“حمصة” أمام 10 دقائق لحزم حياتها.. قبل الهدم الإسرائيلي

حجم الخط
0

عشر دقائق فقط هي كل ما أعطته الإدارة المدنية للعائلات التي تسكن القرية الفلسطينية خربة حمصة الواقعة شمال غور الأردن، من أجل إخراج أغراضهم من الخيام يوم الثلاثاء من الأسبوع الماضي. فاطمة عواودة، ابنة الـ 23، كانت تمسك بابنتها ذات العام- لارين. ظلت مشلولة من مشهد قافلة المركبات العسكرية، وموظفي الإدارة المدنية الذين يرتدون السترات الفسفورية، والجرافات، والجنود والمجندات، وسماع صرخاتهم وأوامرهم.

كان عليها أن تستجمع قواها سريعاً، لإخلاء ما تستطيع إخلاءه من الأغراض الموجودة في الخيمة التي هي بيتها قبل الهدم. ما هو أولًا… أنبوبة الغاز؟ سرير الطفل؟ الملابس والبطانيات؟ الفرشات؟ المخدات؟ الألعاب البلاستيكية التي أرسلت في إحدى إرساليات المساعدات؟ البصل والبطاطا؟ الأرز؟ وبعد جزء من الثانية من التفكير، تركت لورين على المقعد الخلفي في سيارة السوبارو المعطوبة. هناك كان المكان دافئاً وآمناً، وسأكون قادراً على إخلاء الأغراض، هكذا فكرت.

لم تكن لارين الوحيدة التي شكلت لها السيارة مأوى في صندوقها، وتم وضع أربعة حملان من ولدوا في اليوم نفسه، والذي من غير الممكن إرسالها إلى التلال مع باقي الأغنام البالغة. بعد فترة ربما 15 دقيقة وربما 10 أخرج أحد موظفي الإدارة المدنية الطفلة الملفوفة من السيارة وأعطاها لأحد الأشخاص البالغين. كانت المفاتيح داخل السيارة. دخل جندي إلى السيارة وبدأ بتحريكها، كانت الأغنام في الصندوق. “بدأ الشبان يركضون خلف السيارة صارخين على الجندي للتوقف”، قالت العواودة لـ”هآرتس” يوم الجمعة بعد 3 أيام من قيام قوات الإدارة المدنية والجيش الإسرائيلي بتنفيذ أمر الهدم، والذي خلّف 11 عائلة، و24 شخصاً، و41 طفلاً دون مأوى يظلّهم. تم إنقاذ الحملان، وصودرت السيارة.

طفلة أخرى، ابنة سنتين، بالت في ملابسها وهي تشاهد كف الجرافة تضرب المباني المرتجلة، تلك المباني التي تشكل بيتها بالنسبة لها. العويل وصرخات الأطفال ابتلعها ضجيج المحركات وأصوات أدوات الهدم. محمد ابن سنتين ونصف، كانت مجندة هناك تمسك بكمه، صرخ باتجاهها: “اذهبي اذهبي ابتعدي”. ابنة عمه ولدت قبل يوم من الهدم، قالت أمه أنصار أبو الكباش. عندما سئلت عن اسم الطفلة وجدت صعوبة في التذكر، وعندها ضربت بيدها على جبينها، وقالت: “ما زالت بدون اسم. فأثناء الهدم أجلسوني إلى جانب سلفتي التي كانت تحمل الطفلة على ذراعيها. ثم انتقلتا إلى مكان آخر”.

يوم الجمعة، لم يهدأ ابنها إسماعيل ابن الأربعة سنوات… يكثر من البكاء. بينما محمد غاضب ولا يستجيب لطلب المصور بالركوب على الدراجة البلاستيكية الصغيرة والملونة.

من حيث عدد المتضررين الذين فقدوا مأواهم، تعدّ هذه أكبر عملية هدم قامت بها الإدارة المدنية منذ 2010، وغنيمتها كانت 18 خيمة وكوخاً سكنياً، والـ 29 خيمة وملجأ للضأن (حوالي ألف رأس) وكذلك 10 حظائر أخرى للأغنام، و3 مخازن و9 خيام استخدمت كمطابخ، و10 مبان متنقلة للمنافع العامة، ولوحين شمسيين، و23 صهريج ماء، وأحواضاً ومداود للأغنام. تم سكب المياه الباهظة الثمن، وتم إتلاف أكياس علف للأغنام. صودر من عائلة العواودة تراكتوران وسيارة سوبارو. ليس هنالك أي علاقة ما بين حجم هذا الهدم وبيان منسق أعمال الحكومة في المناطق عن “عملية إنفاذ للقانون (أي الهدم) ضد 7 خيام و8 حظائر”.

عدد من سكان حمصة يتذكرون أن قافلة المركبات العسكرية ظهرت في العاشرة صباحاً، في الطريق الواقع بين الحقول المحروثة. ويعتقد آخرون أن ذلك كان في الحادية عشرة، وهنالك من يتذكرون 6 جرافات وبواجر، وهنالك من يتذكرون أنها 4. قال بعضهم إن القوة الهادمة توقفت أولاً في مجموعة الخيام الثانية من بين الـ 4 تجمعات من الخيام والحظائر التي يتكون منها تجمع الرعاة هذا. تمتد المنشآت من الغرب إلى الشرق، والمسافة بين كل واحدة وأخرى حوالي كيلومترين. قال آخرين إن القوة أتت أولاً إلى التجمع الثالث ثم انقسمت.

ولكن الجميع يذكرون أن الشباب ركضوا أولاً إلى الحظائر ليخرجوا منها الأغنام ويبعدوها إلى التلال الواقعة خلفهم. “المشكلة أن هذا هو موسم الولادة”، قالت أبو الكباش. “ماذا سيحدث للحملان الصغيرة؟ أين سنضعها؟ كيف سنحميها؟”. عدد من الأغنام ولدت بعد ذلك في التلال. إن إيجاد مأوى للأغنام والحملان حديثة الولادة كانت هي المهمة المستعجلة والأصعب، لأن العائلة تعتمد على الأغنام في معيشتها.

هذا ليس مجرد مصدراً للرزق، إنما هو نمط حياة لا تتنازل عنه العائلات في حمصة. البحث عن مناطق رعي هو الذي جلب لشمال الغور عائلات العواودة وأبو الكباش والتي أصلها من قرية السموع الواقعة جنوب الخليل. إن الارتحال شمالاً بدأ في سنوات السبعينيات والثمانينات من القرن الماضي، حيث كانت المناطق القابلة للرعي في منطقة السموع ويطا قد بدأت تتقلص أو أن الوصول إليها أصبح صعباً بسبب الموانع العسكرية والبناء الإسرائيلي. في1948 فقد عائلات قرية السموع جزءاً كبيراً من أراضيها، حيث ظلت هذه الأراضي في الجانب الإسرائيلي من الخط الأخضر.

ومع زيادة السكان، فإن حصة المياه الصغيرة التي منحتها إسرائيل للفلسطينيين، وقلة الأمطار واتساع المستوطنات، انتقل المزيد من مربي الأغنام من السموع شمالاً إلى منطقة جنين وطوباس. عائلات أبو الكباش وعواودة تستأجران أراضي يمتلكها سكان من طمون وطوباس. وأقاموا على هذه الأرض مبانيهم السكنية البسيطة، ويزرعونها قمحاً وشعيراً لحاجاتهم الاستهلاكية.

ولكن إسرائيل أعلنت أن هذه المنطقة “منطقة نيران”، وهذا هو تبرير منسق أعمال الحكومة في المناطق للهدم المكثف، مثلما هو مبرر للعديد من حالات الهدم الأخرى وللتقييدات التي تفرضها إسرائيل على البناء وعلى حركة الفلسطينيين في الضفة الغربية. منطقة النيران 903 وحدها سلبت من الفلسطينيين في شمال الضفة 80 ألف دونم. ومنذ 2018 اضطر سكان حمصة لإخلاء بلدتهم الصغيرة على الأقل 20 مرة بسبب تدريبات الجيش في المنطقة.” لم تترك إسرائيل لنا أرضاً نزرعها، وبدون أغنامنا سنصبح متسولين”، قال يوسف أبو عواد. “الإسرائيليون لا يريدون أن يكون لدينا مصدر للرزق، بل يريدون أن نعمل عندهم ومن أجلهم”.

استمر الهدم في كل تجمع كما يبدو حوالي نصف ساعة. عائشة أبو الكباش حماة أنصار، ابنة الـ 60 والتي تجد صعوبة في المشي قالت إن عمال الإدارة المدنية، بستراتهم الفسفورية، أخرجوا جزءاً من محتويات خيامها الواقعة في التجمع الثاني. وكل لم يتمكنوا من إنقاذه كان قد هدم أو دفن تحت الخيام. أم وليد أبو الكباش من التجمع الثالث، قالت وهي تبكي: “لو أنهم أخبرونا مسبقاً لكنا قد أخرجنا أغراضنا وأنقذنا المزيد من الأشياء. حتى طابون الخبيز هدموه”.

أقارب سكان حمصة الذين يسكنون ليس بعيداً في مفترق طرق الحمرا، سارعوا إلى المكان عندما سمعوا عما يحدث، ولكن الجنود أوقفوهم. تسلق أولادهم، راجلين، التلال ونجحوا في الاقتراب من المكان. ومنع الجنود المصورين من الاقتراب، وهكذا ليس هنالك توثيق للهدم. لم يتبق سوى شهادة كومة الأنقاض الصامتة. أكوام من مفصليات الحديد والمشمعات الممزقة، ألواح الدكت، الشبكات، العمدان الخشبية، الأثاث البسيط، الأقمشة، وأكواخ الأطفال (الذين أُدخلوا منذ الثلاثاء إلى خيام الطوارئ التي قدمت للتجمع)، حبوب ذرة-علف للمواشي-منثورة على الأرض… منتجات غذائية وجزء من أغراضهم سارعت العائلات للفه بمشمعات سميكة من النايلون لحمايته من المطر الذي بدأ بالهطول في تلك الليلة.

مشاهد الهدم الواسع هذه نشرت على الملأ، ويوم الجمعة استقبلوا بعثة كبيرة من الاتحاد الأوروبي وممثليات الدول المختلفة. ونشرت وزارات خارجية بلجيكا، وبريطانيا، وإيرلندا، ولوكسمبورغ، الإدانات، وذكرت أن الأمر يتعلق بعملية تخالف القانون الدولي. ولكن أنصار قالت: “ما الجديد هنا؟ ألا يعرفون من هي إسرائيل؟ ألا يعرفون أنها تريد طردنا وجلب المزيد من المستوطنين بدلاً منا؟”.

بقلمعميرة هس

 هآرتس 10/11/2020

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية