزنه في مخازنها لأغراض الاستعراضات واستعماله ضد الشعوب، ثم تغير موقفنا منه 180 درجة .
‘حزب الله’ الآن مجرم وقاتل ولا نلتمس له أي عذر، ولا ولن نسامحه على فعلته، غير أن ردة فعل الكثير منا وبينهم علماء كبار وقادة رأي ومفكرون هم أيضا فقدوا صدقيتهم أومصداقيتهم كالحزب تماماً عندما مسحوا الأرض بكل تاريخه. كان الأحرى بهم أن يحكموا عليه من خلال جرائمه في سورية، ووقوفه غير المبرر إلى جانب النظام الذي ثبت بالدليل ذبحه لشعبه واستعمال السلاح الكيميائي ضده، وإن كنا في الوقت ذاته لا نبرئ فصائل وأشخاصاً في المعارضة المسلحة من الإساءة للشعب السوري وإيغالها في دمه والقيام بممارسات غير أخلاقية ودموية ضد أطفال ونساء وأحياء بأكملها .
‘ أستاذ جامعي وكاتب قطري