حسب الشيخ جعفر في التلقي المغربي: شاعر متفرد في جيله ووريث الأساطير السومرية

التلقي المغربي

ظل نقد الشعر الحديث في المغرب جزءا من التجربة العربية بعد استقلاله السياسي، وكان مُواكبا لتحولات القصيدة العربية الحديثة عامة، والمغربية على الخصوص، بل يمكن القول إن الأولى حازت السبق والفضل على حساب الثانية، لاعتبارات موضوعية؛ من جملتها أن الحداثة الشعرية في المشرق هي الأسبق تاريخا والأنفذ جوهرا، وشعراؤها الرواد والمؤسسون يجري ذكرهم على كل لسان وفي كل محفل. ولهذا، مارست إغواءها على النقاد المغاربة في البحث والتأليف والجامعة والنقاش الثقافي.
ويقع الشعر العراقي الحديث في أولوية اهتمامات هؤلاء النقاد، الذين اعتنوا به بحثا ووجهوا أدواتهم لدراسة شواغله الجمالية والفكرية، أو تأثيره في حداثة الشعر المغربي وفي جل مؤسسيها من الرعيل الأول ومن تلاه. وإن الشعراء المبرزين من أمثال بدر شاكر السياب، وعبد الوهاب البياتي، ونازك الملائكة، وسعدي يوسف، وحسب الشيخ جعفر وبعض رفقائه من جيل الستينيات في الشعر العراقي، هم في طليعة الانشغال النقدي المغربي، الذي قارب هذا الشاعر أو ذاك في سياق إشكالية جامعية معينة ووازع نفسي وجمالي خاص.
من أبرز هؤلاء النقاد؛ بنعيسى بوحمالة في دراسته (وهي في الأصل أطروحة دكتوراه) المعنونة بـ»أيتام سومر: في شعرية حسب الشيخ جعفر» من منظور نصي مفتوح لا ينغلق على البنية، ويستمد عتاده المنهجي من دراسات المنهج السيميائي ـ الدلائلي كما تبلور في مجال الشعر مع الناقد الأمريكي- الفرنسي ميكائيل ريفاتير المتمحورة حول مفهوم الدالية (La signifiance) الذي يعنى بتوصيف ونمذجة السيرورة التكوينية المتنامية، التي تمر بها القصائد المفردة أو المتون الشعرية العريضة، كما ينفتح على حقول منهجية أخرى مثل الأسلوبية ولسانيات التلفظ التي تأخذ بالاعتبار إنتاج الخطاب الشعري وغير الشعري في ارتباطه بالمتكلم والمتلقي وجميع السياقات الزمانية والمكانية والتناصية لإنتاج الكلام الشعري. وهذا المنظور المتراحب سمح للناقد أن ينفذ إلى جملة من المشكلات الجوهرية في الشعرية العراقية الحديثة، ولاسيما التي تبلورت أو فرضت نفسها مع جيل الستينيات، ويحايث التجربة الشعرية لحسب الشيخ جعفر في مختلف تمرحلاتها الأساسية.

جيل الستينيات العراقي

يسمي الناقد بنعيسى بوحمالة هذا الجيل بتوصيف طريف لا يخلو من دلالة أسطورية وتاريخية حاسمة؛ «أيتام سومر»: «النعت الأوفى تشخيصا لهوية جيل الستينيات في الشعر العراقي المعاصر. ولعله يتمٌ مركبٌ في حالة شعرائه: يتمهم في سومر مسقط رأسهم الحضاري العريق. سومر تلك الالتماعة الحضارية الراقية في سديم العالم القديم، ويتمهم في بدر شاكر السياب أبيهم الشعري الرمزي ورأس الحربة في شعرية الريادة». ويرى أنه من الضروري، قبل قراءة شعر حسب الشيخ جعفر، أن تُقارب التجربة الشعرية الكلية لجيل الستينيات العراقي من حيث مرتكزاتها التصورية والإبداعية من جهةٍ أولى، ومن حيث مُؤشرات تطويرها أو تكريسها للمنجز الشعري الذي أرساه الرواد العراقيون من أمثال السياب ونازك الملائكة والبياتي. وقد اعتمد الناقد، للنظر في ذلك واختباره نصيا، على مفهومين إجرائيين أساسيين هما: مفهوم الجيل، ومفهوم القطيعة، على نحو يُشخص الوضعية الفعلية والاعتبارية المحددة لمجموعةٍ من الشعراء العراقيين المعاصرين الذين برزوا خلال عقد الستينيات، وبالتالي يُقيم طبيعة منجزهم الشعري والرؤياوي من جهة انقطاعه عن منجز شعرية الريادة التي تأثر بها المجال الشعري العربي بأكمله.

