جريمة قتل لم تقع
إذا كان القتيل لم يعثر عليه أحد فذلك لأن جريمة قتل لم تقع. أما المسافرة التي نامت في القطار ولم تصل حين استيقظت إلى بلدتها، فإنها ركبت في قطار لم يتحرك منذ ثلاثين سنة. قالت لعامل المحطة «عمري ثلاثون سنة» أما الرجل الذي هجرته امرأته منذ ثلاثين سنة فقد كان يتوقع أن يعثر عليها في أحد القطارات المهجورة التي قيل، إن رجلا كان ينوي الانتحار وقف على سكته غير أن القطار لم يصل. في الوقت نفسه كان أطفال القرية قد دفنوا أرنبا ميتا في طريقهم إلى المدرسة. يومها كان عنوان درس الإنشاء «صف أرنبا مغرورا» كان الأقصر نظرا بينهم هو الأكثر حماسة في وصف ذلك الأرنب الذي نام قبل أن يصل إلى خط السباق النهائي الذي وصلته سلحفاة وفازت في السباق. إذا ما كان الرجل الذي قيل إن القطار كان قد دهسه لم يظهر منه أثر، فإن الأطفال الذين هجرتهم أمهاتهم كانوا على يقين من أن الأرنب الذي دفنوه هو نفسه الأرنب الذي خسر السباق.
غير أنني عمياء
من خلال زجاج المقهى رأى وجهها، لا يمكن أن يخطئ رشاقة أنفها ولا تقويسة حاجبيها ولا شحمة أذنها ولا امتلاء شفتيها ولا استدارة خدها ولا تفاحة ضحكتها. أما حين رفعت يدها لتزيج عن عينيها خصلة سقطت من شعرها فقد تأكد أن تلك الأصابع لها. الأصابع التي لا تكف عن الكلام. لذلك قرر أن يعود إليها بعد أن يفرغ حسابه المصرفي. فيما كان موظف المصرف يحاول أن يقنعه بقيمة الفوائد التي يحصل عليها من وديعته المالية كان يفكر في ركبتها التي لم تفقد لمعانها. لم يسمع شيئا مما قاله الموظف وخرج مسرعا وهو يحرك كتفيه ليعيد إلى هيئته أناقتها. ذهب مباشرة إلى المقهى فلم يجدها. حين ابتسمت امرأة له ذهب إليها وقال «هل تنتظرين أحدا؟» لم تجبه فجلس. «كوب شاي للسيدة» قاطعته عاملة المقهى «طلبت السيدة قهوتها المعتادة». قال للسيدة «أنت تشبهينها غير أنك» قاطعته «غير أنني عمياء».
يرقص وحيدا
لم يعد أحد من زبائن الفندق إليه باستثناء عاشقين كانا يرقصان على موسيقى هادئة من غير أن يطلبا طعاما للعشاء. ذهب صاحب الفندق إلى غرفته غير أنه ما إن أطفأ الضوء حتى سمع ضجيجا. خرج مسرعا بلباس نومه فرأى أمامه فرقة موسيقيين، قيل له إنها حضرت من أجل إتمام حفل العرس. حين ذهب إلى غرفة العاشقين اكتشف أنهما قفزا من النافذة فقرر أن يُقيم عرسا لهما. حين عاد إلى بهو الفندق لم يجد الموسيقيين. لقد اختفى الجميع. كان عليه أن يصدق أنه لم ير عاشقين ولا فرقة موسيقيين وصار يرقص وحيدا.
حين بكى بعيني ثعلبه
من النافذة لم ير أحدا. الشارع برصيفيه والمطر ومظلات المقهى على الجانب الآخر. لم يكن سعيدا لأن العالم بدا منبوذا مثله غير أنه لم يشعر بالحزن لأن الطريق خلت من المارة. كانت حياته أشبه بالساعة التي تسير عقاربها إلى الخلف. يتذكر أنه من نافذة أحد البيوت رأى شابا يشبهه يتبع شيخا يشبهه هو الآخر. وفي مدينة أخرى تذكر ذلك الشاب الذي كان يشبهه وقد صار شيخا يمشي وحيدا. في الوقت نفسه رأى الشيخ الذي كان يشبهه وهو يركض وراء ثعلب وهو يناديه «يا صديقي». بعيني ثعلب حزين التصق بالنافذة فرأى جموعا من الموسيقيين تعزف جملة موسيقية واحدة. أما حين رأى الشاب الذي يشبهه وهو يعزف على الناي فإنه التفت إلى الثعلب فرآه يبكي.
كاتب عراقي