أغنية واحدة حطمت، كل الأرقام، في الجزائر. لم تنقض سنة على إطلاقها حتى تجاوزت عشرة ملايين مشاهدة، على مواقع التواصل الاجتماعي. لا نعرف اسم مؤلفها ولا ملحنها، نعرف فقط أنها من تأدية ألتراس يتبع فريقاً من الجزائر العاصمة. نفهم كلماتها، ونقرأ في عنوانها «بابور اللوح»، نسمع فيها مختصر الحياة في السنين الأخيرة؛ رغبة الشباب في الهجرة وانفتاح ساقي العنصرية. ومن كثرة سماعها، نكاد نحفظ كلماتها، ونرددها، في السر، مع أولئك المراهقين واليافعين، الغاضبين من حالهم، والذين ينوبون عن الملايين من مواطنيهم، في تريد تلك الأغنية، التي يُمكن أن نجعل منها نشيداً لجيل، ما بعد العشرية الحمراء، جيل نجا من الإرهاب، لكنه فقد شغف العيش، وخاب ظنه في إيجاد نقطة ضوء تقلل من أحاسيس الاكتئاب.
في العادة، تحتفي القنوات التلفزيونية بمشاهد الجماهير، في ملاعب الكرة، تحول الكاميرات باتجاههم، وتنوع من زوايا النظر إليهم، تنقل أحيانًا انفعالاتهم ومقالبهم، وتبث، من حين لآخر، أصواتهم وأغانيهم وأهازيجهم، إلا في الجزائر، فإن التلفزيون المحلي يتعامل مع جماهير كرة القدم بشكل مُغاير، يُمارس عليهم رقابة ولا يلتفت إليهم إلا لماماً، وحين ترتفع حناجرهم بالأغاني والصخب، يقطع الصوت، بشكل مُباغت. فالجزائريون يحق لهم حضور مباريات الكرة، التفريج على أنفسهم، الغناء والصخب، وفعل كل شيء، شريطة أن لا يسمعهم، من هم في الخارج، ولا يبلغ صوتهم أولئك الغائبين، وبالأخص أن لا يزعجوا السلطة وأعوانها بكلماتهم، وأغانيهم، التي تنوب، في حدها وصداميتها، عن أحزاب المعارضة مجتمعة.
في أغنية «بابور اللوح» (بمعنى قارب خشبي، في إشارة إلى القوارب التي يركبها الشباب في الهجرة السرية) كلمات تتكرر: مجروح، العذاب، طريق مسدود، وفي سياق سخط الشباب على راهنهم، لا ينسون التذكير بميولهم العنصرية، من هجرة مواطنين لهم إلى العاصمة، ويبررون عطالتهم بسطوة النساء على مناصب الشغل، هكذا تصير الأغنية ذاتها ختماً أصلياً لوجه الجزائر، لم تدع التنميق ولم تضع مساحيق، بل عبّرت عن حال البلد، وما يفكر فيه الذكور منهم، بموضوعية، ولو لم تكن كذلك، ما بلغت أرقام المشاهدة العالية، في ظرف وجيز. وانتشار هذه الأغنية، ذات المحمول السياسي، في ملاعب الكرة، يؤكد ـ مرة أخرى ـ أن كرة القدم لم تعد مجرد فرجة، أو سوقاً تجارية، لمبادلات اللاعبين بأرقام فلكية، بل هي أيضاً حزب سياسي، يتقيأ فيه الشباب كبتهم، وضعفهم، في وقت لا يجدون فيه منبراً آخر، ولا مكانا واحداً يتسع لهم، لممارسة طيشهم، وجنونهم، وحريتهم، في بلد بحجم قارة، يتسع لكل شيء، لكنه يضيق أمام الحريات. وصارت تلك المدرجات مخبراً في فهم ما يفكر فيه الناس، وقد تُفيد أيضاً مرشحي الانتخابات، سواء كانت انتخابات محلية أو رئاسية، لتكييف برنامجهم، حسب الأغاني التي يسمعونها، وحسب درجات فهمهم لمصطلحات الشباب، الفظة، التي لا تقر بالبلاغة، وتقذف ألفاظها، في رعونتها، وتلك الرعونة تزيد في جماليتها.
أمام انغلاق الإعلام الجزائري يجد الشباب قناة تحتملهم، وترأف لحالهم، يصعدون إلى مدرجات ملاعب الكرة، ويحكون عن الجزائر، التي يحلمون بها، يحللون الوقائع والأحداث، من خلال أغان وأناشيد صاخبة.
حين نجلس في مدرجات ملعب كرة قدم، في الجزائر، فإن الأمر لا يستدعي أن نكتفي بمشاهدة المباراة، بل يجب خصوصاً تنشيط حاسة السمع، الانتباه للكلمات، التي ترتفع في الهواء، ففي الملعب يتحرر الجزائري من الوزن الزائد، يصير مغنياً وعازفاً في آن، يجد فسحة للصراخ عالياً، ولا أحد يمنعه من ممارسة نزواته، وكلما تقدمت المباراة، وتغيرت نتيجتها، يتسارع معها مزاج الجمهور، الذي يتخلى عن برودة دمه، ويصير في حالته الطبيعية، ناقماً ورافضاً لما حوله، ويكتسب ثقة في النفس، في منازلة السلطة، بدون الخوف منها. فحين يدخل المناصر إلى الملعب، هو يدرك أنه يرى كل شيء، ولا أحد يراه، لا أحد سيركز نظره فيه، من بين آلاف الآخرين، هو يدخل بنية مناصرة فريقه، وتشجيعه، لكن زمن المباراة طويل، 90 دقيقة بدون احتساب ما بين الشوطين، بالإضافة إلى الوقت المستقطع، ثم إن المناصرين عادة ما يصلون إلى الملاعب مبكراً، ساعات قبل بدء المباراة، لذلك يجدون متسعاً من الوقت، كي يتحول تشجيعهم لناديهم إلى محاكمة للسلطة، وتنتقل أغانيهم من رفع معنويات اللاعبين، إلى الرد على السياسيين، وحين تنتهي المباراة يعودون من حيث أتوا، يمضغون المشاق، التي يكابدونها كل يوم، وينتظرون المباراة المقبلة، ليتخلصوا، من جديد، مما يُضايقهم، ويُصعب عليهم التنفس في بلدهم.
مدرجات كرة القدم دخلت السياسة، عنوة، ولم يعد من الممكن السيطرة عليها، صار الشباب يستهلكون الأخبار والأنباء والحوادث والحكايات، من الفضائيات ومن الجرائد، ويحولونها إلى أغانٍ، في ذم فلان أو في مدح آخر، ومن يُذم فمن الصعب أن يصوب صورته، ومن يمتدح، فقد نال شأناً عظيماً. أولئك المناصرون الذين يبتكرون كلمات أغانيهم، ويلحنونها، في اليوم ذاته، لا ينتمون لا لحزب ولا لجناح في السلطة، هم يشعرون أنهم لا ينتمون فعلا للجزائر، وأن بلدهم انقلب عليهم، لذلك فحين ينطلقون في الأهازيج وفي ترديد الكلمات، فهم يفعلون ذلك من منطق من لا يخسر شيئاً، ولا يخافون من عقاب.
أمام انغلاق الإعلام الجزائري الجديد أمام الهرطقة، وترويج الشعوذة، وحكايات الجن والرقية، التي صرنا نراها، باستمرار، يجد الشباب قناة تحتملهم، وترأف لحالهم، يصعدون إلى مدرجات ملاعب الكرة، ويحكون عن الجزائر، التي يحلمون بها، يحللون الوقائع والأحداث، من خلال أغان وأناشيد صاخبة، ويلعبون دوراً في تغليب كفة فريق سياسي على آخر، بحناجرهم، ففي وقت ما يزال فيه الترقب سيداً، حول شكل وسير الانتخابات الرئاسية المقبلة، بدأت جماهير الكرة الانتخابات على طريقتها، في أغنية أخرى، لا تقل أهمية عن «بابور اللوح»، جاءت بعنوان «لاكاز دا لمرادية» (قصر المرادية، مقر الرئاسة). كما أن أغاني الشباب في المدرجات صارت حالة سوسيولوجية، في فهم تحولات اللسان الجزائري، وفي ملاحظة هامش الحرية المتاح، وحجم التضييق المفروض على الناس، في حياتهم اليومية.
٭ روائي جزائري