يعلو صوت المعركة الدائرة في قطاع غزة منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر الماضي على ما سواه، لكن من شأن حسن الإنصات والانتباه أمام هذه الجلجلة العظيمة، الإخبار عن عناصر وعوامل تنضج تدريجيا، وأنها ستترك آثارا مباشرة على حركة حماس الإسلامية التي تحمل راية الفلسطينيين ضد الاحتلال الإسرائيلي في هذه المواجهة الكبرى. وإن لم تضع الحرب أوزارها بعد، فأنه يصعب كذلك تجاهل ما ستتركه أشهرها اللاهبة حتى الآن.
ومثلما أصبحت المعركة مواجهة غير مسبوقة، بتأثيرها المدمرعلى الإنسان والمكان، في تاريخ الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، فإنه من المنطقي الانتباه أيضا أنها تغير، وستغير لاحقا في سياسات وتوجهات أطراف الصراع الرئيسية، لاسيما حركة حماس التي رمت بكل ثقلها وتصدرت الطرف الفلسطيني في هذه المرحلة المصيرية من تاريخ القضية الفلسطينية. وفي المقابل ما زالت السلطة الفلسطينية التي تقود منظمة التحرير الفلسطينية قائمة، ولكن يبدو انه سيكون عليها أيضا التعامل مع حماس جديدة غير تلك التي عرفتها واختلفت معها حتى السابع من أكتوبر الماضي.
كل العيون شاخصة الآن باتجاه المقاومة الفلسطينية في غزة، حيث أحالت إسرائيل بمشاركة مباشرة من إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن قطاع غزة إلى مكان غير قابل للعيش الآدمي، مع توقعات في ان يرتفع عدد ضحايا العدوان، بين شهيد ومصاب وجريج ومفقود، إلى مستوى 100 ألف إنسان، وهو رقم يوازي عدد المئة ألف تقريبا من فلسطيني وعرب، والذين قضوا في المواجهات مع إسرائيل والعصابات الصهيونية منذ قيام إسرائيل وقبل ذلك بقليل عام 1948.
ومع الترجيحات بالتوصل إلى وقف إطلاق نار في غزة مع نهاية العام الحالي، أو بداية العام الجديد، فأنه لا مؤشر كذلك ان تتمكن إسرائيل من تحقيق أي من أهدافها المعلنة المتمثلة في تحرير الرهائن المحتجزين لدى المقاومة، ولا في تدمير حركة حماس. أكثر من هذا، فأن إسرائيل ستغادر أرض المعركة وقد تكبدت أكبر خسائر بشرية واقتصادية في تاريخها، فضلا عن الأذى الذي لحق بها، وهو في تزايد، أمام الرأي العام العالمي بالرغم من عدم قدرته على ردعها.
وهناك أيضا في ميزان التأثيرات المتوقعة، سلبا وإيجابا، على حركة حماس، ما حققته المواجهة الحالية في إعادة القضية الفلسطينية على سلم أولويات العالم، بعد أن كادت تتوارى خلال السنوات العجاف من عمر اتفاق أوسلو، ومن تمكن إسرائيل من اختراق عواصم إسلامية وعربية باتفاقات تطبيع مباشرة وعلنية، أو من خلال تفاهمات أخرى غير معلنة.
تربعت حماس بعد هجوم السابع من أكتوبر على عرش تمثيل الفلسطينيين معنويا في فلسطين وفي الشتات، وقد أشارت آخر الاستطلاعات إلى ذلك بوضوح، وبالتحديد ان شعبيتها صعدت حتى في قطاع غزة في أوج احتدام القتل والتدمير. بيد أن تحول هذه الشعبية العارمة المعنوية الحالية يلزمها تحقيق شروط والإجابة على أسئلة صعبة تطرحها هذه المرحلة الدقيقة من عمر الفلسطينيين وتفرضه قضيتهم نحو التحرر والاستقلال في ظل هذه الظروف القاسية.
تظهر مختلف المؤشرات ان إسرائيل ستدفع ثمنا سياسيا وانها ستضطر إلى تقديم تنازلات على طريق التوصل إلى تسوية سياسية مع الفلسطينيين، وانه سيصعب العودة إلى اتفاق مشابه لاتفاق أوسلو، الذي لا تعترف به حكومات اليمين في إسرائيل، لكن الإدارة الأمريكية شريكها الاستراتيجي، أعلنت انه لا بديل عن تسوية للصراع. وبالفعل ان إدارة الرئيس بايدن استبقت الأمر، على الأغلب باتفاق مع إسرائيل وتعاون بريطاني، وشرعت بالفعل بالعمل مع السلطة الفلسطينية في رام الله على إطار عملي لهذا المقترح.
ثمة الكثير الذي يتوبجب على حماس التعامل معه واتخاذ قرارات بشأنه، قرارات ستترك بلا شك أثرا كبيرا على ملامح حماس التي ستظهر بعد توقف النيران في غزة.
يتعين على حماس، المقاومة في غزة، الدخول في مفاوضات صعبة ودقيقة والتوصل إلى صفقة أساسها تبادل الرهائن الإسرائيليين، من عسكريين ومدنيين، الذين تحتجزهم في غزة. وهي مفاوضات ستكون بمثابة صورة أولية لما ستكون عليه حماس السياسية من خلال ما ستتمكن المقاومة من تحقيقه في مثل هكذا صفقة. وسيدلل انتصار ممكن للمقاومة في هذه الصفقة على طبيعة حماس وقدراتها على التأثير في شكل التسوية السياسية التي استبقت الإدارة الأمريكية العمل عليها مع السلطة الفلسطينية.
وكذلك، فإن الحال الهالك الذي آل إليه قطاع غزة بفعل التدمير الإسرائيلي سيلقي بظلاله على قرارات حماس، إذ ستعمل إدارة بادين تحديدا وبقدرة تأثيرها على المنطقة والعالم على تحويل الوضع الكارثي في غزة إلى ضغوط إضافية على الفلسطينيين عموما، وعلى حماس والمقاومة بشكل خاص. لا أحد يعرف بالتحديد حجم الكارثة التي ألحقها العدوان الإسرائيلي بقطاع غزة، مكانا وبشرا. وليس من المستبعد أبدا ان تستغل إسرائيل وأمريكا هذا الوضع للضغط على الفلسطينيين من أجل تغيير أولوياتهم من سياسة سيادية مصيرية إلى إنسانية إغاثية ملحة.
استخدمت إسرائيل بمساعدة الولايات المتحدة مثل هذا العامل مرارا، مباشرة بعد قيام إسرائيل وعندها لم يكن للفلسطينيين قيادتهم المستقلة، واستخدمته أيضا بعد حرب عام 1967 ونجحت في إبقاء مستوى وضع الفلسطينيين عند حالة لاجئين، ومن ثم استخدمته بعد انتفاضة الحجارة عام 1987 من خلال ضغوط على منظمة التحرير بعد محاصرتها في الخارج إثر خروجها من بيروت، حتى اضطرت أخيرا للاعتراف بإسرائيل وتوقيع اتفاق أوسلو والقبول بالحكم الذاتي في قطاع غزة والضفة الغربية.
الفلسطينيون على مفترق طريق
اليوم يقف الفلسطينيون على مفترق طريق مماثل، أكثر دموية وخرابا وتدميرا، وفي ذات الوقت أكثر ضربا وإيلاما للاحتلال الإسرائيلي، وهو كذلك يبدو واعدا في قدرتهم على التصدي لإسرائيل ومخططاتها للتخلص منهم نهائيا. على حماس ان تتخذا قرارا مصيريا جديدا يخرج من رحم هذا التراكم الجديد الممزوج بالأمل والقلق أيضا.
وقد تكون تصريحات رئيس المكتب السياسي لحركة حماس اسماعيل هنية، الأخيرة مدخلا للمقاربة الجديدة التي ستكون عليها حماس بعد ان تخمد نيران المعركة. وقال هنية إن “أي ترتيبات بغزة دون حماس وفصائل المقاومة هي وهم وسراب” مشددا في الوقت ذاته على انّ الحركة منفتحة على نقاش أي أفكار أو مبادرات يمكن أن تفضي إلى وقف العدوان، ربما تدلل كلمة “انفتاح” في تصريح هنية على بعض من شكل التغيير المحتمل لحماس.
وكان لافتا أيضا ما قاله عضو المكتب السياسي لحركة حماس موسى أبو مرزوق، في تصريحات صحافية يتوافق مع ذلك أيضا. وقال أبو مرزوق في تصريح لموقع “المونيتور” انه ينبغي على حماس الاعتراف بإسرائيل والانضمام إلى منظمة التحرير الفلسطينية. وان حاول أبو مرزوق لاحقا القول انه اسيئ فهم تصريحاته فإنه لم ينفها في واقع الأمر. وكتب لاحقا في تغريدة “اؤكد أن حركة حماس لا تعترف بشرعية الاحتلال”.
تتواصل المعركة، ويتواصل سفك الدم وتزيد معاناة الفلسطينيين الذين أبدوا مرة أخرى بسالة وصمودا أسطوريين، وكما خاضوا هذه المعركة على طريق التحرر والاستقلال وحيدين، إلا من أصوات حرة داعمة ومتضامنة عاجزة عن التأثير، فإن حماس تدرك أكثر من غيرها، أو على الأقل مثل أقرانها الذين سبقوها في مضمار مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، أن المعركة السياسية المقبلة التي ستترك آثارها على وجهها الذي نعرف، لن تنزف دما ودمارا، بل ان خوضها والانتصار فيها يجب ان يليق بمثل هكذا تضحيات.