حنان ومودة في مسرحية «وهم» لكارلوس شاهين هل الحب وهم وهل الحياة مسرح ونحن ممثلون؟

زهرة مرعي
حجم الخط
0

بيروت – «القدس العربي»: إيفان فيريبايف، كاتب روسي شاب من مواليد 1974. أخذ المخرج اللبناني كارلوس شاهين على عاتقه عقد لقاء مسرحي بين الجمهور اللبناني وبين أحد نصوصه المعاصرة، الواقعية والتي تنتهي بنا إلى «وهم».
هو الحب يعيشه إثنان من الكوبلات على مدار أعوام مديدة تتخطى الـ50. هم داني وساندرا، ألبرت ومارغريت، نتواصل مع اندفاعهم في البوح في لحظات حرجة من حياة كل منهم، ونسمع ما نتوقعه ولا نتوقعه، كل حسب استعداده لتقبل انجرافات المشاعر البشرية.
في بداية العرض المسرحي الممتد لساعة وعشر دقائق مونولوغ عاطفي، شاعري وحساس، تدلي به الممثلة سيرينا الشامي بلسان «داني»، رجل بعمر الـ82، وطريح الفراش نظن من خلال كلماته بأن بحر حب ينتظرنا. فتلك الممثلة التي وقفت أمامنا فاضت تأثراً حتى مسحت دمعها وهي تستعيد نصف قرن ويزيد من الحب الذي غمرت به ساندرا شريكها داني. حب غيّر الشريك لأجل الشريكة، وخفّض منسوب الأنانية. والحصيلة التي خلص إليها المونولوغ أن الحب يدوم ويدوم «لأنه متبادل». ومن ثم بدأت سُبحة الحب تكرج حبة تلو أخرى لتتداخل المفاهيم، تتناقض القناعات السابقة أو تُنسف من أصلها. فالثلاثي المستمر على قيد الحياة يدلي باعترافات قد تكون مفاجئة لكل منهم.
إنها دراما الحياة العاطفية تُلقى على الجمهور بأسلوب حكائي سردي، ومن قبل ممثلين أربعة هم جوزف زيتوني، سيرينا شامي، كارول الحاج ووسام فارس. ممثلون منحوا أصواتهم ما تحتاجه من قوة تعبير. وأمدوا عيونهم بكفايتها من البريق الذي يجتاحها خلال عصف الحب. ممثلون فرحوا بالحب الذي قالوه عن الأفراد الذين جسّدوا حكاياتهم على الخشبة، لكننا لا ندري إن كانت المفاهيم قد أهتزت لديهم، كما عندنا بالسؤال عن «الحب المتبادل»؟ الحب متبادل بين من ومن في «وهم»؟ وبين من ومن في الحياة؟ بدون كذب أو مواربة كان الحب موضع بحث في هذا العرض، بخلاف قليل من البهارات أضافها الممثلون عن الشخصيات التي جسدوها، وعادوا للقول «ما تصدقوا مش صحيح». بتعبير دقيق كانت لحظات مكاشفة خالية من أي قناع في حياة هذا الرباعي الذي ارتبط بصداقة أصلها صداقة الرجلين داني وألبرت، ومن ثم دخلتها الزوجتان فصار ما صار. كانت حياة غير سهلة إلى أن تعقدت بعد رحيل داني وانهالت المفاجأت التي تعود لأيام الشباب. سنوات كانت حُبلى بمشاعر بشرية ورغبات ليس لها ضوابط، ولا تلتزم بقوالب جاهزة.
اختار المخرج كارلوس شاهين قول حياة الشخصيات بلسان غيرهم. هذا الغير تمتع بعمر الشباب، وبإحساس الفكاهة أحياناً، والأهم من كل هذا، الفرح الغامر الذي عاشوه على الخشبة وهم يتابعون سرديتهم، كما أرادها الكاتب الروسي، مازجاً بين الواقع المباشر والمتخيل. حكايات قالت بأن الحياة مسرح، والمسرح حياة، ولكل منا دور يؤديه يخفي ما يخفيه، ويفصح عن ما يريد. اعتمد المخرج على ممثليه الأربعة، وثقته العالية باتقانهم لأدوارهم تركته يفضل مسرحاً خالياً من أي ديكور، فالممثلون شغلوا الفضاء كاملاً عبر سردياتهم المشوقة وهالة حضورهم. لكننا بالنهاية نبقى في السؤال الدّوامة: ألا يكون الحب سوى متبادل؟
في مسلكية المخرج كارلوس شاهين تواصله مع المتفرجين مرحباً قبل بدء العرض. يخبر عن الكاتب الروسي المعاصر التي عُرضت أعماله حتى الآن في أكثر من 30 بلداً حول العالم. ويخبر أيضاً عن لقائه الحديث جداً مع نصوص فيريباييف المعاصرة، ومسارعته لتقديم «وهم» بعد ترجمتها من قبل جوزف زيتوني. يقول شاهين في كتيب مسرحية «وهم»: «هو نص جميل، مليء بالفكاهة والكلمات التي تتحدث عن عبثية العالم بحنان لا نهائي… وحين بدأنا التمارين لاحظت أن ماضيي قد أوجد نفسه في العمل… ماض لم يتوقف عن ملاحقتي، وقد وجد له منزلاً غير متوقع في هذه المسرحية».
بدأت عروض «وهم» في مسرح مونو في 17 من الجاري وتستمر إلى 27 منه. يذكر أنها فازت بجائزة أفضل عرض مسرحي في مهرجان المسرح الوطني اللبناني الأول.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية