مضى على معركة طوفان الأقصى عام كامل، وتأييد الرأي العام العالمي يزداد، وقناعته بعدالة القضية الفلسطينية تتوثق سواء على صعيد الجماهير الشعبية أو على صعيد الحكومات والمنظمات والجمعيات الدولية. فلقد جسَّت معارك غزة نبضات الضمير العالمي، فاستيقظ على أكاذيب الصهاينة وعرف مآربهم، وأدرك أن للشعب الفلسطيني حقوقا اغتصبت، وفي مقدمتها حقه في استعادة أرضه.
وما دعوة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون إلى الامتناع عن تزويد إسرائيل بالأسلحة سوى مثال على صحوة هذا الضمير العالمي الذي يرفض حرب الإبادة الجماعية ويدين الوحشية ويدعو إلى مقاطعة إسرائيل عسكريا وسياسيا. وإذ أعرب ماكرون عن أسفه لعدم تغير الوضع في غزة وأن إطلاق النار ما يزال مستمرا، فإن نتنياهو رد بعنجهيته المعهودة قائلا: «إن حظر الأسلحة وصمة عار عليكم». إنها الوقاحة في ذروتها القصوى؛ أليس العار على من يقتل الأبرياء بدم بارد مستعملا أعتى أنواع الأسلحة؟ رضع في المهود، وأطفال يحبون، وزهرات بعمر رياض الأطفال، ونساء وشيوخ؛ أهناك أشد من هذا عارا؟
ما يراه ماكرون يراه معه العالم أجمع، وهو ضرورة وقف الإبادة كي لا تستمر الحرب ويكون الشعب اللبناني هو الضحية الثانية بعد غزة. والغرابة أنّ فرنسا التي كانت على الدوام سباقة للاهتمام بلبنان في كل ما يمرَّ به من أزمات اقتصادية أو عسكرية، نراها الآن مع هذا التصعيد الأخير في بيروت لا تحرك ساكنا. وفي هذا إشارة دامغة على مقدار تغلغل اللوبي الصهيوني في كل مكان من أوروبا. وإذ لا غرابة في وقاحة نتنياهو، فإن الغرابة حقا هي في تطابق الإدارة الأمريكية في وصف دعوة ماكرون بوصف نتنياهو ذاته، ولعل ذلك كان سببا في تخفيف قصر الاليزيه من لهجة ماكرون والقيام بتصريح يؤكد فيه التزام فرنسا بالدفاع عن أمن إسرائيل.
إن مفصلية مرحلتنا الحالية تاريخية لاسيما في ما يحصل من انتهاكات لحقوق الإنسان في غزة والضاحية الجنوبية ومزارع شبعا والجولان وسهل البقاع، وكيف يضرب الصهاينة عرض الحائط كل القوانين والمواثيق الدولية، مستقوين ومستعينين بما يزوده بهم الغرب الامبريالي من أسلحة ومعدات وبضمانات خفية وتكاتفات مشؤومة، غايتها كسر شوكة المقاومة وقهر إرادتها أولا ومن ثم كسر إرادة الشعب العربي قاطبة.
إن تطورات طوفان الأقصى الأخيرة بكل ما فيها من مكاسب ونكبات تجسدت في عشرات الآلاف من الضحايا الأبرياء ودمار شامل لكل مظاهر الحياة، وهي بالاجمال ولَّدت نصرة شعوب العالم للشعب الفلسطيني. وها نحن نلحظ في كل مرة يزداد فيها أوار طوفان الأقصى قوة، يتصاعد التكاتف العالمي مع القضية الفلسطينية من جانب، ويجن من جانب آخر جنون الصهاينة أكثر ويبين خبث نواياهم بشكل أكبر.
وعلى الرغم من كل ما يواجهه الشعب الفلسطيني داخل غزة وخارجها من وحشية غير مسبوقة في تاريخ الحروب، فإن ذلك لم يثلم من عزيمته في تحرير أرضه والجهاد من أجل قضيته.
وفي كل مرة يجد فيها العدو نفسه مغلوبا وأسلحته الفتاكة غير مجدية ولا مؤثرة في عزيمة المقاومين، يلجأ إلى السلاح القديم الذي يتقن استعماله وهو سلاح الاغتيال. فكان أن اغتال بمكر ودهاء قادة وسياسيين، متوهما أن ذلك سيغير كفة الصراع وسيؤثر في الرأي العام العالمي فيتوانى عن نصرة القضية.
وما اغتيال شخص واحد بثمانين طنا من المتفجرات، وما تتجدد الاغتيالات كل يوم وبأشكال مختلفة سوى دليل على أن كل شهيد مغدور هو جيش بكامله يرهب الأعداء. وما قاله محمود درويش في ندب الشهيد غسان كنفاني ينطبق على شهداء مرحلتنا كلهم، إذ يقول: «أخرجتنا من صف المشاهدين دفعة واحدة وصرنا نتشوف الفعل ولا نفعل. أعطيتنا القدرة على الحزن وعلى الحقد وعلى الانتساب.. كم يشبهك الوطن وكم تشبه الوطن.. ولم نعرف من نرثي؛ فالكل قابل للرثاء.. طوبى للقلب الذي لا توقفه رصاصة. لا تكفيه رصاصة. نسفوك كما ينسفون جبهة وقاعدة وجبلا وعاصمة، حاربوك كما يحاربون جيشا، لأنك رمز وحضارة وجرح، ونحن هنا سنموت كثيرا وكثيرا نموت إلى أن نصبح فلسطينيين حقيقيين وعربا حقيقيين».
ولطالما حمل درويش دفاتره أشعارا وأسفارا، مقدَّما للعالم صورة فلسطين التي يريد الصهاينة اغتيالها لا احتلالها حسب. وإذ ينجح الاغتيال في اجتثاث الأجساد، فإنه لن يجتث روح المقاومة التي تبقى ماكثة في النفوس وماثلة على مرِّ الأجيال أمام الأعداء قبل الأصدقاء، متجسدة في الذين يحملون أرواحهم على راحات أيديهم، ناذرين أنفسهم لقضيتهم.
صحيح أن التطورات الأخيرة في المنطقة، سمحت لكثير من المراهنين على التفرقة العرقية وتصعيد النعرات الطائفية أن تعلو أصواتهم شاجبين المقاومة وناقمين على قادتها، داعين إلى المساومة وممهدين للتطبيع، غير أن ذلك ليس بسبب طبيعة المقاومة، بل بسبب ما عانينا منه وما نزال نعاني وهو طغيان الحكام كنتيجة لمجموعة ظروف تاريخية قاهرة جعلتهم يمارسون طغيانهم على شعوبهم وبأشكال شتى تقتيلا وتجويعا وتشريدا وقمعا للحريات. الأمر الذي سهَّل على الخصوم أن يوقظوا الفتن ويثيروها. وهكذا تشتتت الإرادات وتهشمتْ المعنويات وغابتْ روح المواجهة والتصدي.
وليس بالغريب بعد ذلك أن يكون أعداؤنا ومعهم الامبريالية العالمية متربصين بنا، يراقبوننا عن كثب، متفرجين على حالنا، ناظرين كيف تُباد إراداتنا وتزهق قوانا بأيدي حكامنا، كي يسهل أن ينقضوا علينا، مستغلين ضعفنا. وها هم يفعلون متواطئين بعد أن زرعوا الفرقة في كل أطرافنا، راكبين حصان طروادتهم الاستعماري الدائم (فرقْ تسدْ).
وإذا كان في بلادنا العربية من يخنع للطغيان ويوالي الامبريالية وأذنابها، فإن في العالم من يشجب إجرام الصهاينة الوحشي ويدينه ويرفض الشعار الاستعماري (فرق تسد) الذي اتخذه الصهاينة ومن قبلهم الغرب الامبريالي مبدأ استراتيجيا لاخضاع الشعوب وقهرها.
كاتبة من العراق