حتى قبل أن تستكمل حكومة “يمين بالكامل” مئة ساعة على ولايتها، نشعر برياح غريبة تهرب في أروقتها، وتحملها إلى أماكن هاذية وستؤدي بها إلى التحطم بسرعة شديدة.
هذه حكومة منشغلة ومشغولة، قبل ولادتها وبعدها، في شؤونها الداخلية أساساً. وكلما مرت الساعات يتبين أن نتنياهو هذه الحكومة هو زينة للحكومة أكثر مما هو رئيسها. وإن شئتم، دمية رئيس الوزراء الشعبي لليمين التي يمسك بخيوطها آريه درعي وسموتريتش وبن غفير.
لا سبيل لنشرح حقيقة أن وزير الأمن القومي في الحكومة التي نشأت لتوها يحج إلى الحرم في ظل تجاهل الواقع الحساس وبخلاف مطالبات الدول العربية الصديقة. هذا واقع حساس، لا شك أن نتنياهو واع له، وبخاصة قبيل سفره المخطط له إلى الإمارات. لغرض هذا الموضوع، عقد لقاء مع بن غفير ليؤجل الحجيج إلى الحرم. غير أنه تبين عندها أن بن غفير يعمل بخلاف كل منطق، ويترك إحساساً بأن نتنياهو لا يمكنه منعه من العمل كما يشاء (وكما هو متوقع، عقب حجيج بن غفير للحرم، تأجيل السفر إلى الإمارات). هل يمكن حصول هذا في ولاية أي واحد من رؤساء الوزراء الذين تولوا الحكم هنا في الـ 75 سنة الأخيرة، الجواب لا. وما كان هذا ليحصل حتى لبنيامين نتنياهو قبل خمس سنوات.
عندما يحصل أن وزير الأمن القومي، الذي انتخب على خلفية قلق جمهور إسرائيل من انعدام الأمن الداخلي، ومن انعدام الحوكمة في الجنوب والشمال على خلفية الثقة التي منحها له الجمهور في إسرائيل لتغيير الواقع، يحج كالسارق في الليل في ساعة صباحية مبكرة إلى الحرم برفقة عشرات من أفراد الشرطة لـ 13 دقيقة من المجد كي يثبت زعماً من هو الرجل – وزير كهذا هو وزير السيرك القومي أكثر مما هو وزير الأمن القومي.
وزير الخارجية إيلي كوهين هو الآخر، الذي زمنه محدود بسنة، أثبت منذ ظهوره الأول بأن المنطق والحساسية لوضع إسرائيل في العالم لا وجود له في هذه الحكومة. قال كوهين إن على إسرائيل أن تتحدث أقل عن الغزو الروسي لأوكرانيا، وأنها تعتزم الحديث مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف. وجلبت هذه التصريحات على الفور رد فعل عاصفاً من السناتور الجمهوري الكبير لينزي غرام، الذي ذكّر وزير الخارجية الإسرائيلي بأنه عندما يتحدث مع لافروف فهو يتحدث مع ممثل نظام يرتكب جرائم حرب.
نتنياهو نموذج 2023 الذي انكشف بكامل ضعفه وعجزه في المفاوضات مع شركائه الائتلافيين في إقامة الحكومة، يعمل على ترميم صورته ومكانته بألاعيب قديمة وكريهة. مثلما فعل هذا أمس في جلسة الحكومة حين أبرز الموضوع الإيراني. رغم أن الاتفاق النووي بين الولايات المتحدة وايران دفن دفنة حمار، حرص نتنياهو على إعادته إلى جدول الأعمال.
يتبين أنه لا شيء مثل الموضوع الإيراني للهروب من الواقع الحقيقي، مثلما وجد هذا تعبيره في أقواله. فقد قال إنه “بخلاف الرأي السائد بأن الاتفاق النووي الخطير هذا شطب عن جدول الأعمال، أعتقد بأن هذه الإمكانية لم تشطب بعد عن جدول الأعمال بعد أحداث إيران الأخيرة”.
لكنه نسي بأنه لم يشطب هذا الحجيج “البطولي” لبن غفير إلى الحرم عن جدول الأعمال. لكن لم تسمع أي كلمة في جلسة الحكومة حول هذا الأمر. “حكومتنا مختلفة”، كرر نتنياهو أقواله أمس. بالفعل، هذه حكومة مختلفة تماماً ويبدو أن رئيسها لا يتحكم بها. حكومة يملي شركاؤها الائتلافيون جدول الأعمال على رئيس الوزراء، ويمكن لمجلس عظماء التوراة والحاخامين أن يشوش ويدير سلوكها، هي حكومة لا يمكنها أن تفي بتعهداتها الكثيرة وعديمة الأساس، بل تقف عديمة الوسيلة أمام موجة ارتفاع أسعار في الاقتصاد، رغم الوعود القاطعة من نتنياهو لوقف الارتفاعات. حكومة يجب إعطاؤها مئة يوم رأفة، لكنها وقبل أن تولد، حكومة ولدت لحياة قصيرة جداً.
بقلم: أفرايم غانور
معاريف 4/1/2023