تتصاعد هذه الأيام أكبر أزمة يمر بها حلف الناتو في تاريخه. فمن جهة تقوم تركيا بمناورات بحرية لمدة أسبوعين، وفي الوقت نفسه تقوم فرنسا وإيطاليا واليونان وقبرص بمناورات بحرية واسعة كنوع من التحدي لتركيا. انضمت حاملة الطائرات الأمريكية «ونستون تشرتشل» للمناورة التركية كرسالة لدول أوروبا بأن مناوراتها قد تدفع تركيا إلى الأحضان الروسية، بينما أقحمت دولة الإمارات المتحدة نفسها في المناورة الأوروبية بإرسال 9 طائرات مقاتلة هبطت في الجزر اليونانية بدل أن تهبط في الجزر الإماراتية المحتلة منذ 1971. وكرسالة إماراتية واضحة لتركيا بأنها ستنحاز لكل دولة في العالم تقف ضد تركيا.
الولايات المتحدة من جهة ثانية رفعت حظر بيع السلاح المفروض على قبرص في إشارة مزدوجة بأنها في النهاية ستنحاز للتحالف الأوروبي ضد تركيا إذا ما وصلت الأمور إلى نقطة اللاعودة. أما روسيا فهي المستثمر الأكبر لهذه الأزمة والتي توظفها لصالحا تماما وخياراتها واضحة تماما في دعم الموقف التركي لتثأر من مواقف الناتو الذي انتزع من روسيا حلفاءها التقليديين في أورويا الشرقية وضمهم للحلف بعد تفكك الاتحاد السوفييتي، إلا أوكرانيا التي انتقلت بدورها إلى التحالف الغربي دون الدخول في الناتو لإن هذا يعتبر خطا أحمر بالنسبة لروسيا التي تستطيع أن تخلق القلاقل لأوكرانيا وتزعزع استقرارها.
كيف سيتعامل حلف الناتو مع هذه الأزمة الكبيرة التي تكاد تخرج عن السيطرة بين اليونان وتركيا، وكيف يمكن السيطرة عليها بحيث يخرج الطرفان لا غالب ولا مغلوب؟ فإذا مالت الكفة لصالح اليونان بدعم من فرنسا وإيطاليا فهذا سيدفع تركيا للخروج من الناتو غير آسفة على تجمع تربطه العنصرية أكثر من المواقف المبدئية، وإذا مالت الكفة لصالح تركيا فسيزداد اردوغان غرورا ويعود ليصحح كثيرا من المواقف المجحفة والمظالم العديدة التي فرضت على دولة تركيا الضعيفة التي ورثت الامبراطورية العثمانية في اتفاقيات فرساي وسان ريمو وسيفر ولوزان.
الحلف وحل النزاعات
مشكلة الناتو أن نظامه الداخلي لا يشير إلى كيفية حل الخلافات بين الدول الأعضاء لأنه أقيم أصلا لردع التهديد الذي كان يمثله الاتحاد السوفييتي وحلفاؤه.
إنشئ الحلف في نيسان/أبريل عام 1949 في واشنطن، وكان عدد أعضائه 12 دولة كانت تشكل التحالف الأساسي في الحرب العالمية الثانية ومعظمها من أوروبا، ما عدا الولايات المتحدة وكندا. لقد كان لدى أوروبا توجس حقيقي من نوايا الاتحاد السوفييتي الذي بدأ يثبت نفسه كقوة عسكرية نووية هائلة استطاع أن يسيطر على كل أوروبا الشرقية ويستند إلى دعم الجبار الصيني الذي استقل حديثا في الوقت الذي تتعامل فيه الولايات المتحدة وحلفاؤها مع تايوان كدولة كاملة العضوية في مجلس الأمن الدولي تتمتع بحق النقض (الفيتو).
البند العاشر في النظام الداخلي يتيح لأي دولة أوروبية الانضمام للناتو إذا كانت «في وضع يمكنها من تعزيز مبادئ هذا الحلف والمساهمة في أمن منطقة شمال الأطلسي». وهذا البند فتح على غاربيه بعد عام 1990 وبدأت دول أوروبا الشرقية تتسلل إلى الحلف بعد انهيار حلف وراسو ليصبح عدد أعضائه 30 دولة كان آخرها دولة مقدونيا الشمالية التي انضمت عام 2020. وكانت تركيا واليونان قد انضمتا للحلف عام 1952 رغم ما بينهما من عداء تاريخي. فبعد النزاعات الطويلة تحسنت علاقات البلدين لفترة قصيرة بعد وفاة أتاتورك عام 1938 ولغاية عام 1955 تاريخ أول أزمة بين البلدين تتعلق بقبرص.
تاريخية النزاع بين تركيا واليونان
خاضت الدولتان أربع حروب بعد استقلال اليونان عام 1830 عن الدولة العثمانية، ولكني سأركز على النزاع الذي حدث عندما دخلت اليونان الحرب العالمية الأولى، وهي في نهاياتها عام 1917. فقد استغلت اليونان ظروف تفكك الدولة العثمانية وسيطرت على مناطق واسعة من تركيا ومن جزرها، فاضطر الجيش التركي الذي لملمه مصطفى أتاتورك أن يتصدى للغزو اليوناني المدعوم من فرنسا وإيطاليا بهدف معلن هو احتلال «إسطنبول وإزمير» وقبرص. وفور انهيار الدولة العثمانية أعلن اليونانيون سيادتهم على تلك المناطق. وفي مؤتمر سيفر عام 1920 منح الحلفاء اليونان أراضي من تركيا أكثر مما حلموا بها شمل 17000 كيلومتر مربع في غرب الأناضول. هناك جن جنون الأتراك واستمر الجيش في القتال حيث انضم إليه مئات الألوف من المتطوعين بقيادة مصطفى كمال وأعلنوها حربا حتى آخر رجل وارتكبوا مجازر ضد المواطنين اليونايين المتعاونين من داخل تركيا. استطاع الجيش التركي المشكل حديثا أن يلحق الهزيمة باليونانيين والبريطانيين والفرنسيين مجتمعين وأعلن رفضه القاطع لاتفاقية الاستسلام في سيفر. وبعد الانتصارات العظيمة التي حققها وطرد فلول اليونايين من كل الأراضي التي احتلوها أجبر الحلفاء بالذهاب إلى مدينة لوزان السويسرية والتي اضطر فيها الحلفاء إلى الاعتراف بحدود دولة تركيا الحالية في الاتفاقية المعروفة باسم لوزان لعام 1923. لذلك توج الأتراك عن جدارة مصطفى كمال قائدا تاريخيا وأبا لتركيا الحديثة. لكن أتاتورك لم يحقق كل شيء يريده في اتفاقية لوزان وقيل إن الاتفاقية معها ملحقات عديدة حول علمانية وشطب الإسلام من تركيا وتحويل مسجد أيا صوفيا لمتحف وعدم التنقيب عن النفط والسماح لكل السفن المرور من مضيق البوسفور دون رسوم، لكننا لم نعثر على وثائق رسمية تثبت هذا الكلام.
هزيمة اليونان ظلت مغروسة في نفوس الشعب اليوناني إلى يومنا هذا، ولا تترك اليونان فرصة لإعادة تأجيج النزاع مع تركيا إلا واستغلتها. وها نحن نشهد الأزمة الخامسة بين البلدين، أربع منها حول قبرص (1955، 1964، 1974 و 1998) ولكن هذه المرة حول السيادة على بحر إيجة والجزر المتناثرة هناك وموضوع السيادة على البحر المتوسط واستغلال الموارد الطبيعية. وهي امتداد لأزمات سابقة بدأت منذ السبعينيات وبدأت تتجدد مع اكتشاف احتياطات هائلة من الغاز شرقي المتوسط. وقد كانت تركيا آخر الداخلين على خط التنقيب عن الغاز شرق المتوسط الذي بدأ بعد اتفاقيتها مع حكومة الوفاق الليبية بتاريخ 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2019. بعد تلك الاتفاقية تحركت كل من اليونان وإيطاليا وإسرائيل ومصر وقبرص وفرنسا ضد الاتفاقية وقدمت هذه الدول شكوى رسمية في الأمم المتحدة تعتبر الاتفاقية الليبية التركية لاغية ولا قيمة قانونية لها. لم تعط تركيا أي اهتمام لتلك الاعتراضات فبدأت الأزمة تتصاعد إلى أن وصلت درجة احتمال المواجهة بين تركيا واليونان. تدخلت ألمانيا كوسيط وقبلت تركيا وقف أنشطتها إلى أن تنتهي الوساطة الألمانية، إلا أن اليونان استغلت الموقف التركي وأعلنت عن استئناف نشاطاتها في المناطق المتنازع عليها وأعلنت عن المناورات العسكرية المشتركة. عادت ألمانيا وتراجعت عن موقفها كوسيط نزيه واصطفت مع الاتحاد الأوروبي الذي أعلن وقوفه خلف اليونان.
