حنبعل والعنب

تقول حكاية قديمة إنّ القائد القرطاجنّي حنّبعل انتصر على الرومان بفضل العنب المجفف؛ كان يطعم جنوده الزبيب حتى يقطعوا جبال الألب، كان الزبيب زادا وذخيرة حربية في آن، أو لنقل هو رصاص يؤكل ليحيي لا ليقتل. بهذه الحكاية فقد العنب دالّه الأصلي من أنّه ثمر الكرم، الشجرة الأكثر انتشارا في العالم. ولو صدقت الروايات فإن العنب أوّل ما غرس في شمال افريقيا فهو ثمرة افريقية المنشأ متوسطية الهواء. كان العنب ثمرا وحشيا قبل أن يدجّنه الإنسان، وكان ثمرا عاديا قبل أن يجعل منه رمزا أو علامة ثقافية ثريّة. وعلى عكس ما يعتقده الناس فإنّ عنب الطاولة أي العنب بما هو ثمرة كان استهلاكه تاليا لعصره: شرب العنب، ثمّ أكل، ثمّ وهو يعصر ويؤكل بات رمزا.
عادة ما يرى أهل المتوسط العنب في الأسواق بداية من شهر يونيو/حزيران ويستمر بيعه وأكله إلى شهر أكتوبر/تشرين الأول فهو من أطول الثمار أعمارا وتداولا واستهلاكا بين البشر، وربما لطول عمره وولع الناس بنكهته، أو لكونه موضوع تحريم بات من أخصب الثمار رمزية.
لقد غادر العنب بما هو علامة رمزية دلالته اللغوية الأصلية وطلقها، واكتسب دلالات رمزية يعنينا هنا التوقف عندها. يبدو العنب رمزا طبيعيا للخصب وهذه الرمزية ليست اعتباطية تمام الاعتباط، مثلما هو حال الرمز في حاله: علامة فقدت مشابهتها بما تعيّنه. نحن نزعم أنّ كثيرا من رمزية العنب مبرر. إنّ ولادة رموز العنب في ما نزعم أمر إدراكي تصويري، إذ يفعّل الذهن خريطة تصوّرية تشمل عناصر فيها إيحاء تشابهيّ بين مكوّنات عنقود العنب والعناصر المرتبطة في جسد المرأة أو الرجل بالخصوبة. ففي العنب تمثيلات إيحائية تصويرية تشمل معاني السكر والشهوة والامتلاء ولين الملمس والتعدد.. وهذه العناصر تغذي النموذج التصوري للخصوبة. لا نعتقد أنّ حنبعل أراد وهو يلقم جنده الزبيب هذه الخصوبة لأنّه لم يكن يبحث من وراء العنب عن وظيفته الرمزية، بل عن وظيفته الأصلية الغذائية والنفعية، العنب الرمز يموت حين يذوب في الفم أو يسكب في الدنان ولكنّه يلد ويتكاثر حين يغادر، كونه أكلا مرّا أو سائغا، وشرابا خبيثا أو طيبا.
لنعد إلى رمز الخصوبة وكيف يتولد إدراكه من تجارب حسية مباشرة: العنب كثرة وحدته الأصلية العنقود وتفرد الحبة إفراد البعير المعبّد، كما يقول طرفة بن العبد، لا قيمة للفرد إلا في الاجتماع والكثرة بنت الخصوبة، الخصوبة مردّها إلى قوّة الإنتاج وتكثير النوع. في تكوير العنب بالشكل الصادق الاستدارة أو المائل إلى الشكل البيضوي يمكن أن يحاكي في الجسد البشري الخصيب عناصر رمزية كونية يمكن أن يتداعى لها الذهن، أو يقربها ممّا يفكّره بوعيه الحالم بالجسد المجتمع إلى الجسد شهوة وتكاثرا. والعنب السائل يقترن من قديم الرموز بسوائل الحياة. في الميثولوجيا اليونانية والرومانية، ارتبط العنب بالخمر والفرح فديونيسوس (Dionysos) أو باخوس (Bacchus)، هو إله الخمر عند الإغريق وهو رأس طقوس البهجة والانتشاء والخصوبة، العنب بوصفه رمزا للخصوبة ولا فرق بين أن تكون الخصوبة نباتية أو بشرية، فخلف القبيلين إله مخصب يرعى الزرع والضرع. لا نعتقد أنّ نابليون وهو يتيح لجنده العابرين جبالا غطتها الثلوج ويبست على جلدتها يفكر في الخصوبة، ولا في ديونيسوس في عصر حنبعل أيضا، كان القرطاجيوّن يقولون لأهل الشمال: لكم دينكم ولنا دين. يجف العنب فيغيب سيله ويتلاشى خمره وسكره، وتنتفي شهوته وخصوبته، وينسى كأن لم يكن حين كان أخضر أو أحمر أو أرجوانيا.
لا يمكن أن تسقط خصائص زبيبة جندي حنبعل على تصوّر الجسد المخصب، أو حامل الشهوة بين كراته. حين تجف العنبة وتصبح زبيبا تفقد ذلك الداخل الحيّ الشهي، وبالتالي يفقد العنب حياته التي كانت تفقده حياءه. حين يجف العنب يبتعد أكثر فأكثر عن محاكاة عناصر الرمز الجسدية ويصبح أكلة جاهزة تريد من آكلها أن يحيا ويقوى في ذاته من غير أن يخصب غيره.
وللعنب رمزية صوفية خصبة إذ هو يريد الصوفي أن يسكر مثلما يسكر العامّي حين يشرب بلا حساب ، لكنّ الصوفي وهو يسكر يفكّر في الحساب، لا بمعناه الذي يصفه لك الفقيه وبعض المتكلمين ، هو حساب آخر ليس له يوم مثل ما للحساب السنّي التقليدي يوم، بل له درجات ومراق يرقاها المتصوف وهو في رحلته العلوية في مقاماته وأحواله. شيء مهمّ يربط بين سكر المنتشي برحيق العنب والمنتشي بحريق الجسد، وبركان الروح هو الغياب المؤقت عن الواقع أو عن الشهادة. الغياب ليس فقدا وقتيا للمدركات العادية وللوعي البائس بالحياة، بل هو تحرّر من قيد الجسد وقيد العقل المنظم وفسحة للروح كي تسافر بلا ضفاف. سفر ليس كسفر جند حنبعل يريدون لو بالزبيب يقضون على الجليد، وعلى برد الجسد، خشية أن يأكلهم ويميتهم وهم في رحلة الهول، الغياب في رمز المتصوفة أصحاب الأعناب الرمزية، هو حالة من الوجد تمّحي فيها الداتا لواجده في حضرة المطلق. قد يتقاطع طريقا حنبعل والسهروردي على مرتفعات الألب، لكن لن يلتفت واحد منهما للثاني فسيكونان كطائرة ومركبة فضاء تلتقيان لتغيّب إحداهما الثانية في زحام الضباب ليعشش الضباب على حنبعل ويشرق الغياب بالوعي لدى السهروردي، وتنكشف خرائط الحقائق بنور الباطن وبهر الحق. لحنّبعل جنود تقرض الزبيب ولا تسكر وللسهروردي العاشق المقتول سكر هو سبب قتله مرتين مرة بنصل الناس، ومرّة بنصل الروح والثانية هي المحيية.
يسافر حنبعل إلى رمزية ستكون بعد قرنين ونصف القرن أو ثلاثة قرون (هو لا يدري) مسيحية، يكون العنب فيها والنبيذ المستخرج منها رمزا لدم المسيح، الذي سُفك من أجل خلاص البشر. لذا سيُفهم العنب في هذه القرون المقبلة على أنّه رمز للفداء، والحياة المعطاة للآخرين، رمز للتضحية الكاملة. أمّا السهروردي العاشق فقد ترك وراءه رمزا لعنب النعمة الإلهية والرزق الوفير، لكنها نعمة يمكن أن تزول إن زال اعتراف البشر بفائدة ما أطعمه به ربّه.
يعرف السهروردي لا شكّ قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: 67] كان السهروردي يفهم السكر، كجاره الفقيه المفسر حتى إذا ما ارتشف ألوانا مسكرة أخرى من الخمر جعلته يحلم بفتح أبواب لم تفتح على مصراعيها من قبل. لا يعرف حنبعل ومن أين له أن يعلم بالغيب وليس في جرابه غير حبات زبيب، هي أغنى ما في الجراب، أنّ هناك عنبا وخمرا في جنان الخلد، حيث لا حرب ولا موت ولا جبل ولا جوع ولا برد، هناك يصبح العنب وخمره رمزا نقيضا لخمر الدنيا لا تُذهب العقل ولا تورث الأذى. يعلم السهروردي وهو معلق بين السماء والأرض، أنّه يجرب وهو في أحواله من الوجد كيف يعيش في بعد روحي ثالث، لا هو الدنيا وأهواؤها، ولا هو الآخرة ولذاتها بل السفر إلى المطلق بأهواله.
يمشي الرمز في كل اتجاه حيث مشى العنب والخمر وقليل مشيه بين حبات الزبيب. يجف العنب إذ يجف ليصبح زادا للمسافر، ولكنّه يقطع عن نفسه الطريق إلى الرمز الكثيف الذي كان يحيا بها العنب حبّا والعنب عصيرا. مسكين حنبعل كان يسير في جبال ثلجية بحبات جفّت عن رموزها، بين جند يصدّقون أنّ حياتهم ومماتهم في حبّة زبيب، لكن في المسألة سؤال محيّر: هل كان الفيل صديق حنبعل الأسطوري يعي ما الزبيب؟
أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية