انهالت إعلانات التهنئة للدكتور محمد اشتية باختياره رئيسا للحكومة الثامنة عشرة في فلسطين المحتلة منذ قيام السلطة الفلسطينية عام 1994. لقد ملأت إعلانات التهنئة صفحات الجرائد المحلية لعدة أيام تحمل أسماء المهنئين الذين قالوا إنهم كادوا يطيرون فرحا لأن اشتية حاز على ثقة الرئيس لتعيينه في هذا المنصب الرفيع، مؤكدين أنه الأكثر كفاءة وحنكة وخبرة، ومكررين اللغة نفسها التي منحوها لرامي الحمد الله عندما تم اختياره للمنصب نفسه عام 2014. بعض المهنئين بالغ في نشر إعلانه على صفحة كاملة أو نصف صفحة أو ربع صفحة، وبعضهم من الذين لا تربطهم بالشخص المحتفى به أي روابط أسرية أو صداقة أو عمل أو أيديولوجيا فضلوا أن يسايروا التيار حتى لا يتهموا بأنهم، لا سمح الله، يعترضون على هذا التكريم، وخاصة إذا كان المهنئ رجل أعمال أو صاحب نفوذ عشائري أو مهني.
أنا من الذين لم يهنئوا اشتية على المنصب، ولا أعتقد أنه سيعتب عليّ رغم المودة التي بيننا على المستوى الشخصي لا السياسي، ولا أجد سببا واحدا يستوجب التهنئة على هذه المهمة شبه المستحيلة التي أوكلت إليه، وكما فشلت جهود 17 حكومة قبله فلن يكون هو الاستثناء الذي يبرر القاعدة، بل إن التحديات أكبر من أن تواجهها حكومة اللون الواحد أو حكومة المحاصصة الفصائلية. فالأعباء التي ألقيت على كاهل اشتية ومن قبله الحمد الله وسلام فياض ومن قبلهم جميعا أحمد قريع ومحمود عباس، لا يمكن أن تتم مواجهتها بالطريقة التقليدية، والخطأ لا يعالج بخطأ أكبر منه فاشتية والرئيس عباس يعرفان تماما أن المأزق الفلسطيني الحالي أكبر بكثير من أن تواجهه الحكومة الفلسطينية حتى لو كانت تمثل كل الفصائل.
ويمكنني القول بما يريده الشعب الفلسطيني فعلا لا قولا بعد أن جلست مع الناس في المخيمات والقرى والمدن، مع الأسرى المحررين وعائلات الأسرى، مع آباء وأمهات الشهداء وشرائح الشعب الفلسطيني في الوطن والمهاجر.
أولا: الشعب الفلسطيني، حقيقة لا مجازا، يريد أن ينهي الانقسام الجغرافي والسياسي بين غزة والضفة الغربية وبين حركتي فتح وحماس. لكن ليس على أساس إعادة غزة إلى الشرعية وكفى، هذا على افتراض أن هناك شرعية حقيقية. بل على أساس برنامج سياسي واحد موحد يتعامل مع المأزق الوجودي الذي تعيشه القضية الفلسطينية. المصالحة عن طريق التبويس لا تكفي وقد حدثت من قبل ولم تنجح. المفروض وجود برنامج وطني شامل تتوافق عليه، ليس الفصائل فقط، بل كافة نخب الشعب الفلسطيني وتجمعاته في الوطن والشتات يؤكد على ثلاثة أمور مقدسة لا يجوز المساس بها: وحدة الشعب الفلسطيني في كل مكان ووحدة الهدف ووحدة وسائل تحقيق الهدف. وهذا لا يتم إلا بإعادة الإعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية، الخيمة الجامعة لكل أطياف الشعب الفلسطيني. وكي تكون كذلك لا بد من الاتفاق على إعادة كافة المجموعات التي تعمل من خارج هذا الإطار، بمن فيهم حركتا حماس والجهاد. وهذا يعني ضرورة فصل الدور الوظيفي للسلطة الفلسطينية التي يجب أن ينحصر في الجانب الخدماتي ويتم تمكين منظمة التحرير الشاملة الجامعة للعب دور قيادة الشعب الفلسطيني والممثل الوحيد والشرعي والمخول للتفاوض باسمه والاتفاق على برامج النضال لإنهاء الاحتلال وتحقيق البرنامج المرحلي المتفق عليه وطنيا. وهذا لا يمكن أن يتم إلا بانتخاب مجلس وطني جديد حيث يمكن عقد الانتخابات وإلا فاختيار شخصيات وطنية عليها اجماع لدورها ورمزيتها ونزاهتها وتاريخها النضالي وليس بناء على ولاءاتها وروابطها الأسرية أو التنظيمية.
ثانيا: الشعب الفلسطيني يريد حقيقة التصدي لصفقة القرن المقبلة كالمدحلة الكبيرة والتي قد تهرس تحت عجلاتها الغليظة أي أعتراض رخو مجسد في بيان أو خطبة من بعض المنافقين من حول الرئيس عباس الذين لم يجدوا ما يفتخرون به إلا “إطلاق الرصاصة الأولى”. مدحلة صفقة القرن المقبلة لا يمكن هزيمتها بمناشدة المجتمع الدولي ولا بالحديث مع أبو الغيط وإطلاعه على آخر تطورات القضية الفلسطينية، ولا بزيارة وزير الخارجية للأرجنتين أو تركيا أو روسيا. صفقة القرن لا يمكن أن تسقطها البيانات ولا المناشدات بل بتعزيز الوحدة الوطنية الداخلية والتفاف الشعب الفلسطيني وقياداته جميعا حول برنامج نضالي شامل وواقعي وسلمي ومتعاظم ومتواصل وشجاع يضع إسقاط صفقة القرن هدفا مرحليا، كما أسقط المقادسة البوابات الألكترونية والكاميرات حول الأقصى وكما فرضوا فتح باب الرحمة في الأقصى المغلق منذ عام 2003. إن تعميم مسيرات العودة على كل أرجاء الوطن تحت شعارات موحدة وعلم فلسطين فقط، لا أعلام الفصائل، يمكن أن تسقط صفقة القرن، لا مناشدات الدول والجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي.
ثالثا: الشعب الفلسطيني لا يراهن على انتخابات عدوه ولا يناشد الإسرائيليين بأن يختاروا السلام، لأن هذه المناشدات ستزيدهم تطرفا. وكما يعرف اشتية وغيره أن المجتمع الإسرائيلي يتجه نحو التطرف أكثر وأكثر وأن المراهنة على تقدم معسكر السلام في إسرائيل لا يعني إلا اليأس عندنا. التطرف الإسرائيلي لا محدود والتسابق بين الأحزاب اليمينة والفاشية على من يوغل أكثر في الدم الفلسطيني. يجب أن تكون المراهنة فقط على الشعب الفلسطيني أولا وثانيا وثالثا ثم يأتي دور الشعوب العربية والإسلامية ومحبي السلام في العالم.
رابعا: الشعب الفلسطيني يريد قيادة تتصدى للمطبعين وتنتقدهم علنا ولا تداري عليهم. لقد خرج التطبيع العربي مع الكيان إلى العلن بكل صفاقة في ظل صمت مريب من القيادة بل إن أحد المطبعين السعوديين قام بزيارة للكيان مصحوبا بأحد القادة. ماذا يعني هذا إلا الرضى عن التطبيع؟ من الممكن أن ننتقد الكفر دون ذكر الكفار إذا كان هناك خوف من عواقب الانتقاد العلني. فالصمت إنما سيشجع الآخرين على الاستمرار في غيهم.
خامسا: الشعب الفلسطيني لا يريد أن يكون عالة على الدول المانحة وهذا ما سمح لرئيس مثل ترامب أن يقطع كل أنواع المساعدات للشعب الفلسطيني لابتزاز موقف يحمل التنازل عن الحقوق. وأول خطوة للتعافي المالي تكون بالضبط والربط والتقشف وإلغاء هدر الأموال ومحاسبة الفاسدين واسترداد أموال منظمة التحرير.
سادسا وأخيرا: الشعب الفلسطيني يريد فعلا إلغاء اتفاقيات أوسلو الكارثية وما تبعها من اتفاقيات وملاحق وتفاهمات، خاصة اتفاقية باريس الاقتصادية التي وضعت الاقتصاد الفلسطيني رهينة في أيدي إسرائيل، وكذلك اتفاقيات التنسيق الأمني. لقد أعفت تلك الاتفاقيات إسرائيل من مسؤولياتها كسلطة قائمة على الاحتلال.
هذا غيض من فيض أنين الشعب الفلسطيني الذي بدون ذنب وجد نفسه في هذا الوضع المأساوي يشاهد أرضه تنهب وقدسه تهود وغزته تجوع وأعداد شهدائه في تزايد وخيرة أبنائه يقبعون في الأسر.