«حكايات من جنازة بوتشي» للمصري أحمد صبري أبو الفتوح: الجمود الشرقي ومحاولة البحث عن وحدة الوجود

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
1

القاهرة ـ «القدس العربي»: عقد منتدى المستقبل للفكر والإبداع في حزب التجمع في القاهرة بعد عودة نشاطه الأدبي، ندوة لمناقشة رواية «حكايات من جنازة بوتشي» للروائي المصري أحمد صبري أبو الفتوح، الصادرة عن دار ميريت هذا العام. أدار الندوة الشاعر والناقد شعبان يوسف، وناقشها كل من الناقدين يسري عبد الله ومحمد سليم شوشة.
وصبري أبو الفتوح ـ مواليد عام 1953 ـ يعد من الأصوات الروائية المصرية الجادة، صاحبة المشروع الكتابي، خاصة ما يتعلق بتأريخ حياة الريف المصري، من وجهة نظر مخالفة للصورة المعتادة للفلاح وعالمه. ولعل أشهر أعمال أبو الفتوح عمله الضخم «ملحمة السراسوة» بأجزائها الخمسة.. «الخروج» «التكوين» «أيام أخرى» «شياطين وملائكة» و«حكايات أول الزمان» إضافة إلى روايات «طائر الشوك» «جمهورية الأرضين» «أجندة سيد الأهل» «برسكال» و«تاريخ آخر للحزن». ومجموعة قصصية بعنوان «وفاة المعلم حنا». وفي ما يلي جانب من الندوة.

صراع الشرق والغرب

بداية قال الناقد شعبان يوسف، إن الروائي أحمد صبري أبو الفتوح ابتعد عن النخب الثقافية المسيطرة، كما ابتعد في نشر مؤلفاته عن مؤسسات الدولة الرسمية، وأخلص فقط للكتابة عن عالم يعرفه جيداً.. عالم الريف وشخوصه، لكن في روايته الأخيرة «حكايات من جنازة بوتشي» اتسعت الجغرافيا لتتجاوز القرية، رغم وجودها في خلفية وروح الشخصيات، لتصبح مصر، إنكلترا، برلين، ومن هنا تأتي الرواية كشكل جديد من أشكال الروايات، التي عالجت هذا الموضوع، ومنها مثالاً.. «عصفور من الشرق» لتوفيق الحكيم، «موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح، «قنديل أم هاشم» ليحيى حقي، و«الحي اللاتيني» لسهيل إدريس، وغيرها من الأعمال، لكن هنا انتهج أبو الفتوح نهج التفاصيل الحياتية الصغيرة، وناقش من خلالها معضلات لم نتخلص منها حتى الآن، فكل من الشقيقين شهاب الدين وجلال الدين ينتميان لعقلية الجمود ذاتها، وإن اختلفت وناصب كل منهما العداء، فالأول سلفي والآخر إخوان، حتى أن آراء البخاري تصبح مسيطرة ومتناقضة من خلال شخوص تؤمن بها، فالرجل الذي استكمل دراسته في الخارج لا مانع لديه من الزواج بإنكليزية تخالف ديانته، لكنه لا يستطيع قبول وجود مجرد (كلبة) في البيت.

02-2

من الندوة: صبري أبو الفتوح، شعبان يوسف، يسري عبد الله، محمد سليم شوشة

الروح الكوني

وأشار الناقد يسري عبد الله إلى أن الرواية تنتمي إلى ما يسمى بالسرديات الكبرى، وكذلك البناء من خلال التفاصيل الحياتية الصغيرة. كما يبدو العمل كوحدات سردية منفصلة متصلة في الوقت نفسه، لكن ليس من خلال ترقيم الفصول أو المقاطع، بل من خلال تباين وتنوع الضمائر والصيغ السردية والأزمنة المتداخلة، كذلك ما بين منولوجات الشخصيات، التي تصبح بدورها كاشفة للشخصيات الأخرى، بالتعبير عن وجهة نظرها ورؤيتها للعالم، فقد يسيطر الراوي العليم على ناصية السرد، كما في الفصل الخامس، ثم يأتي الفصل السادس عبارة عن رسالة من إحدى الشخصيات. أما الزمن فيبدأ من لحظة القص، ثم يعود إلى منتصف سبعينيات القرن الفائت، حيث البعثة العلمية للدكتور جاك في إنكلترا وزواجه من جوين، رغم اختلافاتهما ومعارضة أهلها في البداية لزواجهما. فالعودة مرّة أخرى للزمن الأول، كما في بداية الرواية، ثم استرجاع الماضي القريب، وهكذا تتواتر الفصول. ويضيف عبد الله أن الرواية تحتمل العديد من التأويلات، فهي ليست قاصرة على (بوتشي) وحدها، ولا حتى الكلاب المذكورة في الرواية، فهى رواية عن وحدة الوجود ذاتها.

تحضُر زائف

وفي الأخير أضاف الناقد محمد سليم شوشة، أن رواية صبري أبو الفتوح تعود أهميتها في كونها تتمثل البلاغة السردية، بمعنى أنها لا تتعرض للقضايا الكبرى بشكل مباشر، أو حتى تشير إلى ذلك، لكن تأتي تلك القضايا من خلال العادي واليومي والمُعاش. فحكاية بسيطة تتفجر أزمتها أو بدايتها في تبني الأسرة لـ(كلبة) تتواتر المشكلات وتصبح الرواية ساحة لجدل الأفكار والثقافات المختلفة بين المرأة الإنكليزية وزوجها المصري، ليبدو الجمود الفكري للعرب عموماً، مهما تظاهروا وسافروا ودرسوا في الخارج، لتبدو قشرة الحضارة التي يتمسحون بها، بينما هم في حقيقة الأمر أبعد ما يكونون عنها. من ناحية أخرى ففكرة الحديث والتحاور من خلال الحيوان، تؤكد النظرة الشمولية للكون، أو حلول الأرواح والصوفية. فكرة الأنسنة هذه والتماهي بين المخلوقات تكاد تكون نادرة في الرواية العربية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية