حلم الشقرات

الكثير يفضلون الشقراوات لما لهن من جمال يظنه البعض فتانا وأخاذا ويثير مشاعر مختلفة، لكن المقصود هنا «الشقرات» وهي مواطن إخراج القوة الداخلية الكامنة في جسد الإنسان وذاته. فلا يمكن أن يخيَّر الفرد بين شيئين كليهما أساسي لاستقامة حياته، ومن أساسيات حياة الإنسان تحقيق التوازن بين القوتين النفسية والجسدية.
لكن حدوث الخلل في القوى النفسية قد يدمر القوى الجسدية، أو يجعل أهميتها تنزوي لحد بعيد. ولهذا، صار للطب النفسي أهمية قصوى، خاصة بعد الانطلاقة في الطب النفسي التي حققها العالم النمساوي سيغموند فرويد (1856-1939) – مؤسس الطب النفسي في العصر الحديث ـ التي استهلها بإصدار كتابه «تفسير الأحلام» The Interpretation of Dreams في نهاية القرن التاسع عشر (1899). لكن إنجازات سيغموند فرويد والتالين له، وحتى أسلافه كانت منقوصة؛ بسبب الاهتمام المنصب على الخلل المرضي، أو على كل ما يشذ عن المألوف.
بيد أن الطب النفسي شهد انطلاقة كبرى على يد الطبيب النفسي الأمريكي إبراهام مازلو (1908-1970) الذي أسس نظرية جديدة للطب النفسي، تضع على رأس أولويات الصحة النفسية، تلبية الاحتياجات الفطرية للإنسان. وكان قوام نظريته هي اعتراف الفرد باحتياجاته الأساسية، ومحاولة تحقيقها قبل السعي وراء الاحتياجات الأعلى، ومن ثمَّ يمكنه «تحقيق ذاته» في نهاية المطاف. وبهذا الفكر الأصيل حاول مازلو معرفة الاحتياجات التي تشكل الصحة العقلية الإيجابية، وكيف ينقب الفرد في ذاته عن الموارد التي تحقق النمو العقلي والشفاء النفسي والجسدي، ومعرفة أن الهدف الأساسي من العلاج النفسي هو المساعدة في إزالة العقبات التي تحول بين وصول الفرد لموارده الذاتية؛ حيث أن معرفتها هي الطريق السليم للعلاج و«تحقيق الذات».
وتأسيس نظرية علم النفس الإنساني وتطبيقها يتناسب والأشخاص الذين يعمدون إلى رؤية الجانب الإيجابي للإنسانية، ويؤمنون بالإرادة الحرة؛ لأن نظرية فرويد المؤمنة بالحتمية البيولوجية ـ بمعنى أن الإنسان أسير غرائزه ـ تفتقر إلى الاعتراف بالإرادة الحرة وتحقيق الذات، على النحو الذي يراه الفرد مناسباً. ولهذا تمت الاستعانة بتطبيق نظرية مازلو بفاعلية في فروع أخرى من العلم – بالإضافة إلى الطب النفسي، مثل: الاقتصاد والتاريخ وعلم الجريمة، لأن نظرية مازلو تقوم على التسلسل الهرمي، الذي قسمه لثلاث مراحل: «الاحتياجات الأساسية» و«الاحتياجات النفسية» و«الاحتياج لتحقيق الذات». وتقبع في القاعدة العريضة للهرم مرحلة «الاحتياجات الأساسية» التي تضم مرحلتي تحقيق «المتطلبات الفسيولوجية» للإنسان من غذاء وماء ودفء وراحة، ومرحلة «تحقيق الاحتياجات الأمنية» من أمن وأمان. ثم تلي ذلك مرحلة «الاحتياجات النفسية» التي تضم مرحلة الاحتياج للحب والانتماء، الذي يتحقق بوجود الأصدقاء والعلاقات الحميمة، ومرحلة الاحتياج للتقدير الذي يتوافر مع تحقيق مكانة مجتمعية والشعور بالإنجاز. ومع الوصول لقمة الهرم، نجد أن الاحتياج لتحقيق الذات يتربع فوقها، مع إيضاح أن قابلية «تحقيق الذات» تتم عند معرفة الفرد لإمكانياته الكاملة، مع السعي لتحقيقها في صورة ملموسة، حتى لو كانت أنشطة إبداعية.

وبالنزول لأرض الواقع، وبعيدًا عن العالم الروحاني، نجد أن «الشقرات» و«الجسد الخفي» مصطلحات جميعها تشير للعقل الباطن وقوته، حين يطلق له العنان؛ لأنه بالفعل المتحكم في الغالبية العظمى من العمليات التي تدور في العقل والأفعال، التي ينجزها اللاوعي، ومنها القدرات الإبداعية.

ولمعرفة الإمكانيات الكامنة للفرد، كان لابد من الغوص في النفس لمعرفة حدود الحالة النفسية والجسمانية. وعلى هذا، هناك في الوقت الحالي سعي دؤوب لمعرفتها من ناحية الجانب الروحاني، من خلال تنشيط مراكز الطاقة في الجسد، التي تعرف باسم الشقرات Chakaras، والتي من شأنها حال تنشيطها إمداد الجسد بطاقة إيجابية متزنة للوصول لأسلوب حياة أفضل، يسهل الوصول لقمة هرم مازلو.
ومع الاهتمام الشديد مؤخراً بتحقيق صحة نفسية متوازنة في ظل ضغوط الحياة الحديثة، ظهر على الساحة اهتمام خاص بالرجوع لجميع الأساليب التي تبعث على تحقيق الهدوء والسكينة في النفس البشرية. فانتشرت ممارسة اليوغا على الصعيد العالمي، وحظيت باهتمام خاص، ومنها تم إحياء فكرة فتح مراكز الطاقة في الجسد أو الشقرات، كما تعرف في نظريات التقاليد الهندية، خلال العصور الوسطى الباطنية ـ أي غير المتواترة إلا بين النخب ـ التي تهتم بعلم وظائف الأعضاء واكتشاف المراكز النفسية. وتفترض تلك النظرية أن الحياة البشرية تتواجد في بعدين متوازيين في وقت واحد، بحيث يوجد في أحد الأبعاد «الجسد المادي» Physical Body، في حين يحتل البعد الآخر «الجسد الخفي» Subtle Body وهو الجسد النفسي والعاطفي والعقلي، وكل ما هو غير جسدي. ويلاحظ أن «الجسد الخفي» عبارة عن طاقة، في حين أن «الجسد المادي» كتلة. ويحاول كل من مستوى النفس (أو العقل) التوافق مع مستوى الجسد المادي والتفاعل معه. وتفترض تلك النظرية أن كلا من الجسد والعقل يؤثر كل منهما في الآخر. ويتكون «الجسد الخفي» من قنوات طاقة يتصل بعضها ببعض، بواسطة عقد من الطاقة النفسية، وتسمى كل عقدة بـ«شقرا» Chakara التي اختلف حساب عددها بين التقاليد الهندية المتعددة، إلى أن استقر الأمر على أن عددها يتراوح بين أربعة وسبعة.
وكما ورد في النصوص المختصة بهذا الشأن، تتواجد الشقرات في شكل عمودي على امتداد الحبل الشوكي، ويتصل كل منها بالآخر من خلال قنوات عمودية. وكان هناك سعي دؤوب لإيقاظها وتنشيطها من خلال ممارسة تمارين النفس على نحو منتظم وبمساعدة معلم، أو مدرب بلغتنا الحديثة. وكما تزعم تلك التقاليد فإنه يمكن للفرد بعد تنشيط الشقرات، ليس فقط الغوص في نفسه البشرية، لكن أيضاً تتولد لديه القدرة على التأثير في الآخرين، لدرجة أن الشخص المنشطة شقراته يمكنه الولوج لشقرات من يتعامل معه؛ وينشطها حتى ينفذ أوامره بدون شعور المرء بأن أفعاله مصدرها الأمر الذي أصدره له صاحب الشقرات النشيطة. ومن أشهر الأمثلة على ذلك ما يتواتر مؤخراً عما يسمى «بالعين الثالثة» التي يعطي مدربو الموارد البشرية نصائح لينشطها المتحدث فيمن يحدثه من أجل السيطرة عليه.
وبالنزول لأرض الواقع، وبعيدًا عن العالم الروحاني، نجد أن «الشقرات» و«الجسد الخفي» مصطلحات جميعها تشير للعقل الباطن وقوته، حين يطلق له العنان؛ لأنه بالفعل المتحكم في الغالبية العظمى من العمليات التي تدور في العقل والأفعال، التي ينجزها اللاوعي، ومنها القدرات الإبداعية. وإعادة اكتشاف تلك النظريات الهندية القديمة، واللجوء لتلك المصطلحات، التي تبدو أنها تنتمي لعالم روحاني مواز، بعيدًا كل البعد عن أسس الحياة المادية ـ مجرد وسيلة لكسوة أفكار متواترة بعباءة الحكمة والغموض والروحانية، لعل الإنسان ينصاع ولو للوسائل البدائية للرقي بنفسه عندما يفقد إيمانه بالحياة المادية الحالية، التي بات فيها تحقيق الذات حلما من الأحلام بعيدة المنال، كما هو الحال بالضبط بالنسبة لحلم الشقرات؛ فكلاهما يتواجد في بعد مختلف.

أكاديمية مصرية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية