الكتابة عن فلسطين أو من أجل فلسطين عمل مقاوم، يصب في مصلحة القضية، ويبقيها حية في الأذهان، وخاصة الأجيال الجديدة التي يخف ارتباطها بفلسطين إلا من عواطف ومشاعر لا تستند إلى أرضية معرفية متينة، وتأتي رواية «حنظلة» للكاتبة الأردنية بديعة النعيمي ضمن مشروعها الإبداعي للكتابة من أجل فلسطين وقضيتها؛ لتعيد إلى الأذهان جرائم اليهود وخياناتهم وقذارتهم على مر التاريخ، وما تعرضت له فلسطين من جرائم العدو وخيانة الصديق.
تستحضر الرواية «حنظلة» الرمز الأشهر في الإبداع الفلسطيني، «حنظلة» ناجي العلي، رسام الكاريكاتير الذي كانت رسوماته رصاصات حارقة لكل أعداء فلسطين، ولم يوفر بعض قادة المنظمة الذين رأى أنهم خانوا القضية، أو تساهلوا في التمسك بها، وكان الثمن غاليا؛ إذ اقتنصته رصاصات الغدر في لندن 1987 وبقيت رسوماته حتى اليوم هي الأقوى والأكثر دقة وصراحة، شاهدة على حجم المؤامرة والخيانة.
وكما أن الغدر والخيانة تسببت في الخلاص من ناجي العلي، فقد كانت أيضا السبب في نكبات فلسطين في كل حروبها القديمة والحديثة، والسبب في اعتقال كل الشرفاء والمناضلين والأبرياء في سجون العدو؛ ففي الرواية اضطر «حنظلة» لمغادرة أمريكا بجواز سفر مزور، بعد أن تعرض للخيانة عن طريق دمية، واتهم بالقتل زورا، وفي معتقل النساء، حكاية أربع نساء دخلن السجن بعد أن تعرضن للخيانة من حيث لم يحتسبن، ومنهن أمه «حياة».
الخائن والعميل للعدو، لن يعدم الحجة لتبرير عمله القذر، وتسببه في سجن وقتل أبناء جلدته، فالعميل لا دين له ولا وطن ولا شرف، فقد باع نفسه للشيطان والدولار، فهو خادم رخيص لسيده، يستوي في ذلك من باع مناضلا أو باع وطنا، فالخائن خائن صغر عمله أم كبر. المسرح الرئيسي للرواية كان سجن النساء في الرملة، حكايات أربع نساء، تشاركن الألم والمصير والمقاومة والإصرار والعزيمة، لكن واحدة منهن وهي الصحافية، لم تطق صبرا بعد أن تعرضت للإذلال والاغتصاب مرات عديدة، فانتحرت، وكل اللعنات تصب على رأس العدو، وكل صامت يغض الطرف عما يحدث من بشاعة وقذارة في فلسطين وسجون الاحتلال.
معتقلات الفلسطينيين، على الرغم من أنها «مقابر للأحياء» كما أرادها العدو، إلا أنها تحولت إلى مدارس للصمود والمقاومة، وتحدي العدو وكسر إرادته، كما أنها مدرسة للتثقيف والتعلم والحياة، مدرسة للتضامن والتناصح والتعاضد، مدرسة للكبرياء والقيم الإنسانية والتضحية والفداء.
أبرزت الرواية أربعة عوامل تعزز الصمود والثبات في سجون العدو: الأول: عدم الاعتراف وتحدي المحققين وكسر إرادتهم، فالاعتراف يرضي غرور المحقق، ويشعره بنشوه النصر، ولذا تحرص المعتقلات على عدم منحهم ذلك، متحملات للضرب والتعذيب والسجن الانفرادي وغيرها من وسائل التعذيب القذرة، ويرافق ذلك عدم الاستسلام لادعاءات المحقق، والرد عليه بقوة وثبات، وإشعاره بأنهم مغتصبون، شذاذ آفاق ومجرمون، مما يربك المحقق ويشتت ذهنه ويكشف ضعفه، ويكسر إرادته التي يتبجح بها وأنه الأقوى، فصمود المعتقلة أمام بطشه قهر له وهزيمة يحاول أن يتجنبها بالوسائل والطرق كافة، تخاطب دلال المعتقلات: «نعم إرادتنا ستكسر عُقد النقص التي ولدت لديهم الغل والحقد.. هذا المعتقل ما هو إلا طريق آخر للنضال، بداية بطريقة أخرى لثورة تولد في داخلنا كل لحظة. ثباتنا هنا هو انكسار لهم، بل هو أقوى من تسديد فوهة بندقية محشوة بالرصاص نحو صدورهم».
العامل الثاني للصمود هو التثقيف وتوعية المعتقلات، خاصة الجدد منهن، وتعريفهن بأساليب المحققين القذرة، وكيفية التغلب عليها أو مقاومتها، وأن معركة المعتقل هي جزء من المقاومة والجهاد من أجل فلسطين ودحر العدو، وتعزيز حقيقة أن العدو زائل لا محالة، وأن وجوده مؤقت على هذه الأرض، مثل من سبقوه من الغزاة الذين لفظتهم فلسطين. تقول دلال: «لن نشك لحظة بأن أيام الكيان ما بدأت هنا إلا لتنتهي يوما هنا وعلى أيدينا… يمتلكون نفسا طويلا، ونحن سنتبع هذا الأسلوب بالصبر، قد لا نرى بأم أعيننا تحرير فلسطين، لكننا سنفرش الطريق للأجيال القادمة، التي حتما ستنهي وجود الكيان على أرض فلسطين الكنعانية..».
العامل الثاني للصمود هو التثقيف وتوعية المعتقلات، خاصة الجدد منهن، وتعريفهن بأساليب المحققين القذرة، وكيفية التغلب عليها أو مقاومتها، وأن معركة المعتقل هي جزء من المقاومة والجهاد من أجل فلسطين ودحر العدو، وتعزيز حقيقة أن العدو زائل لا محالة.
حكايات الأهل والأحبة وقصصهم وذكرياتهم من عوامل الصمود في المعتقلات، فقد كانت الملجأ للهروب من سوء المعتقل وقذارته وما يجدنه من إذلال وتعذيب، وحتى في أثناء الاستجواب والتعذيب كان استحضار الذكريات الجميلة يخفف من وطأة ذلك، ويمد المعتقلة بالعزيمة والإصرار والتحدي، ما يغضب المحقق ويخرجه عن طوره، وكانت جلسات الحكايات الجماعية سياحة خارج السجن، وخروج شعوري من أسواره وويلاته، تقول حياة عن مقبولة: «كثيرة هي حكاياتك البريئة التي أخذتنا بعيدا خارج حدود هذه الغرفة خافتة الإضاءة، الكئيبة بروائحها الكريهة.. لو تدري يا ناجي لقد غدونا كالأطفال نسعد عندما يأتي الليل ويحين موعد حكايات مقبولة، مقبولة البسيطة التي دخلت هنا لا تتقن القراءة أو الكتابة، لكنها تتقن ثقافة الأرض وحكمة الجدات».
العامل الرابع: اتحاد المعتقلات وتكاتفهن ضد السجان، وظهر ذلك في الإضراب عن الطعام، حيث شاركن جميعا، على الرغم من الأمراض والضعف، فحققن جزءا من مطالبهن، وإن خسرن دلال إحدى رموزهن التي قامت بدور بارز في التثقيف ودعم المعتقلات «دخل المعتقل إضرابا حمل بين طياته الهزيمة والانتصار، الموت والحياة، المرض والشفاء، الضعف والقوة، تجربة تعري الروح الثائرة لدى الأسيرات، الانتماء للأرض والمسير نحو التحرير أو الشهادة، طريق شاق على أجساد ذاقت الويلات منذ بداية الاعتقال وحتى هذه اللحظة، لكنها الإرادة التي تمدها فلسطين لنا بالمضي نحو تحصيل العيش بكرامة أو الموت بكرامة..».
هذه العوامل وغيرها، جعلت من المعتقل ساحة صراع مع المحتل، الذي كان يريدها للإذلال والخنوع وكسر الشوكة وتركيع المعتقلات، ففشل في فرض شروطه، وكان كثير من المحققين يشعرون بالهزيمة والإذلال والهوان أمام الصمود الأسطوري للمعتقلات، بل وتحديهن لهم، ورد اتهاماته في وجهه، بل والهجوم عليه كما فعلت «حياة» عندما كشفت للمحقق شذوذه الجنسي، فثار وهاج لرد اعتباره الذي أهين وفضح في المعتقل. والمعتقل هو ساحة لصراع الإرادات، والمنتصر هو من يكسر إرادة عدوه، والمتابع للمعتقلات الفلسطينية، يعلم جيدا أن السجان هو السجين، وأن المعتقلين يفرضون إرادتهم في كثير من الأحيان، وبدلا من أن يكون المعتقل للخنوع صار مدرسة للنضال، ومعسكرا للمقاومة، وثكنة للمجاهدين.
وبعد؛ فإن «حنظلة، عمان: دار فضاءات، 2020، 190 صفحة» هي الرواية الرابعة للكاتبة بديعة النعيمي بعد: «فراشات شرانقها الموت» 2017 و«مزاد علني» 2018 و«عندما تزهر البنادق/ دير ياسين» 2020. وقد تميزت بلغتها الشعرية، وسردها الجميل، ورسالتها النبيلة، في إثارة الوعي بفلسطين وقضيتها المقدسة، وإذكاء الذاكرة الفلسطينية لئلا تنسى بشاعة الاحتلال، وأسلافه على مر التاريخ، الذين لم يسلم من شرورهم وخيانتهم حتى أنبياءهم. وركزت الرواية على موضوع الخيانة بكل أشكالها ومستوياتها؛ لنعيد قراءة الأحداث من جديد بوعي وبصيرة.
كاتب أردني