حلم بالحياة يقود إلى الموت: عام آخر يسجل أرقاما قياسية جديدة في قضية الهجرة غير النظامية

نسرين سليمان
حجم الخط
0

طرابلس ـ «القدس العربي»: «حلم بالحياة يقود إلى الموت» هكذا تلخص مسيرة المهاجرين غير النظاميين الذين خاطروا بحياتهم سعيا لمكان ومعيشة أفضل فوجدوا جثثا هامدة قادها البحر إلى شاطئ النجاة بعد فوات الأوان، أو وجدها خفر السواحل بعد أن لفظت أنفاسها الأخيرة.

أطفال ونساء ورجال بمختلف فئاتهم العمرية، ما زالوا يقعون وبشكل يومي ضحية لقوارب الموت ولتجار البشر الذين لا هم لهم سوى جمع الأموال على حساب حياة الآلاف.
لم يكن عام 2021 مختلفا عن الأعوام السابقة في القضايا الإنسانية وخاصة فيما يتعلق بالهجرة غير النظامية، حيث لم تقنن جائحة كورونا من أعداد المهاجرين ولم تمنع نشاط تهريب البشر وكانت الأوراق والإحصائيات التي أشرفت على إعدادها المنظمات الدولية خير دليل وشاهد.
منظمة الهجرة الدولية وفي وثائق حصلت صحيفة «القدس العربي» على نسخة منها أعلنت عن وفاة أكثر من 4470 مهاجرا على طول طرق الهجرة المختلفة في جميع أنحاء العالم خلال العام 2021 مقارنة بـ 4236 مهاجرا في عام 2020. هذا العدد المسجل يرفع إجمالي حالات الوفاة المسجلة بين المهاجرين منذ العام 2014 إلى أكثر من 45 ألفا و400 حالة وفاة.
وقالت المنظمة في تقريرها أنه وعلى الرغم من الدعوات المتكررة لاتخاذ إجراءات ملموسة للحد من الخسائر المأساوية في الأرواح أثناء رحلات الهجرة في جميع أنحاء العالم كل عام، فقد تجاوز عدد القتلى في عام 2021 حوالي 4470 مهاجرا، وضربت المنظمة المثل بمقتل العشرات إثر تحطم شاحنة مكتظة بالمهاجرين في تشياباس بالمكسيك .
وفي عام 2020 وصل عدد الوفيات بين المهاجرين على الصعيد العالمي 4236 حالة. وتم تسجيل أكثر من 45.400 حالة وفاة في جميع أنحاء العالم منذ العام 2014 حسب مشروع «المهاجرين المفقودين» التابع لمنظمة الهجرة الدولية.
وأضافت المنظمة في تقريرها «أنه بالنظر إلى الحوادث المميتة التي لا يتم تسجيلها غالبا إلا بعد أسابيع أو أشهر، فمن المرجح أن يكون العدد النهائي في عام 2021 أعلى من ذلك بكثير».
وقال فرانك لاشكو، مدير مركز تحليل بيانات الهجرة العالمية التابع لمنظمة الهجرة الدولية، أن «كوفيد-19أدى إلى انخفاض غير مسبوق في التنقل البشري، لكن مشروع المهاجرين المفقودين لا يزال يوثق الوفيات كل يوم تقريبا».
وتابع أنه «على الرغم من أن عشرات الدول قد التزمت بالاتفاق العالمي للهجرة، إلا أن القليل منها شارك في الهدف الثامن المتعلق بإنقاذ الأرواح وتأسيس جهود دولية منسقة بشأن المهاجرين».
أما عن التوزيع الجغرافي لأماكن وفاة هؤلاء المهاجرين فقد قالت المنظمة أن أعداد الوفيات وحالات الاختفاء تزايدت من خلال العديد من طرق الهجرة في جميع أنحاء العالم خلال العام 2021 بما في ذلك في أوروبا والأمريكيتين.
حيث كشفت المنظمة عن بلوغ عدد الوفيات المسجلة على طرق الهجرة إلى أوروبا وداخلها 2720 حالة، وهو ما يجعل العام الحالي الأكثر دموية في المنطقة منذ عام 2018. وتابعت أن معبر وسط البحر المتوسط أودى بحياة ما لا يقل عن 1315 شخصا حتى الآن هذا العام، بينما لقي 937 شخصا على الأقل مصرعهم على طريق المحيط الأطلسي إلى جزر الكناري الإسبانية، وهو أكثر من أي عام سابق خلال عقد من الزمان على الأقل، بحسب منظمة الهجرة الدولية.
أما عن الحدود البرية بين تركيا واليونان، فكشفت المنظمة عن زيادة في الوفيات في العام 2021 حيث فقد ما لا يقل عن 41 شخصا، أي أكثر من أي عام باستثناء عام 2018 حين تم تسجيل وفاة 59 شخصا. وأشار البيان، إلى تسجيل 21 حالة وفاة على الحدود البيلاروسية مع الاتحاد الأوروبي في عام 2021 على الرغم من عدم توفر بيانات رسمية.
وتقدر المنظمة الدولية للهجرة، في تقرير الهجرة العالمية لعام 2022 أنه كان ثمّة ما يقرب من 281 مليون مهاجر دولي في عام 2020 وهو ما يعادل 3.6 في المئة من إجمالي سكان العالم.
ويقارن العدد بـ272 مليون مهاجر على مستوى العالم في 2019 كانوا يمثلون 3.5 في المئة من سكان العالم.
ويفوق العدد بواقع 200 مليون، أرقام 1970 عندما أُحصي 84 مليون مهاجر دولي كانوا يمثلون 2.3 في المئة من سكان العالم.
لكن منظمة الهجرة أكدت أنه لولا الجائحة التي عقدت بدرجة أكبر تنقل الناس بين الحدود، لسُجل مليونا مهاجر إضافيين العام الماضي.
وقال مدير عام منظمة الهجرة أنتونيو فيتورينو في بيان «نشهد مفارقة لم نر مثيلا لها في تاريخ البشر».
وأوضح «فيما أوقف كوفيد-19 حركة مليارات الأشخاص، فإن عشرات الملايين غيرهم نزحوا داخل بلدانهم».
وجاء في تقرير المنظمة أن كوفيد-19 عمل بمثابة «معرقل كبير» للهجرة والتنقل حول العالم.
وفي بيان للولايات المتحدة بمناسبة اليوم العالمي للهجرة شددت على الحاجة إلى تنظيم الهجرة غير النظامية، التي تعرض المهاجرين لعمليات تهريب خطيرة والإتجار بالبشر.
وفي الوقت نفسه، قالت الولايات المتحدة «نشجع الحكومات على تحسين مسارات الوصول إلى فحص الحماية الدولية، وتعزيز قدرتها على اللجوء، وتحديد ضحايا الإتجار بالبشر ومساعدتهم، ودعم إعادة إدماج المهاجرين العائدين، وتوسيع المسارات القانونية البديلة «.

مسارات الهجرة

وبمناسبة اليوم العالمي للهجرة، أصدرت وحدة الدراسات والبحوث بمؤسسة ملتقى الحوار للتنمية وحقوق الإنسان، تقريرا بعنوان «مسارات الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا».
وأكد التقرير، أنه نظرا لتكرار زيادة ظاهرة الهجرة إلى القارة الأوروبية، تأسست بنية تحتية قوية للهجرة، وأصبح هناك مسارات متعارف عليها يستخدمها المهربون لنقل اللاجئين والمهاجرين غير الشرعيين.
ورصد التقرير في هذا المحور الطرق التي يسلكها المهاجرون غير الشرعيين إلى أوروبا خلال عام 2021 والضحايا التي خلفها كل طريق ومعاناة اللاجئين، وقد تناول ست مسارات رئيسية تحتوى على العديد من الطرق الفرعية، وكانت الست مسارات بالترتيب هي مسار جنوب البحر الأبيض المتوسط ومسار شرق البحر الأبيض المتوسط ومسار غرب البحر الأبيض المتوسط وغرب أفريقيا ومسار أوروبا الشرقية ومسار غرب البلقان ومسار فرنسا-انكلترا .
وذكر التقرير أن الاتحاد الأوروبي لكي يتصدى للهجرة غير الشرعية، اتخذ بعض السياسات، منها تدعيم وكالة الحدود وخفر السواحل الأوروبية «فرونتكس» في 2015 وإنشاء وكالة اللجوء في الاتحاد الأوروبي في كانون الأول/ديسمبر 2021 وتوقيع اتفاقيات ثنائية مع بعض دول المرور مثل تركيا وتوقيع اتفاقيات جماعية مثل اتفاقية برشلونة 1995.
وأختتم التقرير بالتأكيد على أن محاولة دول «الشنغن» الحد من ظاهرة الهجرة، فإنها تضع مسؤولية المهاجرين على الدول المجاورة، مما يضع هذه الدول في مأزق، ويجعل المهاجرين عالقين بينهم في ظروف إنسانية ومناخية بالغة الصعوبة من دون طعام أو شراب.
كما رصد التقرير الضوابط والسياسات التي تهدف لمنع الأشخاص عن الهجرة غير الشرعية والتي تؤدي إلى تحويل المهاجرين غير الشرعيين إلى أماكن عبور نائية أو نحو مكان آخر لعبور الحدود محفوف بمخاطر أكثر.
وبالحديث عن مسار البحر المتوسط وتحديدا إيطاليا على سبيل المثال أعلنت الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل «فرونتكس» أن هناك زيادة كبيرة للهجرة غير الشرعية نحو شواطئ إيطاليا، مشيرة إلى أن شهر تشرين الأول/أكتوبر الماضي شهد وصول أكثر من 6 آلاف و240 مهاجرا بزيادة بنسبة 186في المئة مقارنة بنفس الشهر من عام 2019.
ووفقا لوكالة الأنباء الإيطالية، قدرت الارتفاع في التدفقات في ذات الشهر بنسبة 85 في المئة مقارنة بعام 2020 حينما كانت القيود الناجمة عن جائحة وباء كورونا، كما أفادت «فرونتكس» بأن الفترة بين كانون الثاني/يناير وتشرين الأول/أكتوبر من عام 2021 سجلت السلطات وصول حوالي 55 ألف مهاجر غير شرعي على طول طريق وسط البحر الأبيض المتوسط ، المؤدي إلى السواحل الإيطالية وتحدثت الوكالة الأوروبية عن وصول عدد متزايد من المهاجرين إلى إيطاليا عن طريق البحر.

