«لإسرائيل في الأمم المتحدة احترامٌ صامت وعدائيةٌ علنية مستمرة» هذا اقتباس اختزل تجربة ثلاثة سفراء إسرائيليين سابقين لدى الأمم المتحدة. تجربتهم تلك كانت محور نقاش جاء في إطار تكريمهم في الخامس من كانون الأول/ديسمبر 2017 من قبل معهد «واشنطن لسياسة الشرق الأدنى» والدبلوماسيون الثلاثة هم، دوري غولد ودان غيلرمان ورون بروسور، وجرى حفل التكريم، الذي أقيم في مدينة نيويورك، عشية الذكرى السبعين للمصادقة على خطة تقسيم فلسطين الصادرة عن الأمم المتحدة، التي لم تفرز سوى إسرائيل حتى الآن.
قبل أيام، وفي ذروة العدوان الإسرائيلي الحالي على قطاع غزة، استغرب أحد هؤلاء السفراء السابقين، دان غيلرمان، الاهتمام العالمي بالشعب الفلسطيني. وقال في مقابلة مع محطة «سكاي نيوز» البريطانية «إنني مندهش من القلق المستمر الذي يظهره العالم، وكذلك المملكة المتحدة، تجاه الشعب الفلسطيني» وأضاف «في الواقع، هذه الحيوانات الفظيعة والمجردة من الإنسانية، ارتكبت أسوأ الفظائع التي شهدها عصرنا وأسوأ الفظائع التي عانى منها اليهود منذ المحرقة» على حد وصفه.
تحدث غيلرمان بكل ثقة، بالثقة نفسها التي خاطب فيها جلسات صاخبة عقدتها هيئات المؤسسة الدولية التي طالما أوسعت إسرائيل شتما ونقدا لاذعا، وذهب الاحتلال في كل مرة منها منتصرا قويا. فكلماته وهي ذات التعابير التي يرددها غالبية المسؤولين الإسرائيليين، سابقين وحاليين، وجدت دوما ترجمتها العملية على أرض الواقع من خلال القتل والتدمير والترويع الذي يمارسه الاحتلال هذه الأيام في غزة والضفة الغربية، ولم يتوقف عن تنفيذه على مدار أكثر من قرن من الزمان.
على العكس تماما، جاء قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين، وما تبعه كذلك من مئات القرارات التي أقرتها هيئات ومنظمات المؤسسة الأممية. بقيت القرارات الدولية حبرا على ورق، ولم تتمكن يوما من القفز فوق إسرائيل، ودفعها للاستكانة وتطبيق الشرع الدولي المعلن. وحتى «أوسلو» تلك المعاهدة اليتيمة التي خطت بنودها بالسر، بعيدا عن الهيئات الدولية المشاغبة، وتم تنفيذها لأول مرة في تاريخ الصراع، لم تنجح وحسب، بل حلت كابوسا آخر على رؤوس الفلسطينيين.
وربما يكون قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الأخير، عندما صوتت 120 من الدول الأعضاء فيها بالدعوة إلى هدنة إنسانية فورية دائمة ومستدامة تفضي إلى وقف الأعمال العدائية وتوفير السلع والخدمات الأساسية للمدنيين في شتى أنحاء غزة فورا وبدون عوائق، مثالا قويا على «الاحترام الصامت» الذي تكنه المؤسسة الدولية لإسرائيل، وفق ما تؤكده تجربة الدبلوماسيين الإسرائيليين الثلاثة. لم يجد قرار الـ 120 دولة هذه أي ترجمة عملية، ظل حبرا على ورق. الترجمة العملية الوحيدة لهدنة مؤقتة، جاءت من خارج التجمع الدولي، وتمثلت بشكل أساسي بضغط مباشر من إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، الحليف والراعي الأول لإسرائيل، وبتعاون عملي من مصر وقطر. تحققت الهدنة المؤقتة بعيدا عن رأي المجتمع الدولي، ربما قريبة بعض الشيء من دعوته، ولكن كما تجلى، في التجربة الحالية ومثيلاتها السابقات، بعيدا عن خطابه وأفعاله.
الإفلات من العقاب والمحاسبة
ثمة رابط واضح وقوي، يمثل قاسما مشتركا أكبر ويمكن له وحده أن يفسر اندفاع وإصرار إسرائيل على تنفيذ ما تريده وما تراه مناسبا فقط لها، وليس لسواها وإن كان على حساب الآخرين دوما. الآخرون هنا هم بالمناسبة الفلسطينيون، وهو بدون شك الإفلات من العقاب والمحاسبة. وتاريخ إسرائيل بايذاء الفلسطينيين وانتهاك حقوقهم وإنسانيتهم، بين وقوي، وخال من أي حساب، ولا عقاب طبعا.
في عام 1948 دمرت إسرائيل وأبادت نحو 500 بلدة وقرية فلسطينية، وقتلت وجرحت آلافا، وارتكبت مجازر لم تكشف تفاصيلها حتى الساعة، وهجرت نحو 900 ألف فلسطيني ورمت بهم إلى مصير مجهول. في المقابل، رد العالم بتأسيس منظمة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» ولم يعد أحد منهم ولا من نسلهم. وعلى مدار سنوات شكلت لجان وهيئات تبحث في كيفية تعويض أو إعادة عدد من هؤلاء، تعويضات بعيدة وعودة لا تصيب إسرائيل، ولا خزينتها بأي ضرر.
وبعد 75 عاما على ذلك، عادت إسرائيل لتدمر المخيمات على رؤوس ساكنيها، ولاحقت كذلك «الأونروا» وقصفت مقراتها وقتلت موظفيها، كما تفعل في العدوان المتواصل على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر الماضي.
الضرر الوحيد، طال حياة اللاجئين الذين ظلوا يعيشون حياة بؤس ومعاناة، وسيطر الإسرائيليون على ممتلكاتهم وأراضيهم، في الوقت الذي واصلت فيه قصفهم وقتلهم في مخيمات اللجوء. وفي عام 1967 طردت إسرائيل مزيدا من الفلسطينيين، واستولت على ممتلكاتهم وانشأت مزيدا من المستوطنات على أراضيهم. في المقابل، لم يدع أحد إلى محاسبة إسرائيل، بل تم وصف مقاومة احتلالها بالإرهاب، ومارست الدول والهيئات الدولية ضغوطا على الفلسطينيين لنبذ المقاومة واختيار طريق المفاوضات والتسوية السياسية.
وفي حين وافق الفلسطينيون ودخلوا مرحلة الحكم الذاتي وفق اتفاق أوسلو، انتهى الأمر بان أعادت إسرائيل احتلال الضفة الغربية وعاثت دمارا وخرابا وقتلا وحاصرت الزعيم الراحل ياسر عرفات حتى استشهاده عام 2004. ودمرت وخربت مدارس ومشاريع تنموية اقيمت بتمويل دولي، ولم يتمكن أحد حتى من مجرد إثارة سؤال ونقاش محاسبة إسرائيل، ولا مجرد التلويح به.
وفي عام 2006 دخل الفلسطينيون مرحلة جديدة، أجروا انتخابات عامة فازت فيها حركة حماس. لكن ذلك لم يرق لإسرائيل ولا للعالم وعلى رأسه الولايات المتحدة، وكان القرار الدولي الجامع انه يتوجب محاسبة الفلسطينيين على ممارستهم للديمقراطية، وبالفعل حوصر الفلسطينيون ماليا وسياسيا وأجبروا على تنفيذ إجراءات لإصلاح فسادهم الذي تمثل في تنظيمهم لانتخابات حرة ونزيهة. ورفض العالم التعامل مع الحكومة التي شكلتها حركة حماس.
ومع الانسحاب الإسرائيلي الأحادي الذي تزامن توقيته مع الحصار الدولي على الفلسطينيين، تم دفع القضية الفلسطينية إلى الوراء، وانحصر التعامل معها في إطار إنساني بحت، وتلقت إسرائيل بالمقابل مكافأة كبيرة دسمة مع توقيع اتفاقات تطبع جديدة مع دول عربية وإسلامية وتلقيها كل التسهيلات اللازمة للاستفادة الاقتصادية والمالية.
ثم جاء السابع من أكتوبر، وقلبت معركة «طوفان الأقصى» الموازين، وأيقظت إسرائيل وحلفائها من غفلتهم عن ما فعلوه وصنعوه خلال السنوات الماضية. وكان الرد الإسرائيلي الغربي عنيفا قاسيا، غير مسبوق، أدى حتى الساعة إلى مقتل وجرح وفقدان نحو 50 ألف فلسطيني، وتدمير نحو 60 في المئة من مساكن ومرافق قطاع غزة، فضلا عن تخريب البنية التحتية بالكامل. لم يتبق مكان في غزة إلا وأصابه دمار وضرر، وما زالت إسرائيل تصر على تحويله إلى مكان غير قابل للعيش الآدمي.
ما زالت إسرائيل تعتقد ان العالم يمكنه أن يثير شغبا وصخبا وانفعالات حادة ضدها، وأن ذلك لن يضرها بشيء. وتدرك إسرائيل ان الكارثة الإنسانية التي تصنعها في قطاع غزة، ولن تتردد في تكرارها في الضفة الغربية ليست مسؤوليتها، بل انها شأن الآخرين. إنها تقع في نطاق مسؤولية تلك الدول التي تمثل مليارات من سكان الأرض وصوتت وتصوت دوما بغالبية كبرى تليق بأحجامها وقدراتها، لصالح إدانة دولة الاحتلال دون محاسبتها.