عندما أذهب إلى زنقة حمزة حيث الملحقية الثقافية، كنت أشاهده وهو يرتقي درجات سلم السفارة، داخلا أو خارجاً من المبنى، يمرق مسرعاً لا يلتفت لأحد، لكنه يباغتك بابتسامته المميزة. كان خفيفاً بوجهه البشوش. كانت وثباته على السلم توحي بأشياء كثيرة، وتلك الحقيبة الجلدية الصغيرة التي يتأبطها تحت ذراعه، هي ما أثارت الانتباه وأيقظت شهية السؤال.
كنت في بداية العشرينيات عندما ذهبت للدراسة في جامعة القاضي عياض كلية الحقوق مبتعثاً ضمن دفعة جديدة من الطلبة العمانين للدراسة في الجامعات المغربية.
مراكش المدينة الساحرة الأثيرة، أيقونة الجنوب. أشياء كثيرة تبهرك في مغرب الثمانينيات. المدن منها الحديثة، ومنها ذات الطراز العتيق، الشوارع المزدحمة التي لا تهدأ ولا يخفت ألقها، الناس ذاهبون آتون. ضمن ما رأيته تلك الحقيبة التي يحملها كثير من الرجال وكأنها جزء منهم، قلما تشاهد شخصا إلا ويحمل هذه الحقيبة. تعدد حاملوها شعراء، صحافيين، سينمائيين أساتذة جامعيين، وغيرهم. في كل مكان تشاهد الناس يحملون تلك الحقيبة، وعندما تعبر من أمام مقهى في الرباط، أو في مراكش تشاهد ثلة يزجون الوقت على تلك المقاعد والحقيبة لا تفارقهم.
كانت الملحقية الثقافية كبيت عماني يجمع فيه كل الطلبة القادمين من مدن فاس، وجدة، مراكش ومكناس. تشعر بين جنباته بالدفء والحميمية وأنت تشاهد صديقا لم تلتقه من فترة، ما يميز الملحقية جدرانها المزينة بلوحات ومناظر من البيئة العمانية، خصوصا في شهر نوفمبر/تشرين الثاني والاستعدادات بالاحتفال بالعيد الوطني في الثامن عشر منه. التي تقام غالبا على مسرح محمد الخامس في الرباط. لا تكتمل زيارتنا للرباط إلا بزيارة ثلاثة أماكنة ضرورية. شارع فال ولد عمير في أكدال، السويقة، والطواف في شارع محمد الخامس بمقاهيه الجميلة.
نتساءل مع بعضنا نحن الطلبة، عن هوية ذاك الشخص الصامت المنعزل الذي ينسل إلى مبنى السفارة في الدخول والخروج، بكل هدوء وثقة يحمل تلك الحقيبة الصغيرة التي لا تفارقه. رأيته مره أخرى في شارع فال ولد عمير في أكدال بتلك الحقيبة، ومرات عدة رأيته في شارع محمد الخامس في الرباط المدينة. عندما عرفت بأنه زاهر الغافري فذهبت إلى مكتبه في الملحقية الثقافية التي يعمل فيها، لكنني لم التقه، وطول تلك الفترة لم يسعفني الحظ في لقائه.
مثّل زاهر الغافري بجانب الشعراء سيف الرحبي ومبارك العامري، ومحمد الحارثي وعبدالله الريامي، وناصر العلوي وسماء عيسى، جيل من الشعراء الذين حملوا لواء الحداثة في الأدب.
ولد زاهر الغافري في الجزيرة الخضرة في زنجبار عام 1956، ورحل مع عائلته إلى قرية سرور في داخلية عُمان. القرية التي أنجبت الكثير من الشعراء والكتاب، أبرزهم الشاعر سيف الرحبي، تعلم زاهر الغافري في الكتاتيب، وقرأ وكتب الشعر الكلاسيكي. لكن النقلة النوعية في حياته التي شبهها بوثبة النمر كما يقول، كانت في بغداد التي وصلها في عام 1968، وكان في سن السابعة عشرة، وظل هناك لعام 1977، ارتمى في أحضان المدينة الشاسعة، وانغمس في بواطنها، صقلته بغداد وتعلم هناك، خالطته الثقافة والفن والسياسة، وأتقن كل شيء، كان شابا حراً يختار كل ما يليق به (كما يقول) كان وحيداً في مدينة عالية الروح في تلك الأزمان. عاش هناك الحياة طولا وعرضا، فذهب للمسارح، ودور السينما، وصالات الفنون التشكيلية، وجالس الكثير من أدباء بغداد في تلك الفترة، تعرف على شعر بدر شاكر السياب، ومحمود البريكان، وما رافق تلك الفترة من نقاشات وجدل. انتقل بعدها لباريس ثم مونبيلييه.
في الثمانينيات تصادف وجودنا في المغرب مع وجود زاهر الذي وصله قبلنا، وكان قادماً إليه من فرنسا، فدرس الفلسفة في جامعة محمد الخامس، عاش هناك لمدة 10 سنوات وهي أجمل سنوات حياته كما يقول، عاش منها لمدة 5 سنوات في طنجة، وكان المغرب في تلك الفترة يعيش فترة زاهية تمثلت في المخاضات الفكرية والسياسية العسيرة، سنوات الرصاص، وسنوات اليسار، وبلد الحداثة الأدبية التي سينهل منها زاهر الغافري، تجلت لاحقاً في أعماله ونصوصه، وارتبط فيه بعلاقات مميزة مع الكثير من الأدباء المغاربة في تلك الفترة، منهم الروائي محمد شكري، وإدريس الخوري، ومحمد بنيس، محمد زفزاف، والطيب الصديقي، وغيرهم.
لكن زاهر بقي مسكوناً بالترحال والسفر، لا يستقر في مكان إلا استعداداً للرحيل، مهما طال مكوثه، وّلد وعنده شغف في الرحيل والسفر، مأخوذا بحنين لأماكن قصية، لا يلقي عصا الترحال إلا ويعود إليها، ولأن رجله لم تلامس الأرض عند ولادته، إذ حضر المخاض والدته على الأرجوحة، ولد متأرجحاً على أرجوحة معلقة بين نخلتين لجوز الهند كما يذكر، ظل معلقا في حبل الترحال، فكان الفضاء موطنه الأثير، مغرما شغوفا بالترحال والسفر في العالم، ملولا ولا يحب الاستقرار في مكان واحد، ربما أورثه أبوه ثيمة السفر والترحال، كما يقول. مسحوراً بالعالم والأمكنة والمدن البعيدة، كأن هناك قوة خفية تسحبني أو تسحب خطواتي إلى مطارح تمدني بالطاقة.
زاهر الغافري ظل مميزاً، يسلك الطريق الذي يراه صالحا له، دون وصاية من أحد، يخط لوحده ما يريده وما يراه، البياض وحده يليق به، فظل قلبه ناصع البياض مميزا في كل شيء، ما يميز زاهر الغافري أنه قد يكون الوحيد الذي يعيش ما يؤمن به، لا يخالج قناعته شيء، لا يواري ولا يجامل في اعتقاداته النابعة من عمق تفكيره وثقافة راسخة.
وثب بعدها إلى باريس، ونيويورك التي عاش فيها 10 سنوات متنقلا بين ولايات مختلفة، ثم إلى السويد في مدينة مالمو التي سيستقر فيها لسنوات طويلة. ليلبي ذلك النداء الخفي مرة أخرى عاد إلى مكان المنطلق والبداية، إلى المكان الذي أوصل خطواته إلى أفاق بعيدة، عاد إلى قرية سرور، مكان الطفولة والصبا والنخيل والجبال.
من مدينة إلى أخرى
عبر بقاع العالمُ أخوضُ
في أنهار خاليةِ
من الصداقات..
أستعين بالخوف..
بالتعاويذ.. بسحر الأيام الخوالي.
في بداية التسعينيات، أعتقد في عام 1995 حادثني الشاعر الراحل مبارك العامري وأخبرني بأن زاهر موجود هنا، لنذهب له فوراً، كان يقيم في تلك الفترة في شقة في مدينة السلطان قابوس في مسقط. التقيناه هناك، وكنت أنا التقيه لأول مرة، وكان زاهر قد وصل لتوه من رحلته الطويلة وقد حط رحاله، واعتقد كان قادماً من السويد أو نيويورك، يبدو أنه أراد الاستقرار في عُمان. كانت تربطه علاقة قوية مع الشاعر الراحل مبارك العامري وظلا يتحدثان طويلا، وكنت أستمع لحديثهما الشيق. أشاهده وتلتمع في ذهني صورة زاهر الغافري في الرباط، كنت أقارن بين تلك الصورة التي كنت أراه فيها موظفا في الرباط في مبنى السفارة العمانية، والشخص الجالس أمامي، لا يزال زاهر يحتفظ بحيويته وشكله لم يتغير كثيرا، لا تزال لحيته كثة تزين وجهه، مبتسماً طول الوقت، تحدثنا في تلك الجلسة عن أشياء كثيرة، لا أذكر منها إلا عندما حدثنا عن وظيفته صحافيا في مبنى الأمم المتحدة، وسجل لقاء صحافيا مع عبدالله يعقوب بشارة الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربي آنذاك، وأول أمين عام لمجلس التعاون، أجرى لقاء صحافيا معه. لقاءات متقطعة بعد ذلك، بعد ذلك كان زاهر يطل علينا بعمود يكتبه في جريدة «الشبيبة» أو جريدة «عُمان» اليومية. عمل في هذه الفترة رئيس تحرير مجلة «البرواز» التي تعنى بالفنون التشكيلية، حصل على جائزة كيكا للشعر في عام 2006. صدر له العديد من الأعمال الشعرية، أذكر منها «الصمت يأتي للاعتراف» «عزلة تفيض عن الليل» «أظلاف بيضاء» «أزهار في بئر» «حياة واحدة، سلالم كثيرة» «صناع الأعالي» ترجم بعضها إلى لغات مختلفة، كالإسبانية، الإنكليزية، الألمانية، السويدية، الهندية، وغيرها.
زاهر الغافري ظل مميزاً، يسلك الطريق الذي يراه صالحا له، دون وصاية من أحد، يخط لوحده ما يريده وما يراه، البياض وحده يليق به، فظل قلبه ناصع البياض مميزا في كل شيء، ما يميز زاهر الغافري أنه قد يكون الوحيد الذي يعيش ما يؤمن به، لا يخالج قناعته شيء، لا يواري ولا يجامل في اعتقاداته النابعة من عمق تفكيره وثقافة راسخة، لا يشبهه أحد، متفرد لوحده، وهو الذي يعيش الحياة بمزيد من الفرح والسرور، دائم الابتسامة، ودود، يأخذ الحياة على سجيتها وطبيعتها، فعبر في قصائده ونصوصه عن ذلك، لكن رغم أن الحزن لحظاته عابرة في قاموس زاهر الغافري، لكنه يتألم ويشعر بالمرارة، والحزن أمر خاص مصادره متعددة وأماكنه مختلفة، فقد يأتي له من المنافي في مدن بعيدة، عن خبر رحيل الأصدقاء والأحباب، أو عما يجري حوله في العالم العربي والعالم» الألم جزء أصيل في حياة الكائن، والشعر الذي لا يذهب إلى جذور الألم في ظني يظل سطحياً».
في مسقط كنا نزوره في بيته العامر الذي شكل ملتقى الأدباء والمثقفين، وكذلك مزاراً لكل المثقفين العرب الذين يزورون السلطنة، كان لا بد من زيارة زاهر مهما كانت فترة زيارتهم قصيرة، في بيته برفقة زوجته الكاتبة أثمار عباس، يستقبلانك بكرم منقطع النظير ويغمرانك بسعادة دائمة.
كان على وشك الرحيل، عندما زرته برفقة الكاتب محمود الرحبي في منزله بالموالح في مسقط، وكان يتهيب للرحيل إلى السويد، تحدثنا كثيراً في تلك الليلة، وأذكر بأنه أخرج لنا ورقة وأخذ يقرأ منها نصا جديدا له ما يشبه المطولة الشعرية بعنوان (هذيان نابليون) التي نشرت لاحقاً في مجلة «نزوى».
يعود مرة أخرى زاهر الغافري إلى هواية الترحال والسفر، يذهب خلف الحياة التي يعشق، مقتفيا أثر الجمال والفرح، ملبيا ذلك النداء الخفي الذي يلازمه، ولا يتركه. يحمل حقائبه وكتبه مهاجراً إلى السويد، ذاهبا إلى حافة الينبوع.
لقد تركتُ حياتي هناك بين الأحجار
وها أنا الآن كمن يصطادُ أضواء الغروب..
القبعة والألوان الزاهية والغليون والحقيبة، وأشياء كثيرة يتميز بها زاهر، ولم تعد الحقيبة وحدها تميزه وتملأ المكان ولا تشغل الحيز، ربما طوح بتلك الحقيبة التي رافقته في مرحلة معينة، مرحلة التكوين وتلمس الطريق نحو أفق عالم الشعر ودواخله، مرحلة النضج والاتكاء على الشعر وامتلاك ناصيته. زاهر مهما حملته وثبته إلى البعيد، إلا أنه يظل قريبا منا يملأ الفضاء الافتراضي بحيويته وابتسامته المعتادة، مزهراً بوثباته يمارس الحياة كما يريدها ويبتغيها، بعفوية محببة.
زاهر الغافري الذي اعتاد الوثبات والقفز والتنقل، ها هو يستعد لوثبة نمر أخرى بعمله السردي الجديد «الخروج من الفردوس» ليحكي عن وثبات تتدفق بثراء الحكاية.
كاتب عماني