انتهاكات مروعة

ولم يكن عام 2021 خاليا من الأحداث المروعة والتقارير الصادمة عن الانتهاكات في حق فئة المهاجرين غير النظاميين، بل تحدث عدد من التقارير لمنظمات دولية عن جرائم قتل وتعذيب خارج إطار القانون لهذه الفئة تحديدا . حيث قالت منظمة العفو الدولية في تقرير صدر في منتصف العام، إن أدلة جديدة على الانتهاكات المروّعة ومن بينها العنف الجنسي ضد الرجال والنساء والأطفال الذين اعتُرض سبيلهم أثناء عبور البحر الأبيض المتوسط وأعيدوا قسراً إلى مراكز الاحتجاز في ليبيا تسلط الضوء على العواقب الرهيبة لتعاون أوروبا المستمر مع ليبيا بشأن مراقبة الهجرة والحدود.
وأوضح التقرير أنه منذ أواخر 2020 شرّع جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في ليبيا وهو إدارة تابعة لوزارة الداخلية رصد الانتهاكات من خلال دمج مركزيْ احتجاز جديدين في بنيته، حيث اختفى المئات من اللاجئين والمهاجرين قسراً في السنوات السابقة على أيدي التشكيلات المسلحة، وفي مركز أُعيد تصنيفه حديثاً قال الضحايا إن الحراس اغتصبوا النساء وعرّضوهن للعنف الجنسي، بما في ذلك إرغامهن على ممارسة الجنس مقابل الطعام أو حريتهن.
وكشف التقرير أنه في النصف الأول من عام 2021 أعيد أكثر من 7000 شخص قسراً إلى مركز المباني ممن تم اعتراض سبيلهم في عرض البحر. وأبلغ المحتجَزون هناك منظمة العفو الدولية أنهم واجهوا التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة، وأوضاع الاحتجاز القاسية واللاإنسانية، والابتزاز، والعمالة القسرية. كذلك ذكر بعضهم أنهم تعرضوا لعمليات تفتيش تضمنت تجريدهم من ملابسهم وانتهكت خصوصياتهم، واتسمت بالإذلال، والعنف.
وبين كانون الثاني/يناير وحزيران/يونيو 2021 اعترض خفر السواحل الليبي المدعوم من الاتحاد الأوروبي سبيل حوالي 15000 شخص في عرض البحر وأعادوهم إلى ليبيا وهذا العدد يفوق عدد عام 2020 بأكمله، وذلك خلال ما يصفونه بمهمات «إنقاذ».
كما اعترفت وكالة الحقوق الأساسية التابعة للاتحاد الأوروبي في تقرير نشرته هذا العام باستمرار عمليات صد المهاجرين على حدود الاتحاد والانتهاكات والظروف الصعبة في مراكز الاحتجاز والاستقبال.
وأشار تقرير للوكالة إلى تواصل عمليات صد المهاجرين التي تشمل استخدام العنف، إضافة إلى احتجاز قاصرين قادمين من دون مرافق أو مع أسرهم بحثا عن اللجوء، في مراكز توقيف في كل من بلغاريا، وكرواتيا، وقبرص، وفرنسا، واليونان، وبولندا. ولفت إلى المشاكل التي يواجهها مهاجرون في إيطاليا حيث يتم إرغامهم على البقاء في سفن بعد إنقاذهم عوضا عن نقلهم لليابسة بذريعة الحجر الصحي على خلفية جائحة كورونا.
أما في مالطا فأشار التقرير إلى تأخر عمليات البحث والإنقاذ، وحدوث ادعاءات بإرغام مهاجرين على العودة في مياه البحر، وتعرض مهاجرين للعنف في مراكز الاحتجاز قبل ترحيلهم.
وفي نفس السياق، أكد التقرير استمرار الازدحام في مراكز إعادة المهاجرين بقبرص، وحرمان الأشخاص القابعين فيه من حريتهم فعليا.
كما لفت إلى قيام أكثر من 400 مهاجر بإضراب عن الطعام في بلجيكا لأسابيع، وازدياد المخاطر التي تعترض المهاجرين الذين يحاولون العبور من فرنسا إلى بريطانيا عن طريق البحر.
وكانت منظمة العفو الدولية أكدت في تقرير أصدرته في 23 حزيران/يونيو المنصرم، أن إرغام المهاجرين على العودة إلى تركيا بات سياسة حدودية فعلية لليونان. وأكدت استمرار اليونان في ممارسة التعذيب والمعاملة السيئة تجاه المهاجرين ودفعهم للعودة إلى تركيا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية