في أواخر تسعينيات القرن الماضي دُعيتُ لأكون أستاذاً للأدب الانكَليزي في الجامعة الإسلامية العالمية في كوالالمبور، ماليزيا. قضيتُ هناك أربع سنوات مُمتعةً جداً في هذا البلد شديد الاختلاف عن بلاد العرب المسلمين التي نعرف. في الجامعة أكثر من 120 جنسية من بلاد المسلمين، لكن الجميع يتكلم اللغة الانكَليزية بلهجة طريفة فيها شيء من الغُنّة. والناس هناك وَدودون يحترمون القادم إلى بلادهم، وعندما يدركون أنك أستاذ في جامعتهم وأنك مسلم من بلد عربي يبدأون بعرض خدماتهم ويبالغون بالترحيب.
أول ما لاحظتُ أن المسلمين في ماليزيا شديدو التعلّق بالإسلام، وأكاد أقول إنهم أكثر إسلاماً من بعض البلاد العربية المسلمة. ولكن هذا التشدّد والحماسة لكل ما هو مسلم قد يتخذ شكلاً يدعوك إلى التدخّل وتصحيح فكرة أو مفهوم أو إسم يتداوله الناس بشكل يفتقر إلى الدقّة، لأن ما نُقِل إليهم كان مُترجماً من العربية إلى لغتهم ترجمةً غير موفّقةٍ أحياناً.
كانت أسماء الأشخاص أول ما جلب انتباهي في هذه البلاد المسلمة غير العربية. هذه طبيبة عيون مشهورة في بلادها رأيتُ على مكتبها لوحة تقول «الدكتورة ماجِنة». لم أستطِع مقاومة رغبتي في سؤالها إن كانت تعرف معنى اسمها، فقالت إنه إسم عربي إسلامي إختاره لي جدّي الذي يختار الأسماء الإسلامية لجميع أفراد العائلة، وهو حاج مسلم! لم أستطع أن أفسِّر المعنى لهذه الطبيبة المتخصصة من جامعة لندن. فكيف أقول لها إن هذا الاسم هو مؤنث «ماجن» وكيف أفسِّر لها المعنى من دون خشية العواقب؟
وهذا موظف شاب في كليّتنا يتبارى مع الآخرين في تقديم الخدمات لي، لأني عربي مسلم، واسمه «زارول». فلما سألته إن كان يعرف معنى اسمه أجابني بفخر إنه اسم إسلامي، وشرح لي بصعوبة إنه «زهر الإسلام» ولكننا نختصر الأسماء ولا نُحسِن نطق حرف الهاء، لذا اختصرناه إلى «زارول».
كان عندي طالب إسمه «زاني» فلما سألته إن كان يعرف معنى اسمه أجابني بالفخر المعهود إنه إسم إسلامي إختاره لي صديق العائلة الحاج «أبو مسلم» كما اختار اسماً لابنة عمي: «زانية». وهما إسمان مذكوران في القرآن الكريم!! كيف أشرح له كم جَلدة هي عقاب الزاني والزانية كما ورد في القرآن الكريم؟
إلى جانب هذا الاحترام الشديد لكل ما هو إسلامي، نجد هؤلاء الناس يحافظون على بعض جوانب العبادة مما لم يَعُد له وجود في أغلب البلاد العربية الإسلامية التي عرفتُها. فثمة الاحتفال بالأولاد الذين يكمِلون قراءة القرآن، فتُقام لهم «حفلة الخَتمة» التي تُقدَّم فيها وليمةٌ كبرى من الأطعمة والحلويات والفواكه. وقد يُساهم فيها بعض الأقارب والجيران، ويقود الحفلة أحد رجال الدين الذي يقود الأدعية والأذكار ويقدِّم الفتى والفتاة في ملابسهم الزاهية فيجلسون وسط حلقة من المدعوين للاحتفال. وقد دُعيتُ إلى واحدةٍ من تلك الاحتفالات في دار في منطقه سكنية في ظاهر المدينة، حيث يُقطع المرور في الشوارع المجاورة بمقاعد خشبية طويلة، لكي يَترك المدعوون سيّاراتِهم خارج حدود الاحتفال والسير على الأقدام إلى دار أصحاب الاحتفال. ولا تعترض شرطة المرور على قطع الحركة في تلك الشوارع بل إن بعضهم يأتي للمشاركة في الاحتفال.
