الخرطوم ـ «القدس العربي»: انشغل الرأي العام في السودان خلال اليومين الماضيين، بقضيتين، الأولى تتعلق بتعين نحو 50 دبلوماسيا في وزارة الخارجية، والثانية بتوجيه مدير الشركة السودانية للمعادن، مبارك أردول، مدراء عدد من شركات تعدين الذهب، بدفع مبلغ مليون جنيه للمساهمة في حفل تنصيب حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي.
ومساء الخميس، صدر عن مكتب رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك، بيان يؤكد تكليف الأخير «وزيرة الخارجية مريم الصادق المهدي، بالدعوة لعقد اجتماع عاجل له مع الجهات ذات الصلة بإجراءات التعيين الأخيرة، يتم بعده تحديد الطريقة الكفيلة بتحقيق العدالة في التوظيف وتلبية الشروط المطلوبة لذلك».
كما «استدعى رئيس الوزراء مدير الشركة السودانية للموارد المعدنية لاستيضاحه حول بعض التصرفات التي قام بها بحكم موقعه في الشركة» طبقاً للبيان، الذي جاء فيه أيضاً إن «هذه الإجراءات تأتي لتدعيم وترسيخ مبادئ الشفافية والعدالة وحفظ الحقوق والابتعاد عن شبهة تضارب المصالح في إطار دولة القانون لسودان الثورة».
وسبق أن كشف وزير رئاسة مجلس الوزراء، خالد عمر يوسف، عن شروع المجلس بالتحقيق فعليا في قضية الشيكات المليارية التي طلب أردول من شركات التعدين إصدارها بغرض الإسهام في برنامج استقبال حاكم دارفور مني أركو مناوي.
وقال خلال منتدى في صحيفة (التيار) إنّ «هذه القضية تُخضع للتحقيق الآن» لكنه رفض الكشف عن تفاصيلها، ولفت إلى أن «التحقيقات التي تُجرى ستُعلن نتائجها في القريب العاجل للشعب السوداني».
فوضى وخلل
في السياق، وصف القيادي في الحزب الشيوعي، كمال كرار، تداول الشيكات من قبل شركة الموارد المعدنية بـ»الفوضى مع عدم الالتزام بالقوانين».
واعتبر أنّ ذلك «يوضّح خللا كبيرا بالخدمة المدنية».
وشدّد في تصريحاتٍ لصحيفة «الجريدة» الصادرة أمس الجمعة على «ضرورة عدم تبني سياسات النظام البائد». وقال «كأنما هنالك مصالح ذاتية ولا بد من إنفاق المال العام في الضروريات الأساسية بدلاً من إنفاقه في رحلات وتنصيب للحكام».
وأضاف: «ما جرى يرقى لمستوى بلاغ جنائي، والشركات الخاصة تدعم مقابل لا شيء الأمر الذي يعني أنّها مستفيدة» ولم يستبعد في الوقت ذاته أنّ «تكون هنالك فائدة غير مرئية».
وكان أردول طلب قبل أيام خلال مراسلة في إحدى مجموعات تطبيق «واتساب» من مدراء شركات التعدين، بتوفير مبلغ مليون جنيه خلال 48 ساعة للمساهمة في تنصيب حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي، المقرر وصوله الى الفاشر في 10 أغسطس/ آب الجاري.
وحظي الطلب بانتقادات واسعة على منصات التواصل الاجتماعيـ خاصة أن أردول التمس من الشركات إرسال المبلغ في حساب بنكي لأحد موظفي الشركة.
وفي مواجهة الحملة الشرسة التي نظمت ضده، ردّ أردول بأنهم «ينسقون لمبادرة طوعية ينظمها قطاع الأعمال بالمعادن للتبرع لحكومة اقليم دارفور بمبالغ مالية، إضافة لحفر آبار لمياه الشرب».
وقال إن «قطاع التعدين سبق وتنادى لنصرة الجيش في الفشقة في شرق البلاد».
وفي مسألة التعينات، سارعت وزيرة الخارجية مريم المهدي، إلى تشكيل لجنة للاستئنافات في تعيينات دبلوماسيي الخارجية الجدد بعد تداول نتائج الممتحنين للوظائف ومقارنتها بالذين أعلن تعيينهم، والذين تبين حسب النتائج التي انتشرت في وسائل التواصل الاجتماعي، أن كثيرا من الراسبين في بعض المواد المهمة جرى تعيينهم، فيما استبعد ناجحون.
وقال بيان الخارجية إن «لجنة الاستئناف ستكون تحت إشراف الوزيرة المباشر بالتعاون مع لجنة الاختيار للخدمة العامة، بعد التظلمات والشكاوى الموضوعية التي أثيرت مؤخراً حول إجراءات التعيين الأخيرة بوزارة الخارجية». وقالت وزيرة الخارجية في تصريح صحافي: إن «اللجنة تهدف إلى تلقِّي الشكاوى والنظر في التظلُّمات والعمل على مُعالجتها بما يضمن الحفاظ على الحقوق واختيار أفضل الكفاءات الوطنية القادرة على العطاء والمُلتزمة بالولاء الوظيفي ومعايير الأداء والتطوير لخدمة الوطن «.
وأضافت : «إثر متابعتي لبعض التظلمات والشكاوى الموضوعية حول إجراءات التعيين الأخيرة بوزارة الخارجية، ومع كامل الاعتزاز بالعملية التي صممت ليتحقق بموجبها التوفيق في الاختيار والتي تمت بدون أي تأثير من الوزارة على عمل اللجنة المعنية، وتحقيقاً لرؤية الحكومة الانتقالية المنطلقة من مقاصد الثورة، وتعزيزاً لمبدأ الشفافية والعدالة والمُساءلة وتكافؤ الفُرص حتى يسهم أبناء وبنات السودان في الانتقال والبناء الوطني، فقد بادرت بتشكيل لجنة استئناف، وسوف يتم إعلان آلية استلام وتلقّي الشكاوى قريباً جداً من الجهة المعنية «.
«احتواء» القضية
وكتب القاضي السابق سيف الدولة حمد الله (مرشح سابق لرئاسة القضاء) معلقا «بيان وزارة الخارجية الذي تضمّن عقد النية على النظر في تظلمات الذين نجحوا في الامتحان وأخذ مقاعدهم بواسطة الراسبين، هذا البيان يؤكد بأن وزارة الخارجية لم تفطن لجوهر القضية وتريد الاكتفاء باحتواء آثارها، فقد خرجت القضية عن كونها تخص المظاليم من الناجحين لتصبح قضية عامة تتصل بالمنهج الذي تسير عليه حكومة جاءت بها ثورة من أجل وضع نهاية لمثل هذه الأفعال لا قضية تظلُّم أفراد. المطلوب إجراء تحقيق تقوم به جهة مستقلة ومحايدة تعقبه محاسبة، بما يمنع تكرار هذا الفعل بالخارجية وغيرها من دواوين الحكومة».
وقال أحد كبار الموظفين في مجلس الوزراء لـ»القدس العربي» معلقا «نحن نهتم كثيرا بما يتداول في الإعلام بشكل عام، لكن هاتين القضيتين تحديدا وجدتا الرد السريع والتدخل بالتقصي الشخصي من رئيس الوزراء لتقاطعهما مع شعارات الثورة، التي كان أحد أسباب اندلاعها الفساد الإداري والمالي».
وزاد دون كشف هويته «حتى نقطع مع ممارسات النظام البائد، جرى تشكيل لجنة التحقيق مع أصحاب القضية أنفسهم والاستماع لمبرراتهم، إن كان مدير شركة الموارد المعدنية او لجان الاختيار في القضية وبعدها سيعلن ما سيخرج به رئيس الوزراء من معالجات أو قرارات وفق حيثيات التقصي الذي سيقوم به».
… ويؤكد خلال لقاء ممثلي لجان المقاومة في الخرطوم على أولوية تحصين الانتقال
لندن ـ «القدس العربي»: استقبل رئيس مجلس الوزراء السوداني، عبد الله حمدوك، في مقر رئاسة مجلس الوزراء، ممثلين من لجان المقاومة من مختلف التنسيقيات والمناطق والأحياء في ولاية الخرطوم لمناقشة مبادرته (الأزمة الوطنية وقضايا الانتقال) حسب بيان لمكتبه.
وحسب بيان بعد اللقاء الذي تم مساء الخميس فقد «استعرض رئيس مجلس الوزراء خلال اللقاء تفاصيل المبادرة، مؤكداً أن المبادرة ملك للشعب السوداني وتهدف لتحصين الانتقال والمُضي بالبلاد لنهايات تساعد في خلق نظام ديمقراطي مستدام».
وأكد أن «ثورة ديسمبر المجيدة شكلت فرصة لخلق مشروع وطني متوافق عليه ووضع البلاد في الاتجاه الصحيح».
وأوضح أن «المبادرة تضمنت سبعة محاور رئيسية شملت إصلاح الأجهزة الأمنية والعسكرية، قضايا العدالة الانتقالية بمفهومها الشامل، السلام، الاقتصاد، تفكيك دولة الحزب الواحد لصالح دولة الوطن، السياسية الخارجية، المجلس التشريعي».
وقال إن «حماية الانتقال وتحصينه يتطلبان النظر لقضايا الوطن الكبيرة» مؤكداً على أهمية دور لجان المقاومة في حماية الثورة وتحصين الانتقال. وأضاف مخاطباً لجان المقاومة « حافظوا على هذا الدور». وجدد التأكيد على «أهمية قيام المجلس التشريعي بدوره في إتاحة الفرصة لمناقشة القضايا الوطنية الكبرى للبلاد وخلق أرضية صلبة لنظام ديمقراطي مستدام «.
كما جدد «التزام الحكومة بتوسيع مشاركة النساء في السلطة، مشيداً بدورهن وتقدمهن للصفوف في ثورة ديسمبر المجيدة، وحثّ في هذا الصدد لجان المقاومة على توسيع تمثيل النساء ومشاركتهن في مناقشة قضايا البلاد».
وشدد كذلك «على ضرورة وحدة قوى الثورة للمضي بالانتقال إلى غاياته».
وأقر أن «شرق البلاد عانى من التهميش طوال الثلاثين عاماً الماضية» مؤكداً أن «الحكومة الانتقالية تولي (شرقنا الحبيب) أولوية خاصة» موضحاً أن «مجلس الوزراء طرح آلية لتنمية شرق البلاد».
وبيّن أن «آلية تنفيذ المبادرة ستكون ذات تمثيل واسع لتشمل لجان المقاومة خاصةً». وشدد على أن «البند الوارد بخصوص الكتلة الانتقالية والتسوية معنية به القوى التي شاركت في الثورة».
وشدد ممثلو لجان المقاومة على «جملة من المطالب أبرزها ضرورة إصلاح الأجهزة الأمنية والعسكرية وبناء جيش قومي موحد، والإسراع في تنفيذ بنود اتفاقية جوبا خاصة بند الترتيبات الأمنية، وتقديم المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية، وإصلاح الأجهزة العدلية، وتعيين نائب عام مستقل مشهود له بالكفاءة والخبرة، وتحقيق العدالة الانتقالية واسترداد حقوق الضحايا والشهداء، والإسراع في إصلاح الوضع الاقتصادي وتحسين معاش الناس، وتفكيك دولة الحزب الواحدة لصالح دولة الوطن، واستكمال المرحلة الثانية من عملية السلام، وقيام المجلس التشريعي، وبناء سياسة خارجية متوازنة تراعي مصلحة البلاد أولاً، وقيام جهاز الأمن الداخلي».
وأبدى عدد من ممثلي لجان المقاومة خلال اللقاء «رضاهم على المبادرة وما طرحته من قضايا بوصفها تتوافق مع أهداف ثورة ديسمبر المجيدة وتمثل مطالب الثوار».
وأكدوا على «عقد لقاءات دورية بين مجلس الوزراء ولجان المقاومة لدور مثل هذه اللقاءات في زيادة الثقة ومناقشة القضايا والوصول إلى تفاهمات تدفع بالانتقال وتسهم في حمايته وتحصينه».
وأوضحوا أن «اللقاء يعتبر بداية جيدة وحقيقية في الوصول إلى القواعد» موضحين أن «تلبيتهم لدعوة هذا اللقاء تعكس الرغبة الجادة للجان المقاومة للمشاركة والمساهمة في حلحلة مشاكل وقضايا الشعب السوداني» مبينين أن «اللقاء كان مفيداً ومثمراً وبرز من خلاله تباين للآراء ووجهات النظر حول بعض ما ورد في المبادرة».