بيروت ـ «القدس العربي»: هو الممثل حسين قاووق الذي حصد نجاحاً كبيراً في أدواره الكوميدية الساخرة على شاشة التلفزيون، وفي حضوره عبر أمسيات ستاند أب كوميدي. لكنه هذه المرّة حسين في الواقع وفي التمثيل، فقد احتفظ باسمه في فيلم «هردبشت». حقق حُلُم التمثيل السينمائي الذي تقاسمه مع شريك مسيرته الكاتب والمخرج محمد دايخ.
«هردبشت» يعمل في الصالات اللبنانية ويحقق حضوراً لافتاً، وقد تناوله الإعلام بغزارة. أكثرهم تعرّف إلى منطقة من لبنان كانت مجهولة بالنسبة لهم. فيلم طرح الأسئلة الكثيرة عن المهمشين في هذا الوطن.
فرح حسين قاووق بنجاح الفيلم، قريباً سيكون في المسرح. يلفت بأن اسكتشا تلفزيونيا لا يتحمل هجوم وحملات، هي دقائق فرفشة ليس إلا.
○ ما هو حافزك لتقديم دور حسين في فيلم «هردبشت»؟
•قبل كاراكتير حسين كانت السينما بحد ذاتها حلماً ننشد تحقيقه محمد دايخ وأنا منذ انطلاقتنا في المسرح. وأظن السينما هي حُلم يطمح لتحقيقه كل ممثل. نحن معاً متأثران ببيئة الضاحية، والشارع الذي نشأنا فيه بما يحتويه من «زعران». هؤلاء الـ«زعران» هم القبضايات الطيبون الذين كانوا يحمون الحي. وحين بلغنا مرحلة تقديم الفيلم كانت فكرة الـ«أزعر» قد بدأت تتبدّل بالتدريج، وباتت على الصورة التي قدّمها «هردبشت». إذاً بعض من حسين موجود في داخلي من قبل.
○ وما هو شكل هذا الكاراكتير بداخلك من قبل؟
•يتمثّل ببعض المظاهر كمثل «ع بالي أحمل سكين» والحضور مع شباب الحي في السهرات كإثبات للوجود. كتب محمد دايخ سكريبت «هردبشت» إنطلاقاً من قصص مرّت بحياتنا معاً. والعائلة التي ركّبها تشبه عائلته، إنما بعيداً كلياً عن المخدرات والجرائم. إذاً الـ«كاركتيرات» كانت مقيمة بداخلنا، واحييناها. وبالتعايش الضروري لنا كممثلين مع منطقة التصوير المختارة في الأوزاعي اُدخلت تعديلات كبيرة على هذه الكاركتيرات. منها الاختلافات في الكلمات المفاتيح واللهجة. حجم الفقر والتهميش الموجود في الأوزاعي يفوق بكثير ما هو في الضاحية. وعندما تقرر مكان التصوير زرته برفقة حسين دايخ الذي أدى دور «أبو الفضل» مراراً ومكثنا هناك لساعات. جالسنا شباب الحي، وعرّضنا أجسادنا للشمس لاكتساب لون البحر. فالأوزاعي على الشاطئ ومعظم سكّانها لهم بشرة برونزية. ومن التغيرات التي أحدثتها معايشة موقع التصوير أني تخليت عن ربط شعري وقصصته. ففي الأوزاعي لا شعر مجدولا إلى الخلف لدى الشباب، ولا كريمات. جميعهم شعرهم متروك على حريته تعبث به رطوبة البحر. كذلك أمر اللُحى.
○ وماذا عن الكلمات المفتاح؟
•تختلف كلياً عن ما نستخدمه في الضاحية الجنوبية. من يريد ديناً من أحدهم يقول له «شخلل» أي أعطيني. «الكان به» في الأوزاعي تعني خلص ونقطة ع السطر. عملياً أمضينا حوالي الأربعة أيام في مكان التصوير، ونمنا أحياناً بداخله. هذا الإقامة في الموقع أفضت للاندماج بالشخصيات التي كنا بصددها. كذلك الأمر في المشاهد الـ«ماستر» كان المخرج محمد دايخ يتقصّد أن يتجالس الممثلون في المشاهد المشتركة مسبقاً، لتحقيق مشهد يتضمن الحد الأقصى الممكن من المشاعر.
○ أديت في «هردبشت» مشاهد قاسية أرهقت المتلقين. فماذا عنك؟
•صراحة منذ انطلاق الفيلم في الصالات لأول مرة يسألني صحافي عن الكواليس الحقيقية التي رافقت التصوير. كاراكتير حسين وفي بعض المشاهد كان يصيبني بتروما. لم أذق طعم النوم في الليل الذي تلا مقتل «علي» وسقوطه عن السطح. رسخ في ذهني أني قاتل. وتساءلت عن مصيري بعد هذه الجريمة. عشت الكاراكتير قبل وبعد القتل. أخذني القتل إلى مكان اللاعودة، حيث تصحيح الخطأ مستحيل. كما طلب المخرج مني ومن حسين دايخ «أبو الفضل» النوم معاً في المنزل نفسه حيث قُتل الأخير. وركّز المخرج على أهمية عيش المشاعر بأن حسين دايخ صديق طفولتي وشبابي الفعلي، سيموت في الغد. نعم عشنا المشاعر على حقيقتها، وشكّل التمثيل لذّة مُطلقة لنا. لهذا أشعر السؤال عن كواليس الفيلم حقيقي جداً. ففي السينما يخلع أحدنا نفسه، ليصبح إنساناً آخر كلياً.
○ شخصياً فتشت عن المشاعر في «هردبشت» ووجدت صعوبة في إيجادها. هل وجدت أنت كممثل مشاعر ما مع والدتك أو مع «حمّودي» مثلاً؟
•بخلاف رأيك وجدت حتى في كاراكتير حسين مشاعر غير مباشرة صدرت من عينيه. خلال وجوده في المستشفى وبعد قوله «معقولة يموت حمّودي»؟ وفي النفق راكباً الدراجة النارية خلف صاحبه. ولدى جلوسه إلى قبر أبو الفضل، ومروره من تحت صورته في الحي دون الشجاعة برفع رأسه لمشاهدته. وكذلك نظرة الإعجاب الأولى إلى «ذكية» والقبلة الأولى بينهما، قبل أن يتحوّل اللقاء لغرض جنسي بحت. وحين دخل إلى منزل عنصر قوى الأمن الداخلي وحسين مصمم على أذيته، لكنه امتنع بحضور والدته. وكذلك مشهد حسين المُحجم عن قتل الشيخ.
○ تقودون نقاشاً مع الجمهور بعد العروض فهل شاركت بأحدها؟
•نعم كنت بعد أحد العروض في صالات أ ب ث فردان. للأسف صدف أن الأسئلة لم تكن ذات عمق. وللأسف أن المشاهد القاسية تبكي البعض وتضحك آخرين.
○ هل تظن بأن المشاهدين لم يغادرهم الكاراكتير التلفزيوني لبعضكم مثلاً؟
•للأسف أن بعضهم ضحك من وقوع علي عن السطح. وضحك البعض من «الكفوف» التي لحقت بحسين في المشهد الأخير.
○ برأيك هل طرح المشاهد أسئلة عن حياة البشر الذين يعيشون خلف المحال التجارية التي تشكل واجهة منطقة الأوزاعي من جانبيها؟
•بعضهم يعرف حقيقة الموجود خلف تلك المحال التجارية لكنهم يؤثرون اخفاءها. سكّان بئر حسن القريبون جداً من الأوزاعي يفضلون التستر على ما تخفيه المحال التجارية خلفها. يخشون من أن يشوه الأوزاعي مرتبتهم الاجتماعية البرجوازية. في حين أن كثيرا من شباب الضاحية الجنوبية يعرفون حال سكان الأوزاعي ويشجعون لتسليط الضوء عليها. أمثال حسين في الأوزاعي كثُر، لكن السؤال لماذا وصل إلى هذا الواقع؟ ولماذا تمادى بالخطأ؟ ولماذا لا يضع حدوداً لتصرفاته؟ مع العلم أن المعنيين بأمور الأوزاعي يعرفون أن الدولة وبتعاقب المسؤولين فيها تشجّع لبقائها كما هي. نصح بعض المسؤولين الناس بالسكن في بيوت من التنك قرب الشاليهات، بهدف تقاضي مالاً من الدولة للإخلاء لاحقاً. اخترنا الأوزاعي للتصوير لأنها لا تخضع لرقابة الدولة ولا الأحزاب. تعرفنا إلى بشر يتفوقون على «حسين» في سلوكهم. ويمكن القول بأن الجميع هناك «مطاليب» من الشاب ابن 15 إلى عمر الـ30 وبعضهم صدرت بحقهم أحكام. يقطنون الأوزاعي للعمل بالممنوعات.
○ لماذا عقد «حسين» النية لمغادرة المنطقة التي يعيش فيها؟
•حلم الجميع العيش خارج لبنان. وهذا ما تقوله مشاهد مراقبة حسين وأبو الفضل لكل طائرة تمرّ فوقهما، فهما يعيشان في أقرب نقطة من المطار. يشاهدان الطائرات بين هبوط واقلاع، وهما عاجزان من مغادرة المنطقة لبضعة أمتار.
○ بعد أول تجربة في السينما هل تخضع لكاستنيغ للفوز بدور في فيلم جديد؟
•حضوري من خلال التلفزيون ووسائط التواصل الاجتماعي هدفه الوصول إلى أكبر جمهور ممكن، وتالياً النجاح في استدراجه إلى ملعبي المحبب المسرح والسينما. الإحساس مع السينما يختلف عن كل ما عداه وهو جميل للغاية. ومهما اجتهدنا في التلفزيون سيبقى الجمهور ينظر لنا بسطحية. أما جذبه إلى السينما والمسرح فسيجعله يعيش احساساً مختلفاً. سننهي الموسم في التلفزيون بعد عدد قليل من الحلقات. ومشاركتي في أي كاستنيغ رهن بإشارة المخرج الذي يراني في دور محدد، وعندها سأقرأ النص وأجرب. أما كاست بالمطلق فلا.