فما هو المخرج من الأزمة الحادة التي تتفاقم كل يوم ككرة الثلج؟
ينص النظام الداخلي للناتو على أن الهدف الأهم للحلف هو مثل ميثاق الأمم المتحدة، حل النزاعات الدولية بالطرق السلمية بما يحفظ السلم والأمن الدوليين والعدالة.
وينص البند الخامس للنظام الداخلي على أن أي «هجوم مسلح ضد واحد أو أكثر من (الدول الأعضاء) في أوروبا أو أمريكا الشمالية يعتبر هجومًا ضدهم جميعا» وتكون مهمة الرد أو الردع جماعية لجميع أطراف الحلف. وحسب المادة التاسعة ينشئ الحلف مجلسا يمثل فيه جميع الأعضاء للنظر في ما يتعلق بتنفيذ اتفاقية الحلف والنظر بشكل جماعي في كافة المسائل المتعلقة بولاية الحلف. كما ينشئ الحلف «لجنة دفاع» مختصة في تنفيذ البند الخامس من الاتفاقية.
الذي لم تشر إليه مواد معاهدة إنشاء الحلف الأربع عشرة هو كيف يتم حل الخلافات بين اثنين من الأعضاء أو أكثر. يبدو أنهم لم يفكروا فيه فالدول الإثنتا عشرة الأوائل لم يكن بينها ما يثير القلق بشأن الحدود أو المياه الإقليمية أو مجاري الأنهار المشتركة أو تداخل حقول النفط الجوفية أو غيرها. على عكس كثير من المنظمات الدولية أو الإقليمية فهناك في العادة بنود تحدد كيف يتم حسم الخلافات بين الدول الأعضاء.
الخلاف الحاد بين البلدين فيما يتعلق ببحر إيجة الممتد بينهما يشمل مجموعة قضايا: ترسيم الحدود البحرية والاتفاق على ترسيم الحدود الجوية لكل بلد واستخدامات الجرف القاري وعمق شواطئ الجزر وغيرها. تركيا تشعر بالغبن الذي لحق بها بعد الحرب العالمية الأولى. فإذا كانت آنذاك في وضع لا يسمح بالتدخل عسكريا، فكيف يمكن أن ينسحب هذا الوضع لما بعد مئة سنة تقريبا؟
إن أفضل وسيلة لحل الأزمة في رأينا هو تدخل من قبل الأمم المتحدة على شكل مبعوث خاص للأمين العام للوساطة المحايدة. إذ أثبتت ألمانيا أنها وسيط غير محايد وأن الاتحاد الأوروبي لأسباب عديدة وجد نفسه يقف إلى جانب اليونان وهو ما يثير السؤال القديم في ما إذا تعامل تركيا في الحلف معاملة بقية الأعضاء الأوروبيين.
إذا فشلت الوساطة الأممية أو لم يتم تفعيلها فإننا نقترح الذهاب إلى المحكمة الدولية لقانون البحار ومقرها هامبورغ بألمانيا، علما أن تركيا لم تصدق على معاهدة قانون البحار لعام 1982. لكن المحكمة مختصة في فصل هذا النوع من النزاعات، وفيها حاليا21 قاضيا موزعين جغرافيا، ويشارك في حضور جلسات الاستماع والمحاكمة مراقبون دوليون كي يضمنوا سلامة سير المحكمة.
الاقتراح الثالث يتعلق بالدور الغائب والمتردد والمزدوج للولايات المتحدة التي ما فتئت تعطي الإشارة ونقيضها وتقفز من موقف إلى آخر دون حسم رأيها. فمن مصلحتها الاستراتجية أن لا تندفع تركيا نحو أحضان الدب الروسي الذي ينتظر الفرصة بفارغ الصبر. فإذا بقي الموقف الأمريكي متذبذبا بسبب الانتخابات المقبلة وعزوف إدارة ترامب عن تصعيد الأزمة أو الغرق فيها، فمن الأفضل الآن أن تلعب الإدارة وعبر حلفائها الأوروبيين دورا يؤدي إلى تجميد الوضع أولا وتبريده ثانيا والعودة إلى طاولة المفاوضات بنوايا حسنة، وإلا فعواقب المواجهات ستكون وخيمة جدا ليس على البلدين فحسب بل وعلى العالم كله وخاصة أوروبا.