* ما التطور الذي تراه في سردية حنون مجيد منذ عملك الأول وصولا إلى روايتك الأخيرة ‘مملكة البيت السعيد’؟
– من البديهي أن يصاحب أي مسيرة ابداعية نصيب من التطور الذي هو تخلّق ناتج عن نشاط الكائنات جميعاً في تفاعلها العام سواءً على مستوى المادة أم الفكر، وهو في هذا المجال أو ذاك استجابة طبيعية حتى لتكون تلقائية في كثير من الممارسات. غير أن ما يمكن التوقف عنده هو تعدد مستويات الاستجابة والمهاد الذي تتأسس عليه والقدرة التي تتمثل ذلك. ولعل من مشروطات قناعتي أن يتم ذلك بصورة سليمة، بعيداً عن الهوس الشكلي المأزوم بمعطى الآخر تماماً. ليس من شك في أننا نمتح من أكثر من معين لما جعلت تهيئه لنا ممكنات كثيرة من التواصل المعرفي، حطّمت الحدود الجغرافية والتاريخية ما يعطي انطباعاً بأننا نعيش في بقعة واحدة وعصر واحد، بينما الحقيقة هي عكس ذلك بهذا القدر أو ذاك وضمن مفهوم الخصوصيات الذي رأينا منه أمثلة كبرى في عوالم أقرب منا إلى روح عصرنا ومصدر الحداثة كذلك، وما أعتقده هنا أن تجربتي لم تبتعد كثيراً في هذا الذي تسألني عنه فهو سنّة كما سبق أن أشرت لازمت الشأن الثقافي العالمي منذ بدايات القرن العشرين، والشأن الثقافي العراقي منذ عقد الستينيات، وما يزال ولربما بوتائر عاصفة. قد تجد التطور في تجربتي الأدبية يسير هادئاً ليس على مستوى الشكل فقط، وانما في التوغل في الذات واكتشاف مستوياتها وعلى مستوى اللغة كذلك، وإنني لأعجب كيف يتناول الناقد إبداعاً من دون أن يتوقف كثيراً عند الاداء اللغوي الذي يختصر عليك الزمن والتاريخ والجغرافيا، بل والفكر كذلك. كيف نصف عملاً بالجودة وبإمكاننا أن نكتبه لصاحبه أكثر من مرة لمجرد أنه اختار شكلاً جديداً؟ في الحقيقة لم يعد الموضوع وحده الملقى على الرصيف إنما الشكل كذلك، ولربما وجدتَ جواباً عما تسأل عنه في روايتي ‘مملكة البيت السعيد’ وفي بعض قصصي الاخيرة أيضاً.
‘* من خلال تفاصيل الرواية أرى أن الثيمة هي ضمن الثيمات الكبرى التي تتناولها الروايات العراقية أو العربية بشكل عام، ألا تجد أن هناك نقصاً في السرد العراقي للكشف عن البنيات الصغرى للمجتمع العراقي؟
– ربما هذا صحيح، وهو ينطبق على الأدب الكلاسيكي ، وقبل ذلك على الملاحم والأيام والبطولات الجمعية، وصوت الشاعر الذي ضاع في صوت القبيلة، وفتوحات الفرسان، والحروب بين الممالك والامبراطوريات، وليس بين البلدان التي تشبه القرى، وحتى هذه فلها حروبها الصغيرة التي تحاكي حجومها، إلا العراق الذي ‘ناطح’ قوى أقوى ‘ثم أقوى’ فكانت تضحياته بالملايين، من هنا كان لا بد من أن ينصرف الادب العراقي للتصدي لمثل هذه الموضوعات الكبيرة، ثم ونحن نتحدث في هذا المجال تذكرني حداثة التجربة الروائية في العراق وتوجهاتها نحو الثيمات الكبرى بمرحلة التكوين الحسي في طفولة الإنسان لحظة لا تجذبه إلّا الألوان الباهرة والحجوم الكبيرة. نعم هناك أعمال روائية تناولت البنيات الصغرى في مجتمعنا من مثل بعض أعمال غائب طعمة فرمان، فؤاد التكرلي، غانم الدباغ وغيرهم، ولو اطلعنا على مجموعة ما صدر أخيراً من روايات، لوجدنا أن هنالك عددا منها تناول زوايا المجتمع من منظورات متغايرة، ما يؤكد أن الروائي العراقي قد انتقل إلى الجزئيات ليس لمجرد أنها جزئيات ولكن لانطوائها على ما هو كبير فيها كذلك.
إن ما ينبغي أن نعترف به ولا بد من ذلك أن هذا الواقع من الضخامة ومن الإشتباك ما يثبط هوى الكاتب العراقي عن تناول شيء أصغر منه. إن الاهتمام بالجزئيات لم يصدر إلا مع التحولات الإنسانية الكبرى، التي مع استقرارها على نظم وفلسفات حديثة، أولت للفرد وخصوصيات محيطه قيمة عليا.
‘* لكن أين هذه الأعمال من متابعة الواقع العراقي؟
– إن ما صدر من أعمال سردية في القصة والرواية العام الماضي والعام الذي قبله فقط يفوق ما صدر لجيل كامل سابق أو حتى لجيلين، وجلّ ما كتب كان في الشأن العراقي، في الواقع العراقي الهادر والموار بأحداث كارثية ليس في أي منها ما يسر الخاطر للأسف. لقد اكتظت الساحة الثقافية العراقية بأعمال على مستويات عالية من التناول الفني لمشكلات واقعية أحاطت بالقاص والروائي فتصدى لها بجدارة عالية متجاوزا مبدأ ‘الطبخ على نار هادئة’ بما صار يمتلكه من خبرة ودربة على انتاج ما يحاصر وعيه وقدراته، بل ومسؤوليته من أحداث ضارية. إن الامتداد التاريخي الطويل للواقعة العراقية ألزمتنا التمترس داخل هذه الموضوعة التي كم أتمنى أن نغادرها إلى مجالات أخرى.
‘* ألا تعتقد بأن الروائيين الشباب كمرتضى كزار وضياء الجبيلي وضياء الخالدي وأحمد سعداوي تمكنوا من تشكيل هوية خاصة بالرواية العراقية الآن؟
– لا أستطيع أن أقول شيئاً في ذلك الآن ولكن ما ينبغي قوله هنا أن هؤلاء الشباب الممتازين يكتبون بشكل مغاير وجديد وبنسب متفاوتة في ذلك. وحتى تتشكل الهوية الخاصة التي أشرت إليها عليك ان تنتظر اعمالاً لاحقة لهم ترسم معالم توجهاتهم، ثم ألا تقر معي بأن ما كتبه ويكتبه لؤي حمزة عباس ونزار عبد الستار وأسعد اللامي يشكل مغايرة لما كتبه مَن قبلهم، ثم لماذا التأكيد على الرواية فقط وهناك أعمال قصصية باهرة لقصاصين من أمثال عبد الله طاهر هذا الصوت النادر والجديد على مسامع كثيرنا، ومحمد الكاظم ومحمد إسماعيل وأزهار علي حسين وطامي هراطة عباس وخالد ناجي ومظفر لامي وغيرهم ممن لا تحضرني أسماؤهم؟ ما أعتقده الآن أننا بإزاء فن متنامٍ يعتمد التقنية الحديثة والاطلاع والمعرفة الواسعتين، فالرواية اليوم أصبحت عملاً ثقافياً، ألزم الروائي امتلاك رؤية ثقافية كبيرة، يستطيع من خلالها أن ينفذ إلى معرفة المتلقي المجهولة التي تفترض فيما تفترض مشاغلتها بما يفعّلها لا بما يلهو معها وأعتقد أن كثيراً من الأعمال العراقية الجديدة تمتلك مثل هذه الهوية، كروايات علي بدر ولطفية الدليمي مثلا، وليس سراً القول إنني أقرأ الآن مخطوطات أعمال روائية فيها ما يؤكد الإشارة إلى ان الرواية العراقية الجديدة تثير أشدّ الإعجاب.
‘* كيف تنظر لمكانة الرواية العراقية عربياً، خصوصاً وأن هناك روايتين اختيرتا ضمن القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية، هما حدائق الرئيس لمحسن الرملي، ويا مريم لسنان أنطون، التي وصلت الآن إلى القائمة القصيرة؟
– قرأت رواية يا مريم لسنان أنطون، وكنت قد قرأت له رواية إعجام، وأرى أنه روائي متميز، يمتلك ثقافة ومعرفة فنية طيبة أتاحت له أن يكتب رواية ناجحة، ولم أقرأ لمحسن الرملي للأسف ولكن هذا لا يكفي، فقد لا يكون الترشيح قائماً على قيمة العمل وحدها بعيداً عن معادلات قد لا تكون فنية بالدرجة الأولى ومع ذلك فأنا سعيد بهذا وفخور لاعتقادي بأن الرواية العراقية تستحق هذا. في المقابل نحن إزاء كتاب عرب ممتازين قرأنا لبعضهم مثل يوسف زيدان وخليل صويلح وغيرهما مع إشارة إلى أننا لم نطلع تماما على الأدب العربي الذي تكتبه أسماء جديدة في مصر وتونس والجزائر والمغرب والسودان، لنعرف بيقين واضح مكانة الرواية العراقية مقارنة بالرواية العربية، سوى أن الرواية العراقية قادمة بأجراس مجلجلة يقرعها شبان يمتلكون طاقات روائية كبيرة، قد تحقق للعراق عبر أصابعهم الباسلة الأفضلية في هذا المجال.
‘* بدأت قاصاً وذهبت فيما بعد للرواية، وهذا شأن أغلب السرديين العراقيين. كيف تستطيع أن تحدد آليات انتقال القاص لكتابة رواية؟
– بدأت قارئاً كالعادة ثم أصبحت قاصاً دونما تخطيط مسبق ودونما وعي بوظيفتي اللاحقة في هذا المجال، بيد أن عثوري على رواية محددة وصحبتي صديقاً محدداً حفزا هواي النفسي على متابعة الكتابة في الجنس القصصي الذي أمسى اتجاهاً لدي ذا وظيفة اجتماعية وفنية فضلاً عن السعادة فيه. بدأ ذلك أواسط الخمسينيات ثم إذا جاءت الستينيات صارت قدرتنا على كتابة قصة شيئاً ملموساً واستمر ذلك حتى الآن، غير أن هذا لا ينفي وجود محاولات روائية غير مكتملة تآزرت كتابتها تاريخياً مع كتابة القصة ما زالت تنضم عليها بحياء أدراج مكتبتي، من هنا يمكن القول أن كتابة الرواية في تجربتي لا تعد شيئاً جديداً، ولكن ما ينبغي الاعتراف به أن الرواية غير القصة القصيرة، فهي جنس يستوعب أحداثاً مغايرة يتم التعامل معها بمعايير التعامل مع المساحات الكبيرة التي تستلزم جهداً وبناءً مختلفين، يستدعي الروائي من خلالهما القدرة على مراودة أشكال فنية جديدة والغوص في أحداث عديدة ولا سيما الأبعاد الدرامية لعمل فني كبير تصطرع في تضاعيفه قوى متعددة وبمزايا ومواصفات متباينة، لذا أعتقد بأن المكوث في منطقة واحدة لا يعدّ نقصاً في التجربة الفنية، كما أن الانتقال إلى محطة أخرى لا يدعو للتفاخر، فلكل جنس مزاياه. وقد عرفنا قصاصين عالميين فاقت شهرتهم أعظم الروائيين، بل إن في واقعنا العراقي من مكث على الجنس الذي بدأ به وانتشر كما لم ينتشر أحد مثله.
‘* كيف تنظر للنقد العراقي، وهل استطاع أن يؤسس منهجاً نقدياً في قراءة الأعمال الإبداعية العراقية؟
– أعتقد ذلك في شخصيتين نقديتين واضحتي الملامح كلٍّ في مجاله، د. حسين سرمك حسن الذي يحاول تفسير الذات السردية من خلال استغوارها واستدعاء موضوعاتها ثم استجلاء مكنوناتها لوضعها في إطارها المناسب من العمل الادبي، والاستاذ ياسين النصيّر الذي يغوص إلى ما وراء الظاهرة الخارجية للمكان لتعيين الأسس الحضارية والمدنية التي أنشأتها، وعلاقة ذلك تأثيراً في البناء الفني والفضاء العام الذي يحيط بأبطال العمل السردي. ومهما يكون القول في هذين الاتجاهين أو غيرهما، فأنني لا أعتقد أن النقد العراقي حقق لنفسه منهجاً نقدياً في قراءة الأعمال الإبداعية العراقية، فذاك ما لا يمكن أن يحدث أولاً إذ إن لكل ناقد منهجه الخاص الذي تشكلت عليه قناعته ورؤاه كما أن لكل عمل مجموعة قراءات، فلا يمكن حصر الأعمال الفنية بمنهج نقدي واحد يصلح لها جميعاً. وبسبب قصور المنهج النقدي العراقي العام عن متابعة آخر تطورات العلم النقدي الحديث لأسباب معروفة بات يرمم ذاته كلما أتيحت له فرصة للاطلاع على الجديد في هذا المجال متغاضياً عن دوره الحقيقي في متابعة ما يصدر من أعمال تحيط به ولا يلتفت اليها حتى صارت الهوة واسعة ولا يمكن ردمها. لقد قصر النقد عن متابعة الاعمال الادبية والثقافية التي صدرت عبر أجيال ثم أنه هو الآخر تعرض إلى الكثير من النكسات التي أثرت على تطور مسيرته الابداعية، كالحروب، والهجرة، والمشاكل التي كان يواجهها زمن الحروب، فكان عليه إما أن يصمت، أو يتابع النظريات النقدية العالمية ومن ثم يداولها كمعرفة شخصية، ولكن بعيدة جداً عن المنتج العراقي. إن الإضطراب السياسي قد أسقط لوثاته على الفكر الثقافي العراقي وجعله يدفع الثمن غالياً إذ شوّش عليه المعادلة بين مسؤليته النقدية واللحاق بالآخر الذي تقدم كثيراً عليه.
‘* في تجربتك في رئاسة الموسوعة الصغيرة، التي سميت فيما بعد بالموسوعة الثقافية، ما أهم النقاط التي تؤشرها على هذه الموسوعة، خصوصا وأن هناك من يقول أنها بدأت موسوعة مهمة لكنها انحرفت من منهجها الذي أسست عليه؟
– الموسوعة الثقافية هي مرفق معرفي من مرافق دار الشؤون الثقافية العامة، التي استعادت نشاطها بعد التغيير السياسي الذي حصل في 9/4/2003 ونظرة موضوعية إلى عدد الاصدارات التي تجاوزت المائة كتاب وطبيعة موضوعاتها وأسماء كتابها ومؤلفيها سيجد كم هي، هذه الآراء، غير صحيحة، فلقد دأبنا منذ تسلم المسؤولية جماعة وأفراداً على انتقاء الكتاب الذي يهم القارئ في الصميم، ويغني معرفته العامة والخاصة، ويسهم في رفد العملية الثقافية في العراق بثقافة خالصة بعيداً عن المؤثرات الشخصية التي قد تخلط بين الغث والسمين، وليس منافاة لطبيعة هذا الكتاب أن يكون على فلسفة ما أنشئ عليه منذ التأسيس الأول في أن يكون أشبه بكتاب الجيب السهل الذي من الممكن أن يتمتع به القارئ في الباص أو في السفر أو في البيت، ولكن شريطة ألاّ يتحول إلى كتاب للاسترخاء. لقد قدمت الموسوعة الثقافية أعمالاً غاية في التخصص والدقة والتنوع جمعت بين ما يتعلق بالأدب والثقافة والعلم والفن والصحة والنفس والفكر الديني والأسطوري وغير ذلك من موضوعات أخرى.
‘* وما الذي أضافته لك الموسوعة بوصفك رئيسا لتحريرها؟
– على المستوى الثقافي أضافت لي قراءات جديدة ومتنوعة، فأنا أقرأ الكتاب أولاً ثم أعود إلى قراءته ثانياً لأكتب العمود الذي يدون على غلافه الأخير بعد الموافقة عليه من الخبير وإعداده للطبع، ومن ثم أتاحت لي رفقة طيبة وفسحة جميلة مع مجموعة من الادباء الممتازين في مجال ثقافي واسع ومتعدد الاتجاهات، وكوني رئيساً للتحرير، كعمل إداري، وضعتني في موضع المسؤولية المقدسة التي تحثني على أن أقدم الافضل للقارئ العراقي، وأتمنى أن أكون حققت شيئاً من هذا.
‘* كتبت الرواية والقصة والنقد، ما الاجناس الادبية التي حاولت كتابتها؟
– أنا لم أكتب النقد إلا قليلا، إنما أكتب انطباعات نقدية عن هذا العمل أو ذلك، لكنني مارست العمل في أجناس أخرى غير القصة القصيرة والرواية، كالقصة القصيرة جداً، وقد صدرت لي بهذا الجنس مجموعة بعنوان (وردة لهذا الفطور). وكتبت أيضاً قصصاً للأطفال نشرت في الداخل والخارج ولدي أكثر من كتاب في هذا المجال، فضلا عن كتابة المسرحية.
‘* ما مشاريع حنون مجيد الجديدة بعد عدد من الاصدارات في القصة والرواية؟
لدي مجموعة قصصية بعنوان ‘لحظة شباك ‘ تصدر قريباً عن دار فضاءات في عمان ومجموعة قصص قصيرة جدا بعنوان ‘يموتون ولا تموت’ ستصدر بالعربية والانكليزية بترجمة الأستاذ الدكتور عبد الواحد محمد عن دار المأمون، وهناك مجموعة قصص للأطفال ستصدر هذا العام أيضاًعن دار ثقافة الأطفال.