حسب الشيخ جعفر (يمين وقوفاً) مع مجموعة من شعراء جيل الستينات

هكذا يتناول «سيرة جيل متألق» معتبرا أن «قتل الأب الرمزي» شكلت، بالنسبة إليه، «طاقة تفعيل لمبدأ الاستخلاف الشعري». وينقسم هذا الجيل ـ في نظره- إلى مجموعتين: مجموعة «الداخل» لأن شعراءها مكثوا في العراق، وفيهم سامي مهدي، وحميد سعيد، وحسب الشيخ جعفر، وعبد الرحمن طهمازي، وعبد الأمير معلة، وياسين طه حافظ، وآمال الزهاوي، وجان دمو، وحميد المطبعي. وأما المجموعة الثانية فأطلق عليها مجموعة «الشتات» باعتبار أن شعراءها اختاروا مغادرة وطنهم العراق للإقامة في المهاجر الأوروبية والأمريكية، وتضم كلا من فاضل العزاوي، وسركون بولص، وعبد القادر الجنابي، وفوزي كريم، وجليل حيدر، وصلاح فائق، وصادق الصانع، ومؤيد الراوي، وأنور الغساني. لكن ما كان يجمع هؤلاء الشعراء أقوى مما يفرق بينهم؛ بحكم مواطنتهم العراقية وأقدارها العاصفة. من جهة أولى، هم ينتسبون أيديولوجيا إلى صف اليسار في شتى شُعبه ومذاهبه (البعثية، الشيوعية، الماوية، الغوارية الغيفارية) مُوالين لقيمه وتحليلاته التي لم تكن لتسقطهم في وهم تغليب الأيديولوجي على الشعري، وبالتالي الانجرار إلى طمس الطاقة الشعرية للكتابة، بدعوى مراعاة الوضوح الأيديولوجي.
ومن جهة أخرى، كانوا مهمومين بأسئلة أخرى مخالفة لأسئلة الرواد في ما يخص الإبداع، أو الوجود داخل وعي متقدم بالمعرفة الشعرية، لا يعدم همه التجريبي الذي يتمثل في تشييد لغة شعرية بِكْر، ونحت إيقاعات جديدة خارج المحظورات العروضية، والاعتناء بقصيدة النثر، والاحتفاء بالموضوع الشعري الجديد، والنزوع نحو بناء قصيدة مركبة متعددة الأصوات واللغات، عدا تمثل المرجع الشعري الغربي. وبما أن زمنهم كان مبعثاُ للخيبة واليأس، لم تكن أرواحهم المتطلبة لينطلي عليها التفاؤل الرؤياوي الساذج، فكان طبيعيا أن تنزاح نصوصهم وتجاربهم الشعرية عن مدار الرؤيا التموزية، لتعانق رؤيات مضادة بروميثيوسية، ونرسيسية، وأورفية.
هكذا دفع رعيل الشعراء الستينيين بمشروع شعري على درجة من الأهمية، وهو ما يشهد عليه منجز شعري يمثل قيمة مضافة للشعرية العربية المعاصرة، وفي هذا المنحى تبقى مجريات الشأن الشعري العراقي أثناء الستينيات جديرة بالتأمل، إذ يبدو الاقتدار الشعري المذهل الذي أعرب عنه شعراء هذا الرعيل، لكأنما هو تعبيرٍ لا واعٍ عن أحقية بغداد في مواصلة تحديث شعرية الريادة، حتى وهم يُحطمون «أسطورة الأب الرمزي» بمعاول المحبة والعزاء حينا، واليأس والعماوة حينا آخر.

