في زيارتي لفلسطين، حرصت أن التقي حنين الزعبي العضوة السابقة للكنيست بين عامي 2009 و2019 ومن مؤسسي حزب التجمع الوطني الديمقراطي. الأمور السياسية هناك تغيرت كثيرا في الأشهر الأخيرة. فالحملات الانتخابية لحشد أصوات العرب لا تسير كما يجب بعد عزوف الفلسطينيين عن التصويت إما عن قناعة بعدم جدوى الانتخابات أو بفقدان الثقة في الأحزاب العربية جميعها التي قد تساهم في فوز أحزاب اليمين المتطرف، وبشأن موضوع انقسام القائمة المشتركة المشتركة تقول الزعبي إنها انتهت، ونستطيع تلخيص تجربتها أنها انتهت بالفشل وليس فقط بالانقسام. وفي موضوع قرار المحكمة الدستورية الإسرائيلية منع حزب التجمع برئاسة سامي شحادة من خوض الانتخابات، ترى الزعبي أن المحكمة الإسرائيلية قامت بإلغاء شطب التجمع، ومن قام بشطبه هي لجنة الانتخابات في الكنيست، لكن المحكمة أرادت في قرارها الذي وضح أن التجمع يحمل مشروعا خطيرا يتطاول على كيانية الدولة وجوهرها وهذا تمهيد لشطب مقبل. لقد كان الحكم مختلفا تماما عن الأحكام السابقة وهم أرادوا بذلك ردع التجمع وتضييق مساحة حريته.
وهنا نص الحوار.
○ سأبدأ الحوار من النهاية، هل قرار المحكمة الإسرائيلية بإبعاد حزب التجمع عن الانتخابات نهائي؟ إن حدث هذا ما هي خطتكم البديلة؟
• المحكمة الإسرائيلية قامت بإلغاء شطب التجمع، من قام بشطبه هي لجنة الانتخابات في الكنيست. لكن المحكمة أرادت في قرارها الذي وضح أن التجمع يحمل مشروعا خطيرا يتطاول على كيانية الدولة وجوهرها وهذا تمهيد لشطب مقبل. لقد كان الحكم مختلفا تماما عن الأحكام السابقة وهم أرادوا بذلك ردع التجمع وتضييق مساحة حريته، لكن التجمع تعلم أن أي ارتداد عن خطنا الوطني يحمل نهايتنا السياسية ويحمل انهيارا وطنيا لشعبنا، علينا أن نقرر نحن أن نترك الكنيست قبل أن نسمح لذلك في الحدوث.
○ ما الذي حدث بالضبط؟ هل الانقسام داخل المشتركة جاء فجأة أم أن المؤشرات منذ زمن بعيد كانت تشير إلى أنه مقبل؟
• المشتركة انتهت، ونستطيع تلخيص تجربتها أنها انتهت بالفشل وليس فقط بالانقسام، لقد اتضح أن الوحدة لشعب يصارع منظومة تطهير وإبادة في ظل غياب مشروع وطني ستخضع في النهاية لموازين القوة الداخلية أكثر من أي معايير أو محظورات وطنية، ونحن نعيش في فترة انهيار المحظورات الوطنية تماما. الحزب الشيوعي أو ما يعرف بالجبهة، دخلت المشتركة على أساس أن الصراع هو بين مواطنين – يشكلون أقلية عادية داخل دولة عادية- ضد الفاشية الإسرائيلية، أي ضد اليمين المتطرف، كأي يسار أوروبي يخوض صراعا ضد الفاشية في دولته، وعلى أساس أن الأقلية تستطيع بناء تفاهمات انتخابية، بل دعم مباشر لجزء من الطيف الصهيوني ضد الجزء الآخر الفاشي الاستيطاني بقيادة نتنياهو. من جهة أخرى دخل التجمع الوطني الديمقراطي المشتركة باعتبار أن الداخل، مثل شعبه الفلسطيني عامة يخوض صراعا وطنيا ضد دولة تمثل مشروع إبادة وتطهير سياسي ومادي ورمزي، بالتالي اعتبر المشتركة لحمة وطنية ضد دولة معادية. ما حصل ليس نقاشا بين توجهين، وكان على العضو الأول في المشتركة أيمن عودة من «الجبهة» أن يحمل مسؤولية قيادة هذا التحالف غير المسبوق والحرص على احترام الشركاء ووزنهم السياسي. وبدل أن يستوعب عودة ثقل المهمة التي تتطلب منه استثمار القوة الجماهيرية للمشتركة في اتجاه يثبت الخط الوطني والرؤية الوطنية من دون أن تخاف الجبهة من أن يفسر ذلك كفقدانها للسيطرة، إذ هي في مرحلة تاريخية تترأس بها المشتركة والمتابعة معا، بدل ذلك جير عودة قوة المشتركة والتي وصلت إلى 85-90 في المئة من نسبة المصوتين العرب، لصالح بناء تحالفات وتقاربات مع الأحزاب الصهيونية رغم قناعته أن هذه التقاربات تمثل مصلحة انتخابية لتلك الأحزاب وليست قناعة بمواطنة غير صهيونية أو تغييرا في موقفها الصهيوني العدائي. هذا الاختلاف الجوهري في التعامل مع المشتركة كجسم سياسي انفجر سياسيا خلال قانون القومية أي في كانون الأول/ديسمبر 2018 أي بعد ثلاث سنوات من قيام المشتركة، وكانت هي اللحظة التي وصلت بها شخصيا إلى قناعة بأن المشتركة لن تستمر، لكنها خاضت قبل ذلك مسارا من خلافات متواصلة ظهرت في قضايا عديدة مثل منع النواب العرب من دخول الأقصى، وقضية جثامين الشهداء، وإقحام اسم المشتركة في بناء معسكر يهودي-عربي، وإقحام اسم المشتركة في مؤتمرات تجمع بين السلطة الفلسطينية وأحزاب صهيونية وفي جنازة شمعون بيريس وفي إحياء ذكرى رابين وغيرها من قضايا ليست برلمانية بل سياسية من الدرجة الأولى. ومحاولة فرض خط سياسي يمثل أقل من 10 في المئة من شعبنا (يلقى توجه عودة معارضة داخل الجبهة نفسها، والجبهة تمثل 3 مقاعد من 23 مقعدا هي القوة الانتخابية للفلسطينيين في الداخل). لقد حاول عودة فرض تحالفات ومنطق سياسي يتعلق بعلاقتنا مع الدولة العبرية وبمفهومنا للدولة العبرية، لقد أراد تحويلنا من شعب يحمل قضية وطنية إلى أقلية سياسية مرتزقة.
○ ما موقف لجنة المتابعة؟ هل حاول محمد بركة التوسط قبل الانقسام؟
• الدور الذي لعبته لجنة المتابعة في الثمانينات كجسم سياسي يتخذ قرارات سياسية مهمة باتجاه تصورنا كجماعة قومية انتهى من زمان، كما أن لجنة المتابعة ليست جسما سياسيا منبثقا عن رؤية وطنية جامعة، وهي ليست جسما سياسيا له دستوره التنظيمي. رئيس اللجنة يحدد هويتها وقوتها السياسية واستقلالها عن حسابات الأحزاب الجماهيرية. في النهاية بركة يمثل مصلحة الجبهة أكثر من مصلحة المتابعة كجسم أعلى، تستطيع أن تبحث في غوغل عن تصريح واضح له بهذا الخصوص خلال الانتخابات الأخيرة. الجبهة تدخل رئاسة المتابعة لكي تهيمن كجسم سياسي وليس لتبلور إجماعا وطنيا صلبا، والمتابعة نفسها لا تعامل نفسها كمرجعية وطنية. بالإضافة لذلك محمد بركة لا يملك القرار في الجبهة. وإذا تتبعت الخط الذي يقوده عودة رغم المعارضات الداخلية القوية ربما في الجبهة، ستدرك أن له حتى الآن أغلبية، لكنني أعتقد أن ذلك سيتغير قريبا جدا.
○ كيف تقرأين الخريطة الانتخابية ونحن على بعد أقل من شهر من الانتخابات؟ هل ستحتفظ القائمة الموحدة بمقاعدها الأربعة أم تكسب المزيد؟
• الحركة الإسلامية الجنوبية سائرة في طريقها في غياب أي خطاب وطني رادع يردعها، ولن يردعها سوى عودة التجمع الوطني للحلبة السياسية بقوة وبقراءة متجددة لما يجري إسرائيليا وفلسطينيا، لن يردع خطاب التوصيات ودعم الحكومات الاستيطانية رادع داخلي أخلاقي، فقط قوة الشارع وقوة الخطاب الوطني. حسب كل الاستطلاعات، ستجتاز الموحدة نسبة الحسم وهي تعتمد على حالة من الضياع في الشارع أكثر من أنها تعتمد على قناعات مصوتيها. هناك من يخلق هذا الضياع ثم يعتمد عليه. وازاء حالة التبعية الاقتصادية والمؤسساتية يعتمد الداخل على الحالة المعنوية الفلسطينية والعربية ونحن في مرحلة انهيار الحركة الوطنية الفلسطينية كما عرفناها حتى الآن، وبعد «السلام الإبراهيمي» تحتاج القضية الفلسطينية بعده لإحياء قيمتها الرمزية والسياسية.
○ ألا ترين أن إسرائيل قد تنبهت لخطورة الوحدة بين القوى السياسية العربية في الداخل الفلسطيني وبدأت تستخدم أساليب شريرة غير تقليدية لتفتيت العرب وتحويلهم إلى أفراد وجماعات متناحرة مثل ارتفاع مستوى الجريمة ونشر المخدرات؟ من المستفيد الأكبر من هذا التشرذم؟
• أنا من الذين يؤمنون بالوضوح، وبأن الوضوح هو دائما من مصلحة الضحية ومن مصلحة الضعيف، نحن بحاجة للوضوح لأن القوي هو الذي يكسب من الالتباس، ما يحدث هو فرز سياسي نحتاجه، لأن تجربة المشتركة وأدت النقاش والاختلاف السياسي الجوهري لصالح الوحدة، والوحدة هي لا شيء لشعب يناضل من أجل بقائه إذا لم تستند على مشروع مقاومة وطني واضح، وهي خطيرة إذا استندت على تمييع لمعنى الوطنية وتبييض لسلوكيات ذليلة ومتنازلة تحت غطاء الوحدة. لبيد نفسه، الذي تخلوا عن التجمع من أجله، قال قبل 7 أعوام «دعهم يتوحدون فإن هذه الوحدة ستجعلهم يركزون – على القضايا المدنية ويبتعدون عن خطابهم القومي». هذا التصريح أدرك أن الوحدة للأحزاب العربية ستجلب تنازلا وطنيا وليس تماسكا وطنيا. بعدها تغيرت حاجة الأحزاب الصهيونية و«تطورت» وأصبحت في حاجة لدعم مباشر لائتلافاتهم الصهيونية وهنا ظهر مرة أخرى التجمع الوطني الديمقراطي كعائق لهذه التوصية. الشارع الإسرائيلي نفسه يرفض توصية حزب قومي وطني فلسطيني كالتجمع لكنه يرضى بتوصية المعتدلين المقبولين إسرائيليا.
وصحيح ما تقوله عن الجريمة، عصابات الجريمة هي المرجعية المجتمعية والسلطة الجديدة التي تبنيها إسرائيل للداخل، وسلطتها «التوحيدية» هذه هي ليست أقل خطورة من قدرتها على الشرذمة والنكوص للمجال الفردي. لكن مرة أخرى، السؤال هو ليس لماذا تريد إسرائيل ذلك، بل لماذا لا نقوم نحن ببناء مرجعياتنا الوطنية، مفهوم أن تكون عصابات الجريمة ضد ذلك، لكن ليس مفهوما أن تكون قوى سياسية «وطنية» ضد ذلك.
○ والآن أين تسير الأمور؟ وكيف تتوقعين رد فعل الجماهير العربية هذه المرة؟ وما هي قراءتك لمستقبل حزب التجمع والقوى الوطنية التي تعتبر نفسها جزءا من الشعب الفلسطيني وتتبنى رؤية وطنية شاملة وتعتبر نضالها جزءا لا يتجزأ من نضال الشعب الفلسطيني ككل.
• الفلسطينيون في الداخل في غالبيتهم محجمون عن هذه اللعبة، وحان الوقت لكي يتراجع الكنيست عن الدور الكبير والمهم الذي كان يلعبه حتى وقتنا هذا. الوعي الوطني عليه أن يدرك أن إسرائيل خلال السنوات العشر الأخيرة تغيرت وتطرفت بشكل كبير، أو بالأحرى تغوّلت، تحولت من رجل أبيض استعماري يلبس ربطة عنق ويستدير لكي يوقع في الخفاء على أوامر طرد وتطهير وإبادة إلى رجل يحمل بندقية ويطلق الرصاص علنا. وزير الأمن الداخلي أمر مؤخرا إطلاق الرصاص في الشارع. إنه شعبوي فاشي، خلال شهرين فقط قدم هذه السنة 33 ألف طلب جديد للحصول على تصاريح حمل السلاح، المستوطنون يقودون الجيش وتحركاته في الضفة، المجتمع الإسرائيلي الآن هو مجتمع عسكري ليس فقط في قيمه وآرائه بل في بطولاته وتغنياته، الذي يطلق الرصاص هو البطل، ولا يهم مدى التهديد الفعلي الذي يشكله الفلسطيني، وعلى هذا يتربى الطفل الإسرائيلي. الصراع ضد الفلسطيني هو ليس كسرا للروتين بل هو الروتين، الحياة العادية هناك هي أن تخوض صراعا وأن تشعر بالتهديد من رؤية الفلسطيني لأنك لا تريد أن تراه أصلا، وأن تقوم بإطلاق النار عليه. إحدى حصانات المجتمع الإسرائيلي وقدرته على استيعاب هذا الكم من العنف والقمع هي أنه تمت هندسته على استيعاب الصراع والحياة كعملية متواصلة من «التهديد» والـ»دفاع» أي القمع والقتل. هذا هو الروتين بالنسبة للإسرائيليين وهم لا يرون هذه الحياة غريبة أو حتى مقيتة. لا جسم سياسيا يعطي هذا المجتمع خيارا آخر، الجميع في إسرائيل يرى في هذا الخيار ضرورة حياة وليس اختيارا سياسيا، وهذا ما يجعل المجتمع في إسرائيل مجتمعا عنيفا ومتسامحا مع القتل اليومي، ليست الدولة هي فقط العنيفة، دعم عودة والطيبي للبيد يعني أننا نحن أيضا نتسامح مع قتل شعبنا.
المرحلة السياسية المقبلة ستقوم على: أولا الفرز بين قوى تريد أن تتفاهم مع إسرائيل عبر تنازلات مستمرة، وقوى سياسية ترى أن تحدي الساعة هو في بناء إجماع وطني مقابل ومواجه للدولة العبرية ومجتمعا وطنيا متماسكا يبدأ في البحث عن حلول داخلية لقضاياه وفي بناء مرجعيات وطنية متماسكة وفي تجنيد الطبقة الوسطى لدعم بناء مؤسسات وتمويل حركات شعبية ضمن خطاب سياسي مقنع. ضمن هذه العملة سيتم تحجيم العمل البرلماني والكنيست لأن هذا الحيز الإسرائيلي لم يعد يحتمل الحراك السياسي الوطني والتحدي الذي اعتدناه والذي يجب أن يكون جزءا من كل حيز سياسي، وألا فعلينا أن نترك الحيز الذي لا يتيحه ونبحث عن بدائل.