لقاء البرهان وماكرون على هامش تشييع الرئيس التشادي تناول الوضع في تشاد والمساعدة التي من الممكن أن يقدمها السودان في استقرار الوضع الجديد بعد رحيل الرئيس ديبي.
الخرطوم-»القدس العربي»: شيعت تشاد أمس الأول الجمعة رئيسها الراحل إدريس ديبي اتنو الذي قيل انه قتل في إحدى المعارك مع المعارضة التشادية التي كانت في طريقها إلى العاصمة انجمينا بعد ساعات من إعلان فوز الرئيس الراحل في الانتخابات العامة بنسبة 71 في المئة من الأصوات في انتخابات شهدت عزوفا عن المشاركة لنتيجتها المعروفة سلفا. لكن قائد المعارضة محمد مهدي كان له رأي آخر حيث تقدم بمقاتليه من الجنوب الليبي قاصدا تغيير الحكم في تشاد عبر قوة غالبها ليس لها أفق سياسي ولكنها كانت مضطرة لمغادرة ليبيا برغبة القيادات الليبية التي آثرت إنهاء القتال الذي كانت تستخدم فيه مقاتلين «مرتزقة» من عدد من دول الجوار في تشاد ومالي والنيجر والسودان .
وتجمع الروايات على أن هذه القوة غير المنسجمة تعرضت لهزيمة قاسية في منطقة كأنم شمال تشاد 300 كلم من العاصمة وان الرئيس المقتول غادر إلى ميدان المعركة بعد إعلان فوزه في الانتخابات لرفع روح جنده المعنوية الذين يقودهم نجله الجنرال محمد إدريس الذي وقت حضور والده لأرض المعركة كان يطارد فلول قوات المعارضة التي وجدت سرية مقاتلة نفسها في مواجهة قوة من الجيش التشادي لتشتبك معها، ومع اشتداد القتال أصابت قذيفة الرئيس الذي كان في معية القوة التي كانت تقاتل بضراوة ليتم نقله للعاصمة إذ وافته المنية فيها متأثرا بجراحه، ليقوم قادة الجيش بترتيب حالهم بسرعة وإعلان نجله قائد الحرس الجمهوري رئيسا للمجلس العسكري الانتقالي الذي ضم وزير الدفاع وقادة الوحدات العسكرية الذين قاتلوا وتحالفوا مع والده من إثنيات تشاد المختلفة.
ووجد هذا المجلس ورئيسه الجديد مباركة سريعة من فرنسا التي تعتبر مستعمرتها السابقة تشاد منطقة حيوية لا يمكن التهاون في استقرارها لما لها من أهمية استراتيجية تكمن في انها خط الدفاع الأول في مواجهة الإرهابيين على شاكلة «داعش» المتقهقرة من ليبيا والقاعدة في شمال أفريقيا التي تنتشر في صحاري مالي والنيجر وبوكو حرام القادمة من نيجيريا، وكان لرئيس تشاد القدح المعلى في دحر هذه المجموعات الإرهابية عبر قوة مشتركة مع فرنسا كان يقودها نجله الجنرال محمد إدريس الذي جرى تنصيبه عقب مقتل والده .
وسارعت جميع دول الجوار إلى تثبيت حكمه بإقراره رئيسا للبلاد عبر الحضور الدولي الكثيف لمراسم التشييع يتقدمهم الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون ورئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان ورؤساء النيجر ومالي وممثلين من دول الجزائر وأفريقيا الوسطى وغيرهم من بلدان غرب أفريقيا وجنوب الصحراء .
وظهر هذا التأييد الفرنسي بشكل أولي وواضح خلال اللقاء الذي جمع النائب الأول لرئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول محمد حمدان دقلو بمكتبه، بالقصر الجمهوري يوم الأربعاء، مع المبعوث الفرنسي للسودان السيد جان ميشيل دايموند، وهو اللقاء الذي خصص لتطورات الأوضاع في جمهورية تشاد، عقب رحيل الرئيس إدريس ديبي.
وبحسب بيان إعلام الرئاسة السودانية «اتفق الجانبان السوداني والفرنسي على ضرورة التنسيق والعمل معا من أجل استقرار الأوضاع في تشاد.»
وأوضح المبعوث الفرنسي للسودان جان ميشيل بحسب البيان ذاته، أن لقائه مع نائب رئيس مجلس السيادة تم بطلب من وزير الخارجية الفرنسية، لمناقشة الأوضاع في جمهورية تشاد مع الجانب السوداني، مشيرا إلى ان السودان وفرنسا يتشاركان الأهداف نفسها، المتعلقة بضرورة المحافظة على الأمن والاستقرار في جمهورية تشاد.
وكانت المفاجأة عندما أعلن المبعوث الفرنسي أن «بلاده تدعم المجلس الانتقالي الذي تم تشكيله في تشاد» والذي لم يكن مضى على إعلانه ساعات فقط ما يشير إلى أن فرنسا باركته في الساعات التي تلت وفاة ديبي يوم الاثنين الماضي ومع إعلان خبر الوفاة وتشكيل المجلس يوم الثلاثاء.
وقال المبعوث الفرنسي الذي استغل وجوده في الخرطوم ولقائه مع محمد حمدان دقلو في القصر الرئاسي وهو الشخصية المؤثرة في نواحي تشاد نتيجة للتداخل القبلي بين البلدين وباعتباره القائد المرجح لتثبيت نجل ديبي في الحكم قال الفرنسي «أن ما يحدث في تشاد يؤثر على السودان والعكس صحيح. وأن النموذج الناجح في السودان والمتمثل في تجربة حكومة انتقالية مشتركة بين المدنيين والعسكريين يمكن ان يقدم نموذجا ملهما للنجاح للتشاديين، رغم عدم تطابق الأوضاع في البلدين».
وبرر أحد الجنرالات العسكريين المؤثرين في حكم السودان وعلاقاته الخارجية لـ»القدس العربي» قائلا «جميع قادة العالم يتحدثون عن أهمية استقرار تشاد حتى لو تحت حكم عسكري في الوقت الراهن وأهمية تثبيت الأمن وعدم تكرار ما حدث في ليبيا. لأن الأمن أصبح أهم من تطبيق الديمقراطية في وضع تشاد الجيوبولتكس بالنسبة لأفريقيا وتحركات الجماعات الإرهابية في ليبيا وبوكو حرام وحتى أفريقيا الوسطى».
وتابع زميله الآخر المهتم بالشؤون العسكرية بالقول لـ»القدس العربي» صحيح نحن «أتينا في أعقاب نظام شمولي ونعمل لتحول سلمي وديمقراطي، لكن الوضع في تشاد لا يتحمل الفراغ ولا نذر حرب أهلية كانت تلوح في الأفق بعد مقتل الرئيس ديبي لطبيعة مجتمع تشاد الذي تظهر القبيلة فيه أكثر من السياسة أو الحزبية» وزاد «لدينا أوضاع صعبة في إقليم دارفور نحاول أن لا ينفرط الأمن فيها وتعود سنوات الحرب والدم من جديد وأي انفلات في تشاد سيؤثر على أمننا واستقرارنا نتيجة لتداخل القبائل وتبعثرها بين المعارضين والحاكمين في تشاد والأهم من ذلك للعالم كله أن تشاد في قلب المعركة على الإرهاب الذي يتجول في الصحاري بعد هزيمته من قبل إدريس وتدهور الأمن سيعني عودته بقوة في نيجريا وليبيا ومالي والنيجر ولا أحد يمكن أن يقايض الديمقراطية بهذه الفوضى الواضحة معالمها وإشارتها ومؤشرات حدوثها بغياب ديبي أو عدم استقرار تشاد وغرقها في حرب أهلية تنحول بها لحاضنة للإرهاب ومصدرة له في ظل فشل الدولة التشادية وتبعثرها».
وكان إعلام الرئاسة السودانية كشف نهار الجمعة عن لقاء جمع رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على هامش تشييع الرئيس التشادي الراحل إدريس ديبي في انجمينا، وتناول اللقاء بحسب بيان الرئاسة السودانية «الوضع في تشاد والمساعدة التي من الممكن أن يقدمها السودان في استقرار الوضع الجديد في دولة تشاد بعد رحيل الرئيس إدريس ديبي». وتابع البيان «أكد الجانبان السوداني والفرنسي على ضرورة التنسيق بين بلديهما لترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة».
وفي غضون ذلك أصدر السودان وليبيا والنيجر، يوم الخميس الماضي، بياناً مشتركاً حول الوضع في تشاد.
وأكدت البلدان الثلاثة في بيانها المشترك على متابعتهم باهتمام بالغ للتطورات الأمنية على الساحة التشادية، وثمن البيان المشترك، الدور الذي ظل يؤديه الرئيس الراحل إدريس ديبي في المنطقة ومساهمته الفعالة في مكافحة الجماعات الإرهابية.
ودعا إلى تغليب مصلحة البلاد وانتهاج الحوار والتحلي بروح المسؤولية حفاظاً على الأمن والسلم في المنطقة مجددين التزامهم بالحفاظ على وحدة تشاد وسلامة أراضيها.
وحث البيان الجهات المعنية في تشاد على إقامة حوار وطني بين مختلف الأطراف السياسية في البلاد والتوقف عن اللجوء إلى القوة أو التهديد باستخدامها.
وأكد قادة السودان وليبيا والنيجر في بيانهم المشترك على تكثيف الجهود المشتركة لدعم التعاون الأمني ومراقبة الحدود المشتركة وتوطيد السلام والاستقرار وحسن الجوار وتفعيل اتفاق تعزيز التعاون بين دول القارة الأفريقية.
وناشد القادة مجلس السلم والأمن الأإفريقي من أجل عقد جلسة طارئة لاتخاذ خطوات وتدابير تؤدي إلى التخفيف من التوتر في المنطقة.
لكن مع سرعة «لملمة» الموضوع في تشاد تظل هناك الكثير من الأسئلة بلا أجوبة ومثال عليها: لماذا تقاعست فرنسا عن نصرة حليفها الاستراتيجي إدريس ديبي الذي قاتل من أجل مصالحها لمدة ثلاثين عاما وسبق لها أن تدخلت طائراتها لحماية حكمه وقصف معارضيه الذين توجهوا للإطاحة به ثلاث مرات ولكن هذه المرة وقفت طائراتها ساكنة في مدرجاتها وحليفها يقاتل وحده إلى أن صرعه خصومه لتسارع كمن يكفر عن ذنبه بتأييد ابنه وطاقمه الجديد من عسكريين؟
لكن الثابت أن الأمر لن يستقر في تشاد بهذه السهولة فالمجموعات القبلية العربية التي دانت لها السيطرة على النيجر بانتخاب أول رئيس عربي منذ 40 عاما والتي صارت رقما لا يستهان به في السياسة الداخلية والخارجية في السودان من غير المعروف في هذا الوقت المبكر ماهية سياستها وهل ستجنح لتثبيت حكم الشاب الثلاثيني محمد إدريس أم ستتجه لتغيير ناعم في السلطة يجعل لها اليد العليا في قصر الرئاسة في انجمينا؟
وفي غضون ذلك كله يبقى الوضع في دولة أفريقيا الوسطى مفتوحا على كل الاتجاهات خاصة وأن الرئيس الراحل إدريس ديبي كان يرعى الوساطة بين الحاكمين وجماعات المعارضة التي رفضت الاعتراف بنتيجة الانتخابات الأخيرة، وفي إطار هذا الوضع نجد التنافس بين الكرملين الذي أوجد لنفسه موطئ قدم في دهاليز السلطة بأفريقيا الوسطى بقوات عسكرية كبيرة الحجم وبين قصر الإليزيه في باريس الذي يكابد اللقاء نفوذه في مستعمرته السابقة أفريقيا الوسطى عبر حليفهم الغائب إدريس ديبي .
لكن بالعموم فإن الأوضاع في جنوب الصحراء من تشاد إلى دارفور إلى أفريقيا الوسطى مفتوح على احتمالات الحرب الراجحة والاستقرار الذي في مهب الريح أن تقاصرت القوى العظمى عن دعم مقوماته في الخرطوم وانجمينا وبانغي.