آنا برسكي
حماس تقرأ الصحف وتشاهد ندوات المحللين، ويستخلصون النتائج. ثبت هذا قبل زيارة ترامب إلى الشرق الأوسط. فداء الأسرى روى كثيراً عن أن المخربين لا يستهلكون إعلام حماس فقط، بل معه سلوك قيادتها وقرارات اتخذها مسؤولوها، وخطوات اتبعوها أو لم يتبعوها – تدل على أن تفسيرنا يأخذ تحليل حماس للواقع.
زيارة ترامب إلى دول الخليج الثلاث، والاستقبال المبهر، والكلمات التي قيلت والاستثمارات الكبرى في الاقتصاد الأمريكي، كل هذا العرض المدوي أدى بقيادة حماس إلى استنتاج معاكس للاستنتاج المرغوب فيه: إذا كانت أمريكا هجرت إسرائيل وانتقل انتباهها إلى عمالقة العالم العربي، فلماذا المسارعة إلى التنازل. تقدر إسرائيل أن ظروف تصفية محمد السنوار ورفاقه الآخرين في قيادة ذراعها العسكري لم تنضج صدفة في أثناء زيارة ترامب، وليس قبل نصف سنة أو شهر. من ناحية مسؤولي حماس، فإن مستوى الإسناد الذي تمنحه واشنطن لـ “القدس” [تل أبيب] هو أحد المقاييس المصداقة التي تبني عليها سيناريوهات الموقف.
سلوك ترامب في أثناء الزيارة – أقواله، تشديداته، سلم أولوياته – دفعت السنوار ورجاله للافتراض بأن الحرب إلى جانبهم، ولا ضير من تخفيف مستوى الحذر قليلاً.
سلوك ترامب في أثناء الزيارة – أقواله، تشديداته، سلم أولوياته – دفعت السنوار ورجاله للافتراض بأن الحرب إلى جانبهم، ولا ضير من تخفيف مستوى الحذر قليلاً
استنتجوا بأنه إذا لم تتجرأ إسرائيل على بدء القتال الشديد، مثلما وعدت قبل نحو شهر، لأن ترامب في المنطقة – فيمكن عقد جلسة بهدوء، مع وسائل حذر أقل. فقد اعتقدوا أن ترامب قد لا يكون معنا.
دفعت حماس ثمناً باهظاً على سوء التقدير هذا: حياة زعيمها الأساس (هكذا تأمل إسرائيل).
إذن صحيح، المصلحة الأمريكية لا تتطابق دوماً مع المصلحة الإسرائيلية. لكن في حالة زيارة ترامب، وإن قفز عن إسرائيل، فالمصلحة الإسرائيلية المركزية لم تتضرر، وبقيت محمية حالياً.
كالحال مع الحوثيين، فالقتال ضد حماس أيضاً مصلحة إسرائيلية للحفاظ على حرية العمل. وهذه المصلحة لم تتضرر حتى بعد صفقات المليارات التي عقدت في الرياض والدوحة وأبو ظبي.
إن محاولة تصفية محمد السنوار وشركائه ومراحل بدء “عربات جدعون”، أعادت حماس إلى النقطة التي حاولت الابتعاد عنها في الأيام الأخيرة. الاختيار بين صفقة مخطوفين جزئية، تمنحها شهرين من الهواء للتنفس، وضخ المساعدات وأمل النجاة، وبين عملية برية واسعة للجيش الإسرائيلي، وهذه المرة بدون تنزيلات.
ما لم يتغير، بل وربما تأكد، هو رغبة ترامب في رؤية نهاية الحرب في قطاع غزة. ولكن ثمة افتراض بأن ليس لإسرائيل زمن مطلق لتحقيق ذاك النصر المطلق الذي يعد به نتنياهو الأمة منذ سنة ونصف.
إن خليط حرية العمل الذي تتمتع به إسرائيل اليوم والساعة السياسية التي تدق، سيدفعها لتشديد خطاها، وليس العكس. وعليه، لن يكون بوسع قيادة حماس السماح لنفسها بتسويف الوقت على أمل انكسار إسرائيل أو أحد ما يكسرها، أو ما سيأتي قبل الآخر.
وعليه، سيكون الزمن القريب حرجاً: سيجلب صفقة أو الحرب الشديدة، وهذه المرة بلا علاوة زمن لاتخاذ القرارات.
معاريف 18/5/2025