ينذر توسيع العملية العسكرية في رفح بتصعيد سريع وكارثي للمنحى الإبادي ضمن الحرب الحالية؛ كما ينذر التوسيع بخروج الأوضاع عن السيطرة على جبهة الشمال والقفز مباشرة من حرب الاستنزاف المتواصلة منذ الخريف الماضي، حرب المشاغلة في موازاة الميدان الرئيسي للمواجهة والمقتلة، إلى الحرب الكلّية التي من شأنها أن تفتح الطريق بالفعل إلى عصر جديد من إعادة رسم الخرائط في المنطقة.
أيضاً، ومهما كان الرأي في النظام الحاكم في مصر والسقف المنخفض للغاية، المكبّل به أساساً نظام الضباط بنتيجة أنه تدوير وإعادة تدوير لواقعة هزيمة 5 يونيو 1967 إلا أن التدمير الكامل لمقوّمات الاستمرار في الحياة بالنسبة لمئات آلاف الفلسطينيين في القطاع هو كارثة سترتد بشكل مباشر ووخيم على الأمن القومي المصري.
اجتماع كل نُذُر الشؤم منذ السابع من الشهر الحالي لا يعني في الوقت نفسه أنّ هذا المنحى لا رادّ له، ولا تعترضه عراقيل أو تتفجّر من تحته التناقضات.
حزب الله وغريزة البقاء
فالحرب الكلية مع حزب الله يمكن أن تحدث أو لا تحدث، وإن كان هشّاً التعويل على أنها لن تحصل لأنها حتى الآن لم تحدث بمعناها التدميري الشامل واللامضبوط. هذا تعويل على «العادة» وتكرار المشهد منذ أشهر، لكنه تعويل تعوزه الحجة. هو أقرب ما يكون إلى محاولة نفسية لطمأنة الذات مما تخبيه لها الأيام الآتية. لا يمكن البناء حصراً على هذا التعويل. بل لا يمكن تحاشي الحرب الكلية انطلاقاً من الاطمئنان إلى هذا الافتراض. لرفع حظوظ تفادي الحرب الكلية بين حزب الله والإسلاميين السنة اللبنانيين والفلسطينيين من جهة وبين إسرائيل ينبغي الاقتناع بأنها أكثر من ممكنة. بالتوازي، مراقبة تطور الأوضاع في الداخل اللبناني لا يمكن الاستعاضة عنه بالتهوين على النفس بأن الأوضاع محكومة بالرتابة والمراوحة ليس إلا. شعور أخصام «حزب الله» في الداخل اللبناني بأن المحور الإقليمي الذي ينتمي إليه الحزب يتعرّض لضربة قاسية له على مستوى الإقليم، ستجعلهم يبنون على الشيء. والحزب استباقي لهكذا وضع إذا ما استندنا إلى الكيفية التي يعبّر فيها عن غريزة بقائه منذ عقود. الحرب الكلية بينه وبين إسرائيل سيترتب عليها اتساع الشقاق الأهلي الداخلي. هذا في وضع لم ينجح فيه «السياديون» المسيحيون في فهم كيفية التواصل مع السنة والدروز في مرحلة ما بعد انفراط عقد تحالف 14 آذار.
كذلك المواجهة المحدودة والمباشرة بين إسرائيل والمصريين يمكن أن تحدث أو لا تحدث. لكن في الحالتين ثمة انعكاسات ليس سهلا تدبرها سواء بالنسبة إلى النظام، أو بالنسبة إلى نموذج الدولة نفسه، في مصر.
وكذلك العملية البرية في رفح يمكن أن تصطدم بعوائق تحول دون ترجمة قرار توسعة نطاقها بالشكل الذي يتوخاه الأكثر تطرفاً في الجيش الإسرائيلي. ولو أن إسرائيل تعوّل الآن على جهوزية أقل لفريق جو بايدن على الدخول في تمارين ضغط قاسية عليها، بما أننا دخلنا عملياً في موسم الرئاسيات الأمريكية.
يبقى أنه، وكل حالة من هذه الحالات ثمة كلفة، وأثمان يتكبدها بالدرجة الأولى أصحاب الرهانات اللامتحسبة. السيناريوهات الأبعد عن المشاهد الأبوكاليبسية من سواها هي أيضاً لها أكلافها، وهذه الأكلاف لن توزع بالتساوي على القوى المختلفة.
الهولوكوستات المتراكمة
عند هذا المفترق يتحوّل الحذر والتحسب إلى فضيلتين عمليتين أساسيتين سواء بالنسبة إلى المراقبة والتحليل والاستشراف أو بالنسبة إلى الموقف وتماسكه والسؤال عن أثره. الإدارة الأمريكية حتى الساعة لا تزال في تصريحات لرسمييها تظهر عدم تثبت لديها إذا كانت إسرائيل بالفعل قد دخلت في لحظة هجوم واسع النطاق ومصمّم للمضي حتى النهاية في رفح، كما أن هذه الإدارة ترفع نسبياً من وتيرة الانتقادات «الإنسانوية» للجيش الإسرائيلي، وإذا كان البناء على ذلك غير مجد في اللحظة الراهنة فإنه يعكس قلقاً أمريكياً من أن تتسبب الحرب الإسرائيلية على غزة في التعكير على المصالح الحيوية الأمريكية نفسها في المنطقة. فرنسا سارعت في المقابل في الطلب من إسرائيل وقف العملية على رفح. هكذا موقف لن يتكفل لوحده في إيقاف الهجوم، لكنه أيضاً مؤشر إلى عدم قدرة عدد من البلدان الغربية دوام تكذيب القضية التي رفعتها جنوب أفريقيا والمتصلة بقيام إسرائيل بجرائم إبادة في قطاع غزة.
في الأشهر الماضية حدث متغير على مستوى تراجع المحظور الذهني – النفسي الذي يحول دون رفع التوصيف الإصطلاحي للجرائم التي يرتكبها جيش الاحتلال. يمكن هنا احتساب عنوان كتاب جيل كيبيل الأخير كمؤشر. اختار عالم السياسة الفرنسي، المرجعي في دراسات الشرق الأوسط المعاصر وحول الإسلام السياسي وأوضاع المسلمين في الغرب عنوان «هولوكستات» بالجمع لكتابه الصادر في اذار/مارس الماضي، والذي يفترض أن أنجز قبل ذلك بفترة، ما يعني أن المنحى الإبادي في الحرب الحالية حين إنجاز الكتاب لم يصل إلى الجذرية الذي يتخذها اليوم. جمع كيبيل كل من عملية طوفان الأقصى والرد الإسرائيلي عليها ضمن إطار هولوكوستات بالجمع، بالجملة. ذكّر بأن المصطلح يعني بالأساس التضحية القربانية الدينية التي تحرّق فيها الأضحية حتى تبتلعها تماماً ألسنة النار. في الوقت نفسه ميّز كيبيل بين نموذج «الافناء الكلي» كما في حال الهولوكوست – الشووا لابادة يهود أوروبا على يد ألمانيا النازية وبين الهولوكوستات المتعاقبة منذ 11 ايلول/سبتمبر 2021 والمتنقلة. في المجال الغربي، وفي الشروط الحالية، سيزعج هذا الكلام أنصار إسرائيل أكثر بكثير مما سيزعج المناصرين للقضية الفلسطينية. فمؤدى هذا الكلام إدماج جيش «تساحال» مع تنظيمي القاعدة وداعش في بوتقة واحدة.
ظهّر كيبيل عدداً من التناقضات التي تعيشها إسرائيل اليوم وليس أقلها أن الشخص الذي قاد لسنوات طويلة سياسة ترمي إلى تسهيل الأمور لصالح «حماس» من أجل أضعاف السلطة الفلسطينية والذي بنى حساباته في الوقت نفسه على قناعة حماس بإمارتها على غزة، هو نفسه الآن الذي يقود الحرب، من دون أي أفق فعلي غير الثأر المتمادي، الثأر من «هولوكست» بهولوكوست مضاعف عشرات المرات، مسوغاً ذلك بأنه لتفادي الوقوع مجدداً في هولوكست افنائي لليهود يقارن بإبادتهم على يد ألمانيا النازية.
الحرب الدائمة
المفارقة نفسها يعرّج عليها المؤرخ الإسرائيلي «ما بعد الصهيوني» طوم سيغيف في مقالته «حرب إسرائيل المؤبدة» في عدد «الفورين افيرز» لهذا الربيع. بالنسبة إلى سيغيف لا يمكن القفز على الوقائع التي تفيد بأن سياسات نتنياهو عززت سلطة حماس في غزة وعولت بشكل خاطئ على تأطير هذه الحركة. وبالتالي أن يعطي مجتمع ما لهذا الشخص مشروعية قيادة الحرب يدل على مشكلة فعلية. لا تقاد الحرب في العادة على أساس أن من تسبب بها بأخطاء التقدير المتراكمة ينبغي أن يعطى فرصة من خلالها لتصليح خطأه. نتنياهو يحب إلقاء اللوم على ارييل شارون، لأنه اتخذ عام 2005 قرار الانسحاب الأحادي من القطاع، لكن نتنياهو هو الذي قاد سياسة «برطلة حماس» كما يسميها طوم سيغيف، والحرب الحالية هي نتيجة لسنوات طويلة من تعويل نتنياهو على هذه الاستراتيجية. هل انتقل الآن إلى استراتيجية أخرى أو إلى العدول عن كل استراتيجية؟
يعيدنا سيغيف هنا إلى تجربة مئة عام من هذا الصراع. فمنذ اليوم التالي للحرب العالمية الأولى وديفيد بن غوريون مقتنع بأن هذا الصراع بين العرب واليهود على أرض فلسطين هو في الواقع بلا حل. ويرى سيغيف أنها قناعة راسخة شاملة لم يشذ عنها أحد تقريباً في تاريخ الييشوف (مجتمع ما قبل إقامة الدولة) وإسرائيل. صراع بلا حل. الفارق أن القناعة بأنه صراع بلا حل ترافقت مع رؤى وخطط لإدارة هذا الصراع المستدام. نتنياهو المؤمن بشكل أكثر أيديولوجية من سواه، كونه تلميذ روحي لزئيف جابوتنسكي من أن هذا الصراع بلا حل، عوّل في الوقت نفسه على تجاوز منطق إدارة الصراع، مرة بالتعويل على الصلح مع عدد من الدول العربية أيام إدارة دونالد ترامب، والآن بالتعويل على الثأر المتواصل من الفلسطينيين في قطاع غزة. لكن الصراع قبل هذه الحرب وبعدها سيبقى بلا حل. الإجابة التي يقدّمها سيغيف لذلك لا تبدو كافية. لكنها تعكس بالفعل الخلاصة التي توصل إليها بعد كل أبحاثه وكتبه وتفاعلاته مع تطورات الصراع. إذ يرى سيغيف بأن السبب الرئيسي لاستدامة الصراع بين العرب واليهود على أرض فلسطين «لا هو لا القمع الإسرائيلي ولا الإرهاب الفلسطيني، وإنما اتفاق الطرفين على عدم قابلية هذه الأرض للقسمة» ومن ثم حول هذا الاتفاق إلى القالب الذي سكبت به الهويتان الجمعيتان، الفلسطينية والإسرائيلية. اللافت هنا أن سيغيف يقطع الطريق على حصر الحرب الحالية بين حماس وبين إسرائيل. هي، بالاتكاء على منطقه، حرب بين شعبين لا تتحرك الحرب بين إسرائيل وحماس إلا ضمنها، وان كانت هذه لا تختصر تلك. المشكلة الأكبر في المقابل أن سيغيف لا يرى من سبب للصراع المستدام هذا إلا اللاعقلانية. ليس معنى هذا أن اللاعقلانية غائبة، لكن من اللاعقلاني تفسير مئة عام من تاريخ فلسطين والمنطقة بها ليس إلا. العقلاني في المقابل هو إدراك طوم سيغيف أن إيجاد «حل للصراع» لم يكن يوماً إلا تغطية على قناعة راسخة بأن صراعا، في الشكل الذي تطور فيه، هو بلا حل. هذا بخلاف المسلّمة العقلانية – التنويرية التي انبنت على أنه ما من سؤال إلا وله إجابة، ما من مشكلة إلا ولها حل. وإسرائيل حين تقتحم رفح، فهي تريد في الوقت نفسه إنهاء الصراع وإبادة كل حل لهذا الصراع.