○ وما هو التالي؟
•بالتأكيد سنكون مع عمل مسرحي يعده محمد دايخ وبات في خواتيمه.
○ كم تجتهد للخروج من النمطية التي تعيشها كممثل يؤدي دور شيعي لبناني؟
•بالتأكيد لن أبقى في هذا الدور. إنها صدفة تكرار الأدوار في المرحلة الأخيرة. ولأن سيناريو «هردبشت» انتمى لمنطقة الأوزاعي كان التكرار. محمد وحسين دايخ وأنا تعبنا من هذا التنميط، خاصة بعد تحوله إلى شمّاعة. وترداد بعضهم «أنتم تعيشون على ظهر الشيعة» دون أخذ بالاعتبار أن الكاتب والممثل يستوحيان أعمالهما من بيئتهما. نحن عشنا ونعيش في هذه المنطقة، وليس لنا تقديم فيلم عن حي إيطالي. بالتأكيد لن نبقى محمد دايخ وأنا ضمن هذه الدائرة. وسبق أن قدّمنا مسرحية «اسماعيل انتحر» ولم يكن لها أي طابع شيعي. للأسف لم تأخذ المسرحية حقها، فقد انطلقت على المسرح قبيل الثورة بقليل، ومن ثمّ حلّت كورونا. حققت المسرحية النجاح في انطلاقتها دون أي حضور شيعي في نصها. ونجح كاراكتير «علي العلوية» على وسائط التواصل الاجتماعي، ولن أكرره. التنميط ليس محصوراً بمكان أو فئة، لبنان برمته أسير التنميط.
○ قد يكون التنميط الذي يلحق بالفنان من شغل الإنتاج. أنت شخصياً ستبحث عن أفق أوسع لحضورك الفني؟
•أكيد لن أسمح لموهبتي الاستمرار بهذا الإطار المحدود. لن أمثل أي دور قريب من حسين، أو شخصية أخرى لعبتها. لن أعلق في هذا الكاراكتير، بل أتمنى شخصية جديدة كلياً أجتهد في تحضيرها كي تصل للمتلقين.
○ ماذا عن أعمالك المسرحية؟
•بدأت العمل المسرحي مع محمد دايخ منذ سنة 2012 وفي رصيدنا إلى الآن بحدود سبع مسرحيات. كوّنا جمهورنا بالتدريج، ولم نتعاون مع أي شركة إنتاج. المرّة الوحيدة التي تعاملنا فيها مع شركة إنتاج كانت في فيلم هردبشت.
○ ألم تتعرضان للخسارة؟
•في بعض الأعمال كنا نحصل على الأصفار، لا خسارة ولا ربح. معنوياً ننال حقنا دائماً. كنا مؤمنين بأننا سننال حقنا من النجاج في يوم مقبل، وأن جمهورنا سيكبر رويداً رويداً. أذكر جيداً سنة 2013 حين قدّمنا مسرحية في المركز الثقافي الروسي، ولم نكن نعرف جمهورنا ولا عدد الحضور. حجزنا الصالة وتكفّلنا بالسداد بعض العروض الثلاثة. حينها تساوت التكاليف مع شبّاك التذاكر. دخلت مع محمد دايخ في المخاطرات عدّة. لكنّ الفيلم بالضرورة يحتاج للإنتاج.
○ ومتى وصلتما إلى جمهور عريض؟
•في مسرحية «عم بيقولو اسماعيل انتحر» كافة العروض كانت تمتلئ. كذلك الحال مع مسرحية «السبعة ودمتا» من كتابة واخراج محمد دايخ، عُرضت لـ60 ليلة وبكاملها الصالة «مفوْلة». بعد المسرحية توجهنا لستاند اب كوميدي عُرضت في لبنان وفي ابيدجان وبنجاح كبير جداً.
○ رغم النجاح في المسرح ستبقى تحنّ إلى ستاند اب كوميدي؟
•ستبقى هوايتي في مكان ما. لن أعطيها كامل وقتي. وإن فات عام دون عروض ستاند اب كوميدي فلا مشكلة. التلفزيون تجربة أحبها وأحترمها ولها أن تستمر، لكنها لا تمنحني كممثل ذات مشاعر المسرح أو السينما. بالعودة إلى التلفزيون فهذه اسكتشات وحسب، ولا تحتاج كل هذا النقد. تحتاج فقط لبعض الضحك والفرفشة وليس أكثر. أتمنى لو يوجّه كل هذا النقد نحو المسرح. اسكاتش التلفزيون لا يحمل حملات ولا هجومات. خمس دقائق فرفشة لن تهز لبنان، الذي لم يهتز لتفجير اقتلع نصف عاصمته.
تصوير: علي لمع