حسن حسني..الأكثر حضوراً في السينما المصرية

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
0

القاهرة ــ «القدس العربي»: منذ أيام قليلة رحل الفنان حسن حسني (15 أكتوبر/تشرين الأول 1931 ــ 30 مايو/أيار 2020) عن 89 عاما، ويعد حسن حسني من أكثر الفنانين المصريين أعمالاً فنية، سواء في السينما أو التلفزيون أو المسرح.

اللافت أن الراحل رغم مثابرته في مهنة التمثيل، إلا أن مكانته لم تتحقق إلا بعدما تقدم في السن، ورغم أن تقدم السن بين ممثلي السينما المصريين يحد من أدوارهم، ويجعلهم يدخلون في نفق النسيان المظلم، إلا أن حسن حسني وجد ضالته، أو وجدته السينما ليمثل في هذه السن، خاصة بعد رحيل حسن عابدين ـ كان زميلاً له في ما سُمي بـ»فرقة المسرح العسكري» التابعة للجيش، التي انحلت بعد 5 يونيو/حزيران 1967 ـ ورغم الأدوار البسيطة التي قام بها حسني في شبابه، والتي وضعته في قالب الشرير، مُدبّر المؤامرات، إلا أنه مع التقدم في السن، وبخلاف الأعمال الكوميدية العديدة، تجلت قدراته الفنية في أعمال أصبحت من علامات السينما المصرية، بدون إنكار روح وقدرات الرجل، التي تمنح الشخصية ثقلاً فنياً، وحضوراً طاغياً لا يُنسى، قد يتفوق في الكثير منها على أداء أبطال هذا الفيلم أو ذاك. رغم تنوع هذه الأدوار وتباينها التام، نذكر منها مثالاً.. «سواق الأتوبيس» 1982، «البريء» 1986، «زوجة رجل مهم» 1987، «المواطن مصري» 1990، «ليه يا بنفسج» 1993، «سارق الفرح» 1995، «ميت فل» 1996 و»عفاريت الأسفلت» 1996. أما المسلسلات فشارك من خلالها بأدوار متميزة، تمثل ذاكرة الدراما المصرية، ومنها.. «أبنائي الأعزاء شكراً» 1979، «رأفت الهجان» 1990، «مذكرات زوج» 1990، «أرابيسك» 1994 و»أم كلثوم» 1999. ونستعرض بعض من الشخصيات التي أداها حسن حسني، والتي أصبحت علامة فارقة في تاريخه وتاريخ السينما المصرية، بغض النظر عن الأعمال التي شارك فيها، وكانت مجرد تكرار، وشخصيات نمطية لا أكثر ولا أقل.

عيد
في فيلم «ليه يا بنفسج» من إخراج رضوان الكاشف، يجسد حسن حسني شخصية (عيد) الموسيقي الكفيف، في حارة شعبية من حواري القاهرة، يحلم بأن يسجل أغنية يتحدث من خلالها عن حالته، وحالة الجميع. عنوان الفيلم مأخوذ من أغنية شهيرة، شطرها الثاني يعبّر عن حالة أبطاله وما يعيشونه.. «ليه يا بنفسح بتبهج وأنت زهر حزين». فالأبطال يعملون في فرقة متواضعة للأفراح، إضافة إلى العديد من المهن كيفما اتفق، حيوات بائسة، ولا أمل ولا مستقبل. حياة مفروضة لا يمكن الفكاك منها. والشيخ عيد، بما أنه تلقى تعليماً أزهرياً في البداية، فجمع ما بين الغناء والقراءة في المقابر أحياناً، لكنه انحاز للفن، ومن عاداته زيارة قبر العندليب في ذكراه ــ بما أنهما مطربان كبيران زي بعض ـ يبثه شكواه من الزمن وحال الغناء بعد رحيل عبد الحليم. عيد هو الآخر يحلم بحب امرأة ويتتبع أخبارها، حتى بعدما تزوجت، رغم أنه يعلم أدق التفاصيل عن الحارة وساكنيها، إلا أنه يريد سماع أخبارها من الأصدقاء المقربين. وتأتي لحظة تسجيل الأغنية ـ حالة من الفانتازيا ـ فالفرقة تعزف، وجهاز الكاسيت القديم يقوم بالتسجيل، وسط حضور أهل الحارة، وكأنهم في فرح شعبي، وما بين تصفيق ورقص، يغني الشيخ عيد، لاعناً الدنيا وما تفعله مع الأوفياء والصادقين وأبناء السبيل ـ كحال المغلوبين على أمرهم دوماً ـ ليتضح أن خللاً أصاب جهاز التسجيل، فتفشل المحاولة، وينسى الرجل الأمر. هكذا الحياة، التي لابد لها أن تستمر.

رُكبة
تعتبر شخصية «رُكبة» في فيلم «سارق الفرح»، من إخراج داود عبد السيد، من أكثر الشخصيات عمقاً وأثراً. أولاً لأن هذه الشخصية كتبها عبد السيد، بدون أن يكون لها وجود في القصة المأخوذ عنها الفيلم ـ القصة بالاسم نفسه لخيري شلبي ـ حتى إنه عند قراءتها تجد أنها حكاية عادية، وما (رُكبة) إلا الحالة الأسطورية للحكاية/الفيلم، الذي يعد الشخصية المحورية للعمل، وقد جسدها حسني، وكأنه هو ذلك الرجل الأعرج، الذي يحلم بحب فتاة في سن ابنته، وهو الذي لم يُرزق بأطفال، ويعيش مع امرأة دميمة، لا نسمع منها إلا الصراغ والغضب على زوجها. (رُكبة) القرداتي، الذي يجيد ضبط الإيقاع على الطبلة، ويحلم بضبط إيقاع حياته من خلال الفتاة (رُمانة)، يتتبعها ولا يحيد عنها، ويتشكى الحب ومأساته باكياً، ويعي تماماً أنه مستحيل، لكن خياله هو الذي يقوده، حتى يتقابل معها، وترقص رمانة في أحد أفراح الجارات، على إيقاع رُكبة، الذي مع تصاعده تكاد روح الرجل تصعد إلى خالقها. ليعد هذا المشهد من أفضل وأهم مشاهد الحب في السينما المصرية. وبعدما تنهار البنت من الرقص، تذهب إلى ركبة لتقف أمامه، فيتأملها .. الشباب، الجمال، الحياة. هنا تعرف أنه يحبها، وقد منحه الله أخيراً لحظة النجاة التي طالما حلم بها، فكان رده أن تصعد روحه، فهو لا يستطيع أن يتحمل أكثر من ذلك. يحتفي داود عبد السيد بشخصية (رُكبه)، ولا يترك لحظة رحيله العجيبة، بل يستمر معها، حتى دفن صاحبها في مقبرة ملكية، حيث يتقدم النعش أصدقاء رُكبة وزملاء المهنة، يتقدمهم العديد من القرود، ليتأمل الجميع المكان الأثري في انبهار، فها هو أخيراً يرقد بجانب ملوك مصر. شخصية تستطيع أن تجدها في أدب أمريكا اللاتينية، وكأنها إحدى شخصيات ماركيز، التي لا تُنسى.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية