غزة ـ «القدس العربي»: في تأكيد على التوقعات التي تشير لرغبة إسرائيل بإطالة أمد الحرب على غزة، اتجهت حكومة بنيامين نتنياهو مبكرا، لتخريب الجهود المبذولة لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، والتوصل إلى اتفاق تهدئة ينهي الحرب المستمرة منذ أكثر من سبعة أشهر، بردها العملي على موافقة حماس على الورقة الأخيرة التي قدمت لها من الوسطاء، من خلال شن هجوم بري عنيف على مدينة رفح، وإلحاقه بآخر على مناطق شرق مدينة غزة، على وقع ارتكاب عشرات المجازر الدامية خلال الأسبوع الماضي، وتهديداتها بتوسيع العمليات العسكرية.
فلم يمض كثيرا على رد حركة حماس بالموافقة على مقترحات التهدئة التي قدمت لها مؤخرا، والتي تعني البدء الفوري بوقف إطلاق النار في غزة لمدة ستة أسابيع، تتلوها مدة ثانية وثالثة، في إطار مراحل تطبيق الاتفاق، حتى أعلنت إسرائيل عن رفض تلك المقترحات، التي كانت على إطلاع عليها مسبقا، وما هي إلا ساعات قليلة على ذلك، حتى أعلنت البدء بعملية عسكرية ضد مدينة رفح، وهو المكان الذي لم يسبق لجيش الاحتلال أن هاجمه بريا منذ بداية الحرب، وذلك رغم التحذيرات الدولية، والمخاوف من مجازر أكثر دموية في تلك المنطقة التي تكتظ بالنازحين، والتي يتواجد فيها أكثر من نصف سكان قطاع غزة.
وجاء رد إسرائيل أسرع مما كان متوقعا، حيث ذهبت الكثير من التحليلات، إلى قيام حكومة اليمين في إسرائيل بتخريب الجهود بعد وقت قصير من بدء التنفيذ، والعودة مجددا إلى الحرب بشكل أقسى.
هذا وقد جاء رد حركة حماس على المقترحات الأخيرة، بعد جولات مفاوضات عقدت على عدة مراحل في القاهرة والدوحة، وعقب العديد من الاتصالات التي أجريت معها من قبل الوسطاء، بعد تقديم ورقة جديدة هدفت من خلالها مصر إلى تقريب وجهات النظر بين الطرفين.
ولأن هذه المقترحات كغيرها، تهدف إلى وقف إطلاق النار في غزة، ووضع جدول لإنهاء الحرب واستعادة الهدوء، والبدء في تقديم المساعدات للسكان المنكوبين من الحرب الطويلة، بما في ذلك عمليات الإعمار، بادرت حكومة إسرائيل إلى رفض الموافقة على تلك المقترحات، وتحججت أنها ليست تلك التي قدمت لها سابقا، وقد أصرت عمليا على إفشال تلك الجهود، بان قامت بالإعلان عن توسيع رقعة نشاطاتها العسكرية في قطاع غزة.
ودلل ذلك على التوقعات التي كانت قائمة، والتي تشير إلى أنه في ظل معرفة رئيس حكومة تل أبيب بنيامين نتنياهو، أن مصيره حال انتهت الحرب سيكون مغادرة الحكم، والخضوع لمحاكمات ستقوده للسجن، سيتلكأ في تنفيذ أي اتفاق من هذا القبيل، ولم يعط نتنياهو أي فرضة لتنفيذ أي من بنود الاتفاق، قبل خرقه بهدف العودة للحرب، بل قام مبكرا برفض التعاطي معه، في محاولة لفرض شروطه، والعمل على إطالة أمد الحرب.
وقد أكد ذلك مسؤول إسرائيلي تحدق لصحيفة «نيويورك تايمز» قبل بدء الهجوم على رفح، حين قال، إن إسرائيل وحماس اقتربتا من التوصل إلى اتفاق تهدئة، لكن تصريحات رئيس الوزراء «دفعت الحركة إلى تشديد مواقفها» موضحا أنه بعد تصريحات نتنياهو عن استمرار الحرب، طلبت حماس بضمانات بأن إسرائيل لن تنفذ الاتفاق جزئيا ثم تواصل القتال.
مقترحات التهدئة
ووفق ما جرى الكشف عنه، فإن المقترحات الأخيرة التي وافقت عليها حماس، تشمل وقف إطلاق النار وإعادة الإعمار وعودة النازحين وتحرير الأسرى، حيث يتضمن انسحابا كاملا لجيش الاحتلال من قطاع غزة، وعودة النازحين وتبادلا للأسرى على 3 مراحل، كما يتضمن الاتفاق وفق قيادات في حركة حماس ترابطا للمراحل في التنفيذ، وعلى إجراء عملية تبادل حقيقة للأسرى، من خلال المفاوضات غير المباشرة بالوساطة المصرية والقطرية.
كما أن المرحلة الأولى تدوم لستة أسابيع، وتشمل عقد أولى صفقات التبادل، أما الثانية فتتضمن الإعلان المباشر عن وقف العمليات العسكرية والعدائية بشكل دائم، وذلك بعد أن يكون هناك التزام في اليوم الأول من المرحلة الأولى من الاتفاق، بوقف العمليات العسكرية مؤقتا، وأن لا تكون هناك أي قيود على عودة النازحين، وذلك بعد أن ينسحب الاحتلال من المنطقة التي تقسم قطاع غزة إلى قسمين شمالي وجنوبي.
وحركة حماس، لم تكن من قبل تقبل بأن يعقد اتفاق وقف إطلاق نار على مراحل، وكانت تتمسك بوقف كامل للحرب.
وفي وسط تحركات وسطاء التهدئة لتحديد موعد لقدوم الوفود حماس وإسرائيل، إلى العاصمة المصرية القاهرة، للاتفاق على تطبيق البنود، ووسط التوقعات والآمال على انتهاء الحرب، أعلن نتنياهو، أن هذا المقترح المقدم لا يفي بمطالب إسرائيل الأساسية، معلنا رفضه له، وكذلك أعلن الاستمرار في الهجمات العسكرية.
وأعلن كذلك أن قوات جيشه ستواصل ستعمل في مدينة رفح، وتنفذ هجومها البري، ولم يكن يمضي على حديثه طويلا، حتى دخل جيش الاحتلال المدينة واحتل المعبر الفاصل عن مصر، وأغلق المعبر التجاري كرم أبو سالم، وبدء بعمليات ترحيل قسري تشمل نحو ربع مليون فلسطيني يقطنون في المناطق الشرقية لمدينة رفح.
موقف نتنياهو
وقد زعم نتنياهو أنه بهذه العملية البرية ضد رفح «يخدم هدفين رئيسيين للحرب» هما إعادة المحتجزين والقضاء على حماس، وزعم أيضا أن صفقة التبادل السابقة مع حماس أثبتت أن «الضغط العسكري على الحركة هو شرط ضروري لإعادة مختطفينا» وحاول إلقاء الكرة لمعلب حماس، بالقول إنها حاولت إحباط دخول قوات جيشه لرفح، من خلال الموافقة على مقترح التهدئة، وقال وهو يبرر سبب رفض المقترح «لا يمكن لإسرائيل الموافقة على مقترح يُعرّض أمن مواطنينا ومستقبل دولتنا للخطر».
وفي محاولة لامتصاص الغضب الدولي وخاصة من قبل أكبر حلفائه الإدارة الأمريكية، على موقفه الرافض لإنهاء الحرب، أعلن أنه سيرسل وفدا إلى القاهرة، للتباحث في وقف إطلاق النار، وفق شروطه.
وكعادة المرات السابقة في التفاوض، وبعد يومين من المحادثات التي أجريت بوساطة مصرية وقطرية وأمريكية، عملت إسرائيل على فرض شروطها، والمتمثلة بعدم إعطاء أي التزام منها لوقف إطلاق النار النهائي، والتمسك بعقد صفقات تهدئة مؤقتة، تعود بعدها لاستئناف الحرب ضد غزة، وهو ما أفشل الجولة الأخيرة التي انتهت مساء الخميس الماضي، ومغادرة الوفود للقاهرة، حيث كانت حركة حماس قد وافقت على المشاركة في هذه الجولة، رغم موافقتها الأولى على المقترح المقدم.
وقد كشفت تقارير من بينها عبرية، أن الهجوم البري الإسرائيلي على مدينة رفح، كان سببا في انهيار المحادثات التي سعى من خلالها الوسطاء للتوصل إلى وقف لإطلاق النار.
وأعلنت حركة حماس أن الاحتلال رفض عمليا المقترح المقدم من الوسطاء لوقف النار، ووضع عليه اعتراضات في عدة قضايا مركزية، وقد بعثت الحركة برسالة توضح ذلك إلى الفصائل الفلسطينية، شرحت فيها ما حدث في المفاوضات الأخيرة، وأعلنت فيها تمسكها بموقفها «الذي وافق على مقترح الوسطاء الأخير» وقالت «الخطوة التالية ستكون محل الدراسة الفلسطينية على قاعدة التمسك بالمقترح الأخير، مع الأخذ بعين الاعتبار خطوة الاحتلال الأخيرة بمهاجمة رفح واحتلال المعبر».
وفي هذا السياق، قال عضو المكتب السياسي لحركة حماس عزت الرشق بعد مغادرة وفد الحركة للقاهرة، إن إقدام إسرائيل على اجتياح رفح واحتلال المعبر، «يهدف إلى قطع الطريق على جهود الوسطاء، وتصعيد العدوان وحرب الإبادة» وأكد مجددا على التزام حماس بموقفها الموافقة على الورقة التي قدمها الوسطاء.
ويؤكد أن إسرائيل غير جادة بالتوصل لاتفاق من أجل وقف العدوان على قطاع غزة، وأنها تستخدم المفاوضات غطاءً لاجتياح محافظة رفح واحتلال المعبر، متهما نتنياهو بمحاولة اختلاق الذرائع للتهرب من المفاوضات، وأنه يُلقي باللوم على حماس والوسطاء، وقد جدد تمسك حماس بموقفها الذي أبلغته للوسطاء بالموافقة على مقترحهم، لافتًا إلى أن هذه الموافقة على مقترح الوسطاء «أربكت نتنياهو وأوقعته في مأزق».
وبدا واضحا أن رفض إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، لسياسات حكومة نتنياهو، ولموقفها الرافض لوقف الحرب، والاستمرار في الهجوم البري على مدينة رفح، وتمثل ذلك عمليا في قرارها القاضي بتعليق إيصال العديد من شحنات الأسلحة الأمريكية للجيش الإسرائيلي، وهو أمر فسر بأنه مرتبط بموقف نتنياهو الأخير، الرافض للتهدئة التي كانت الإدارة الأمريكية على اطلاع على تفاصيل نقاطها، وقد شاركت في وضعها، وعقابا على تحدي نتنياهو بايدن، وشروعه بشن الهجوم البري على رفح.
ولم تكتف حكومة الاحتلال برفض مقترحات التهدئة، بل وسعت من حجم المأساة التي يعيشها الفلسطينيون في قطاع غزة، وفي مقدمتهم مشردو الحرب والمرضى، بان تعمدت إغــــلاق معابر القـــطـــاع، ومنع دخول المســــاعدات الغذائية والطبية والإنسانية، في الوقت الذي كانت فيه أزمة الجوع ونقص الدواء تتفاقم، مع طول مدة الحرب المدمرة.
سياسة الضغط الإسرائيلية
ويؤكد مدير مستشفى الكويت التخصصي في المدينة صهيب الهمص، أن الوضع الصحي في محافظة رفح بات «كارثيا» وأن مستشفى الكويت هو الوحيد الموجود في وسط رفح، وأصبح في هذا الوقت يعج بالمرضى والجرحى، وأشار إلى أن ما يتوفر في المشفى من طعام وأسرة وأجهزة ووقود لا يكفي لمواصلة العمل طويلا، لافتا إلى أن المشفى بات يستقبل يوميا عشرات الشهداء والجرحى، حيث هناك صعوبات في التعامل معهم لانعدام الإمكانات والمستلزمات الطبية، وأوضح أن جهاز الأشعة الوحيد بالمستشفى توقف عن العمل نتيجة ضغط الحالات.
والجدير ذكره أن المشفى الحكومي الوحيد في المدينة «أبو يوسف النجار» يقع ضمن المناطق التي طلب جيش الاحتلال إخلاءها شرق رفح، وهناك تخوفات بأن يصل إليه جيش الاحتلال على غرار مشافي الشفاء في غزة، وناصر والأمل في خانيونس.
ومع بداية العملية العسكرية الإسرائيلية شرق مدينة رفح، طلبت قوات جيش الاحتلال من سكان العديد من الأحياء هناك بالنزوح القسري لمناطق ضيقة تكتظ بالنازحين وتفتقر لكل مقومات الحياة، تقع في مدينة خانيونس، التي تعرضت لتدمير طال جميع مرافقها الحيوية، خلال الهجوم البري الإسرائيلي على المدينة، والذي انتهى قبل نحو شهر، بعد أربعة أشهر من العمليات العسكرية.
وعدد سكان المناطق التي هددت بالنزوح القسري في رفح، نحو ربع مليون نسمة، هم المتواجدون في منازلهم، والنازحون من عديد مناطق القطاع، ويقيمون في مراكز إيواء وخيام، والذين طلب منهم جيش الاحتلال في أوقات سابقة النزوح إلى رفح.
وحتى يوم الجمعة، ذكر تقرير لوكالة «الأونروا» أن عدد النازحين الجدد من رفح بلغ 110 ألف شخص، فيما تؤكد جهات محلية أن العدد أكثر بكثير من ذلك، في الوقت الذي بدأ فيه آخرون من وسط وغرب المدينة بالنزوح، خشية من تمدد العملية العسكرية نحوهم، على غرار ما كانت تقوم به قوات الاحتلال ضد مناطق أخرى في القطاع.
النازحون الجدد تحدثوا عن المأساة التي يعيشونها، وعن الأوضاع السيئة وظروف الحياة الصعبة التي يعيشونها، فاشتكوا من عدم وجود أماكن لإقامتهم، ومن عدم توفر خيام للسكن، وافتقار المنطقة التي حددها جيش الاحتلال لمياه الشرب وأي من الخدمات الأساسية.
وكانت اللجنة الدولية للصليب الأحمر قالت وهي تشير لأزمة النازحين، إنهم يعيشون التوتر والخوف الدائمين، وأنه مع الأخذ في الاعتبار الإصابات والسن والإعاقات البدنية، فإن العديد من السكان يعانون من صنوف الضعف ومعرضون لخطر الوفاة بنسبة كبيرة بسبب الأمراض المعدية والشائعة، وأشارت إلى أن تعليمات الإخلاء أثارت بالفعل مشاعر قلق وخوف عميقة، وقالت «رأينا طوابير طويلة من الناس تفر من رفح بالسيارات وبعربات تجرها الحمير أو سيرًا على الأقدام، حاملين أمتعتهم الشخصية على ظهورهم أو ظهور مركباتهم».
وبسبب إغلاق المعابر، اشتكى النازحون وكذلك المنظمات الإغاثية الدولية والمؤسسات المحلية، من شح كبير في المواد التموينية، ومن بينها الحليب المخصص للأطفال.
وكان برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، أعلن أن المخزونات الحالية من الغذاء تغطي فقط من يوم إلى أربعة أيام الاحتياجات في رفح دير البلح وخانيونس، وأعرب عن قلقه البالغ، بسبب إغلاق معبري رفح.
ولذلك حذرت الوكالات الإنسانية الدولية في غزة، أن هذا الأمر المتمثل في فقدان الطعام ونفاد الوقود سيخلف أثرا فوريا على جميع العمليات الإنسانية، وذكر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا» أن عدم استئناف دخول الوقود إلى غزة، سيحول دون قدرة وكالات الإغاثة على إرسال مخزونات المعونة المتاحة وتوزيعها، وجمع المعلومات عن الاحتياجات الإنسانية ودعم عمل المخابز، كما ستحول العملية دون تشغيل جميع القطاعات الحيوية.
كما لا يامن نازحو الحرب سواء الجدد أو السابقين، والذين يبلغ عددهم نحو 1.9 مليون من أصل 2.2 مليون فلسطيني يقيمون في القطاع من هجمات جيش الاحتلال على مناطق نزوحهم.
ووثقت وكالة «الأونروا» في تقرير صدر مع بدء الهجوم على رفح، بأن مبانيها تعرضت إلى 368 هجوماً منذ بدء الحرب على القطاع، وأن 429 نازحاً كانوا يبحثون عن مأوى في مبانيها قُتلوا منذ بدء الحرب.
وهذا العدد هو جزء صغير من النازحين الضحايا الذين سقطوا في أماكن إقامة غير مراكز الإيواء التي تديرها الأونروا، ومنهم من يقيم في خيام في مناطق عشوائية تملأ وسط وجنوب القطاع، وقسم آخر في منازل عند أقارب لهم، ومن بينهم كثر سقطوا خلال رحلات النزوح القسري.