تتوفر مئات المؤلفات، بلغات العالم المختلفة، حول موضوعات الرصد والترصّد والمراقبة الخفية واستدراج التقارير وتكديس الملفات حول مجموعة ما، سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو صناعية/ تكنولوجية أو ثقافية؛ أو حول أشخاص ذوي خصوصية من أيّ نوع، ضمن التصنيفات ذاتها؛ فضلاً عن الإطار الأوسع، والأكثر تعقيداً، الذي يشمل دولة بأسرها أو مجموعة دول، من جانب دولة أخرى أو تحالف أعرض. في البال، على سبيل الأمثلة فقط، شوشانا زابوف، في «عصر رأسمالية الترصد: المعركة من أجل مستقبل إنساني على حدود السلطة الجديدة»؛ وماري جونز ولاري فلاكسمان، في «حروب الذهن: تاريخ رصد الأذهان والهندسة الاجتماعية بواسطة الحكومة أو وسائل الإعلام أو الجمعيات السرّية»؛ وغلين غرينولد، في «لا مكان للاختفاء: إدوارد سنودن، وكالة الأمن القومي، ودولة الرصد»؛ وياشا ليفاين، في «وادي الرصد: التاريخ العسكري السرّي للإنترنت»…
وبالطبع، ثمة فوارق بين أشغال الرصد كما تمارسها أنظمة استبدادية، وأخرى تتولاها أنظمة ديمقراطية؛ لكنّ الجوهر يبقى متماثلاً في كثير من عناصره التكوينية، ذات الصلة بجمع المعلومات والاختراق والتخريب والتقويض، وصولاً إلى استغلال الموادّ المجمّعة لبلوغ النتائج المرجوّة. وهذه قد تشمل البطش، ببساطة وشراسة ودون رادع لدى الدكتاتوريات، أو التفضيح والتشهير والمقاضاة لدى الأنظمة التي تشيع فيها هذه الدرجة أو تلك من سيادة القانون. ومن جانبي، شخصياً، تهمّني متابعة الأنساق الثانية أكثر من الأولى؛ لسبب مبدئي أخاله واضحاً وبليغاً: لا جديد في أنّ الاستبداد يراقب ويرصد ويتجسس ويبطش، والجديد هو انخراط أجهزة الديمقراطيات في ممارسات نظيرة تتصف بدرجات أعلى من الاستهتار بالحقوق المدنية (خاصة، غنيّ عن القول، حين ترفع هذه الديمقراطية أو تلك رايات الليبرالية!)، والتحايل على القوانين والأنظمة.
ولعلّ الأطرف في ممارسات النوع الثاني هو رصد الكتّاب والفنانين والمثقفين لاعتبارات تتجاوز بكثير أيّ مقدار من الارتياب في أنهم مسيّسون، فكراً أو فعلاً، ينتمون إلى منظمات أو عقائد مخالفة، أو مناهضة، لسياسة الدولة وخططها؛ في ميدان محدد هو الإبداع والإنتاج الثقافي. وأقتبس هنا الكتاب الأحدث في هذا المضمار، الذي اشترك في تأليفه (أو بالأحرى: تحريره) ج. بات براون، ب. لبتون، ومايكل موريسي، وصدر مؤخراً عن منشورات MIT تحت عنوان «كتّاب تحت الرصد: ملفات الـ FBI». وفي فصول هذا الكتاب نقرأ العجائب عن جهود مكتب التحقيقات الفدرالي، في الولايات المتحدة، لرصد وترصّد ومراقبة أمثال حنّة أرندت، جيمس بولدوين، راي برادبري، ترومان كابوته، توم كلانسي، و. إ. دو بويس، ألن غنسبرغ، إرنست همنغواي، ألدوس هكسلي، كين كيسي، نورمان مايلر، أين راند، سوزان سونتاغ، تيري ساوذرن، هنتر تومبسون، وغور فيدال.
وإذْ يصحّ الحديث عن تحرير هنا، بدل التأليف، فلأنّ الكتاب عبارة عن وثائق تمّ الحصول عليها بقوّة القانون الذي ينظّم حرّية المعلومات في الولايات المتحدة، حيث أنّ هذه الموادّ تظلّ ملك دافع الضرائب الذي سدّد من جيبه الأكلاف المالية لإنتاجها. والأوامر التي جرى بموجبها رصد الأسماء السابقة كانت بتوقيع ج. إدوارد هوفر شخصياً، مؤسس مكتب التحقيقات والشخصية الأسطورية التي حظيت بصلاحيات استثنائية فريدة قاربت شأو التسلّط الأقصى على معظم مؤسسات الدولة وأجهزتها السياسية والتنفيذية. وحسناً فعل المحرّرون إذْ تقصدوا عدم الإسهاب في التعليق على الوثائق، وتركها تنطق عن ذاتها؛ إذْ تكفي نصوصها، خاصة مبررات فرض المراقبة، للتدليل على محتوياتها الفاضحة تماماً.
على سبيل المثال، أيّ سبب وجيه قاد المكتب إلى ترصّد أرندت؟ أنها نصحت طالبة أمريكية بالسفر إلى أوروبا لدراسة الفلسفة، فتقدّم والد الطالبة بشكوى إلى المكتب يتهم أرندت بنشر الدعاية الشيوعية! مثال آخر، لا يخلو من طرافة، صنعته حكاية بولدوين؛ الذي كان يعرف أنه تحت المراقبة، فأخذ يتلاعب بمراقبيه ويتسلى بتضليلهم: كان معروفاً أنه مثلي، لكنه أتقن فنون مخادعتهم بحيث تصبح مثليته موضوعاً سياسياً وأمنياً يمكن، من وجهة نظر مكتب التحقيقات، أن يخدم الشيوعية! غور فيدال تعمّد استهداف هوفر شخصياً، وإنْ بطريقة بارعة التمويه، فأوحى في إحدى مقالاته بأنّ الأخير كان على علاقة عاطفية مع مساعده كلايد تولسون: «يندر أن يلجأ المثليون إلى العيش معاً في بيت دافئ، لسبب جوهري هو أنّ المجتمع يحظر هذا. وحده عازب من طراز ج. إدغار هوفر يمكن أن يمتلك رفاه العيش علانية مع رجل آخر»!
ولعلّ الحديث عن مكتب التحقيقات الفدرالي لا يستقيم دون خاتمة تخصّ شقيقته، وكالة المخابرات المركزية، وباعها الذي كان طويلاً في ترصّد صانعي الثقافة الأمريكية؛ وحالة الفنّان الأمريكي الأسود بول روبسون (1898 ـ 1976) مثال ساطع. في سنة 1948، يؤكد الكاتب والمؤرّخ الأمريكي بول كنيدي: «قرّرت وكالة المخابرات المركزية تدمير بول روبسون. لقد كان مستقبله الفني يعد بالكثير من التألّق والتأثير، ولكنهم عملوا جاهدين على تجميد الزمن، وتجميد بول روبسون في ما نعيشه نحن من أزمنة». لماذا؟ لأنه، ببساطة مريعة، عكس أكثر ممّا يمكن أن تحتمله تلك المؤسسات من «تعددية» في ألوان الحلم الأمريكي!
حلم افتُضحت بعض أسرار وضعه قيد المراقبة، وما زال الكثير منها ينتظر انكشاف المستور.