ومن أمثلة حُسن معاملة «الغريب» عن البلاد وتقديم العون له عند الحاجة ما حدث لي مرتين لا يمكن أن أنساهما. كنتُ أسوق سيارتي في يوم شديد المطر والضباب، وعلى شارع ذي ثلاثة مسارات. فتوقّفتُ عند الضوء الأخضر وحاولتُ الاستدارة إلى اليمين ولكني كنتُ في المسار الثاني وإلى يميني خط طويل من السيارات المتوقّفة مثلي عند الضوء الأخضر. فأشَرتُ إلى السيارة الأولى عن يميني، ففهم الرجل مقصدي وأضاء مصابيح سيارته الخلفية ورجع إلى الوراء قليلا مما سمح لي بالاستدارة إلى اليمين. وهذه مخالفة مرورية تؤدي إلى غرامة. ولكن السائق إلى يميني أدرك أني «غريب» فأشار إليّ أن استدير… مع ابتسامة.
والحادثة الثانية أنني توقّفتُ عند نقطة تقاطع طرق تتشابك فيها الأضوية الخضراء والحمراء. وكان شرطي المرور ينظِّم السير فتقدّم إلي ليقول لي إنني واقفٌ في المكان الخطأ، وسألني أين كنت أريد، فلما عرف أنني أستاذ في الجامعة أوقف المرور إلى شماله وسمح لي بمواصلة المسير على الرغم من خطأي بالوقوف.
ومن الأمثلة التي وجدتُها غريبة، مع ما فيها من طرافة، مراسِم استقبال الضيوف من كبار المسؤولين عند زيارة الجامعة. مرّةً أُعلن لنا أن وزير التعليم العالي قادم لزيارة الجامعة وطُلِب إلينا التجمُّع في القاعة الكبرى لاستقباله. وإذا بالمسرح يمتلئ بناقري الدفوف والمُنشِدين. فلما دخل الزائر الكبير انطلق المنشدون وناقرو الدفوف بترنيمة: «طلع البدر علينا/ من ثنيّات الوداع. وجَب الشكر علينا/ ما دعا لله داع». وكرّروها ثلاث مرات، وكنتُ أخشى أن يُكمِلوا: «أيها المبعوث فينا/ جئت بالأمر المُطاع».. فسألت الجالس إلى يميني: ألم يُبيِّن أحدٌ لهؤلاء الشباب أن هذه تحية أهل المدينة المنوّرة في استقبال المهاجرين بقيادة الرسول الكريم ولا يجوز استعمالها في استقبال زائر كبير حتى ولو كان وزير التعليم العالي؟
ومن الأمور المهمة التي تنفرد بها ماليزيا هي إعداد التقويم السنوي للعام الجديد بداية من كانون الثاني/يناير من كلِّ سنة، وذلك بالاعتماد على الدراسة الفلكية التي تبيِّن بداية رمضان وتواريخ العيدين والمناسبات الدينية الإسلامية بدل الاعتماد على «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» التراثية التي قد لا تنطبق في بعض البلاد العربية الإسلامية، بسبب الجو الغائم.
والمسلمون الماليزيون حريصون على أداء فريضة الحج، وتساعدهم الحكومة على ذلك عن طريق «مؤسسة الحج»، وهي مؤسسة كبيرة يتقدّم إليها الراغبون في الحج ويسجّلون أسماءهم ويدفعون مبلغا كل شهر أو كل ما تيسّر لهم، تجنّباً لدفع المبلغ الكبير دفعة واحدة، مما لا يقع في طاقة الكثيرين، حتى إذا بلغ المجموع الذي تقدّره مؤسسة الحج لتغطية أجور السفر والإقامة، يدخل اسم الرجل أو المرأة في قائمة المرشحين للسفر ومعهم دليل أو اثنان من الرجال والنساء لمصاحبة البعثة، وهو ما توفِّره الحكومة التي توفِّر لكل شخص كذلك حقيبة ظهر فيها كراريس معلومات وتوجيهات وأدعية وأرقام هواتف. وتسير المجموعة الماليزية معاً، يتقدمها الدليل حاملا عَلماً يتبعه الجميع مما يُسهِّل الحركة معاً دون احتمال التفرّق. وبعد ختام مناسك الحج والاستعداد للعودة يكون مظهر الحجاج الماليزيين في المطار مما يبهج الناظرين، لأن الكُلّ يبتسم أو يتبادل التهاني وكلّ واحد منهم يحمل «قربة بلاستيك» مليئة بماء زمزم، ينوء بحملها، ولكنها أثمن هديّة يحملها من الحج إلى الأهل والأصحاب.
لقد شهدتُ ذلك كلّه شخصياً قبل 25 سنة، واليوم تعودُ إليّ الذكرى وكأنها تحدث أمامي، ولكنها تحدث في الخيال…