كنت التقيتك، لمرتين، في بغداد العامرة، وأنت ترفل في حزنك السومري المعتق، يدثرك يتم السلالة التي تحدرت منها أنت وأندادك النادرون، عساني أغنم منك، من صمتك الهائل، سبيلا ما إلى لب مجرتك وإلى تخومها اللاترى.

حسب الشيخ جعفر

ينطلق الناقد المغربي من فكرة لا نزاع حولها مفادها أن الشاعر حسب الشيخ جعفر هو أبرز الأصوات الشعرية داخل هذا الجيل، بل أحد رواد الحداثة الشعرية منذ ستينيات القرن العشرين، ويحاول البرهنة على ذلك من خلال قراءة متنه الشعري على ضوء إشكالية الاستمرارية والقطيعة في الشعر العراقي الحديث. ولعل الأهمية الكبرى للكتاب تكمن في توسيع الناقد لحيز التحليل، فجاءت هذه الإشكالية قراءة في نموذج شعري يعبر عن تجربة حداثية واسعة شارك فيها جيل عراقي بكامله. إن حسب الشيخ جعفر- في نظره- يمثل واحدا من أهم شعراء الجيل وأكثرهم عمقا وحيوية، وقد أمد الشعرية العربية المعاصرة، منذ وقت مبكر، بجماليات فارقة في البناء الشعري؛ مثل: التدوير الإيقاعي، وتقنية الحكي الشعري، والإيهام الحلمي، وأسطرة الوقائع والتوضعات، والصدور عن رؤيا أورفية للعالم (نسبة إلى أورفيوس في الأسطورة الإغريقية) بوصفها رؤيا قائمة على اعتناق «اليأس والاستحالة والموت» بديلا عن الرؤيا التموزية (نسبة إلى تموز في الأسطورة السومرية) لجيل الرواد الذي آمن بالإمكان والانبعاث.

وترتبط الرؤيا لدى الشاعر باليأس والقنوط والاستحالة، وبالموت أيضا. ولا يعني ذلك أنه يستبدل بالأسطورة السومرية أسطورة إغريقية، بل إن هذه الاستراتيجية في الإبداع وعبره تهدف إلى تجاوز الرؤيا السومرية وإشباعها كشفا وتوكيدا لمأساة الإنسان واغترابه ومحنته، وقد اضطر هذا الكشف الشعري أن ينقل الجملة الشعرية من النمط الغنائي – البسيط إلى النمط الدرامي – المركب لقدرته على التعبير عن تشكيلات تخييلية جديدة وتعقد مجمل مظاهر أداء التجربة الشعرية في سيروتها البنائية والنصية. ولئن كان حسب الشيخ جعفر في بداياته الشعرية، مثلما يسري الأمر على كل شعراء جيله، مرتهنا بأساسيات البناء الشعري وخواصه الأسلوبية عند السياب والبياتي، إلا أنه سرعان ـ وهو معطى يلازم أي فعل يحدث القطيعة – أخذ ينفصل عن مدار التعبير الشعري الغنائي السائد، تجاوبا مع سيرورة الإنتاج الدلالي وآلية العنصر الرؤياوي؛ وذلك «من خلال استراتيجية تجريبية تغطي أصعدة اللغة، والتركيب، والإيقاع، والتخيل، والتوازي النصي، ثم التناص» وهو الأمر الذي جعل جملته الشعرية من وقت مبكر تحمل دمغة أسلوبية خاصة صار لها من «الكفاية الأدائية» ما منحها الحضور والتأثير في نصوص مجايليه ونصوص شريحة عريضة من الشعراء داخل العراق وخارجه.

لقد لاحت شعرية حسب الشيخ جعفر بأنها مسكونة بهاجس القطيعة الشعرية وانفصالها عن الثوابت الأدائية لشعرية الريادة وأفقها الرؤياوي. ذلك ما تبرزه أعماله الشعرية بدءا من «نخلة الله» 1969» ومرورا بـ»الطائر الخشبي» 1972، و»زيارة السيدة السومرية» 1974، و»عبر الحائط.. في المرآة» 1977، ومرورا بـ»في مثل حنو الزوبعة» 1988، و»جيء بالنبيين والشهداء» 1988، و»أعمدة سمرقند» 1989، و»كران البور» 1993، وليس انتهاء بأعماله النثرية – السيرذاتية (رماد الدرويش، الريح تمحو والرمال تتذكر) وترجماته لقصائد مختارة لشعراء روس «مايكوفسكي، يسنين، بوشكين، ألكسندر بلوك، آنا أخماتوفا». وسوف يقارب بوحمالة أعمال حسب الشيخ جعفر الشعرية الخمسة الأولى باعتبار أنها تتعالق شعريا ورؤيويا على نحو أتاح له الكشف عن خصوصية تجربة هذا الشاعر وموقعه داخل هوية/هويات جيل بأكمله.
ينصب التحليل على المتن الشعري لحسب الشيخ جعفر واستنطاق بنائه الشكلي، من خلال البحث في الوحدات اللغوية والتركيبية والإيقاعية والمكانية والرمزية. فالدراسة لا تكتفي بوصف مكونات هذه الوحدات الشكلية وطرق اشتغالها في المتن، بل ترقى بها إلى التأويل الدلالي لاستخلاص رؤية الشاعر إلى الكون والإنسان، فيما هي تبحث في العلاقات التناصية للمتن الشعري والبناء الدلالي، ثُم في العلاقة التركيبية بين الشعري والأسطوري والرؤياوي، التي يبسطها هذا المتن بثرائه وفرادته.

تذكير متأخر

فقد الشعر العربي المعاصر أحد أبرز أصواته.. العراقي حسب الشيخ جعفر، الذي سيشكل مع مواطنه فاضل العزاوي، والفلسطيني محمود درويش، والسوري فايز خضور، والمصري محمد عفيفي مطر، والسوداني محمد عبد الحي؛ الموجة الحداثية الثانية التي ستخلف موجة الريادة وترخي آثارها ومفاعيلها الضاربة على الأجيال الشعرية العربية اللاحقة.. قضى فترة من حياته في موسكو طالبا في معهد غوركي للآداب، وحيث سيحصل على ماجستير في الأدب الروسي، قبل أن يعود إلى بلده ويشتغل في الإعلام الثقافي.. وبقدر ما كان متضلعا في التراث الأدبي العربي سيتشبع، وإلى أقصى الحدود، بمقروءاته الواسعة والنابهة في الآداب العالمية.. وأيضا بقدر ما سيبصم على اجتراحات جمالية فريدة وجسارات رؤياوية عميقة سيغني بها الشعرية العربية المعاصرة سيفتح لها، بالموازاة من هذا، قنوات مع المتن الشعري الروسي من خلال ترجماته الباذخة التي لا تضاهى.
لكم كان اغتنائي وأنا أخوض، لسنوات، في مقاربة عالمه الشعري، مرتحلا، في مزيج من مشقة واستمتاع، بين تاريخ العراق السومري والأكدي والبابلي والآشوري، وتاريخه الحديث.. بين أرصدته من الشعر العربي القديم والشعر العربي المعاصر، وتلك التي اكتنزها من الشعريات العالمية، وفي صدارتها الروسية.. بين قطوفه من حقول الرواية والقصة القصيرة والمسرح، وما اجتنته عيناه من مشاهدات سينمائية وكوريغرافية فذة وأدمنته أذنه من مسموعات موسيقية راقية..
كنت التقيتك، لمرتين، في بغداد العامرة، وأنت ترفل في حزنك السومري المعتق، يدثرك يتم السلالة التي تحدرت منها أنت وأندادك النادرون، عساني أغنم منك، من صمتك الهائل، سبيلا ما إلى لب مجرتك وإلى تخومها اللاترى.. عساك تخفر ممشانا، أنا وصديقك أبو نواس، مثلما فرجيليوس مع دانتي بحثا عن بياتريس، نحو جنان العباسية.. الشقيقة الصغرى ليوريديس السومرية.. سدرة منتهى الروح والقصيدة كلتيهما.. فشكرا لروحك البهية على كرم مرورك الشعري المبجل في أخاديد اليباس والشدة.. في كلوحة الوجود وانحطاطه.. أنت السومري القح، الموعود، في حياتك كما في مماتك، بـ»زيارة السيدة السومرية» هناك «عبر الحائط.. في المرآة».

كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية