تم تعيين كارولين رودريغز بيركيت، ممثلة دائمة لجمهورية غيانا الاتحادية (وتكتب كذلك غايانا) لدى الأمم المتحدة عام 2020. وشغلت قبل ذلك منصب وزيرة للخارجية بين عامي 2008 و20015 كما عملت مديرة لمكتب منظمة الأغذية والزراعة «فاو» في جنيف بين عامي 2017 و2020. تنتمي رودريغز إلى السكان الأصليين في غيانا، وحصلت على منحة مخصصة للسكان الأصليين لدراسة إدارة الأعمال في جامعة ريجينا بكندا وعادت إلى غيانا عام 1993. والمنحة الدراسية تتطلب منها أن تعمل في مجتمعات السكان الأصليين، فذهبت للعمل في برنامج لتحسين الأثر الاجتماعي التابع لبنك التنمية للبلدان الأمريكية وبقيت في المنصب حتى عام 2021.
تم تعيين رودريغز في مجلس الوزراء كوزيرة لشؤون السكان الأصليين في نيسان/أبريل 2001. وبعد الانتخابات العامة عام 2006 أعيد تعيينها كوزيرة لشؤون السكان الأصليين في أيلول/سبتمبر 2006. وبعد ما يقرب من سبع سنوات من العمل وزيرة لشؤون السكان الأصليين ثم وزيرة للخارجية في 9 نيسان/أبريل 2008 استمرت في المنصب لغاية خسارة حزب الشعب التقدمي الانتخابات العامة في ايار/مايو 2015 ثم انتقلت للعمل في الخارج.
انتخبت غيانا في حزيران/يونيو 2023 عضوا غير دائم في مجلس الأمن، وهي المرة الثالثة التي تنتخب لعضوية مجلس الأمن. وبدأت عضويتها في 1 كانون الثاني/يناير 2024 وتنتهي في 31 كانون الأول/ديسمبر 2025.
تقع جمهورية غيانا الاتحادية على الساحل الشمالي لدول أمريكا الجنوبية وهي الدولة الوحيدة التي تتكلم اللغة الإنكليزية، إذ إنها خضعت للاستعمار البريطاني. وتعتبر نفسها جزءا من تجمع دول البحر الكاريبي «كاريكوم». استقلت عن بريطانيا في أيار/مايو 1966 ثم أصبحت جمهورية في عام 1973. يقل عدد سكانها عن المليون نسمة و43 في المئة منهم من أصول هندية شرقية، و30 في المئة من أصول أفريقية والباقي من السكان الأصليين.
في مقر الأمم المتحدة بنيويورك كان هذا اللقاء مع كارولين رودريغز بيركيت، وفي ما يأتي نصه.
○ نبدأ من موقف غيانا من القضية الفلسطينية وهذا الدعم القوي لحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وموقف الرئيس عرفان علي الذي يحظى بتقدير الشعب الفلسطيني. هل يمكن أن تسلطي قليلا من الضوء على موقف بلادك من القضية الفلسطينية؟
• أشكركم على هذا اللقاء. لقد سئلت من قبل لماذا تؤيد غيانا فلسطين؟ تلقيت هذا السؤال باعتبار الأمر غريبا. بالعكس موقف غيانا يجب أن يكون موقف كل دولة لأنه منطلق من دافع العدل والحق. وغيانا باعتبارها دولة صغيرة، منذ وقت بعيد تقف دائما إلى جانب العدل ومع الذين يعانون من التمييز. ولنأخذ مثلا جنوب أفريقيا، لقد كنا دائما إلى جانب الشعب في جنوب أفريقيا وضد نظام الأبرتهايد. غيانا كانت من الأعضاء الأصليين للجنة الأمم المتحدة لممارسة حق الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف، وكذلك في بلدنا، أذكر عندما كنت وزيرة خارجية وفي كل مرة تحدث تطورات مهمة في فلسطين كنت أتلو في البرلمان بيانا حول موقف بلادنا من ذلك الحدث. فموقفنا هذا في مجلس الأمن هو متابعة لمواقفنا التاريخية من قضية فلسطين وقضايا الحق والعدل حيثما نرى اعتداء على العدالة.
○ هل هذه أول مرة تدخلون مجلس الأمن عضوا غير دائم؟
• لا، هذه هي المرة الثالثة. المرة التي سبقت هذه كانت قبل أربعين سنة (1982-1983) وقبلها بست سنوات من 1975 حتى 1976.
○ أراك تنسقين مع الجزائر والدول الأفريقية والأعضاء المنتخبين العشرة. هل بإمكان الدول المنتخبة أن تحدث تغييرا في قرارات مجلس الأمن؟
• الجواب من شقين: نحن ننسق مع الدول الأفريقية الثلاث: الجزائر وموزامبيق وسيراليون ونطلق على أنفسنا (3+1). عندما ننظر إلى جدول أعمال مجلس الأمن ونرى أن معظم المسائل تتعلق بالقارة الأفريقية فلا بد من دعم المواقف الأفريقية في البحث عن حلول أفريقية ومن هنا جاء دعمنا لمجموعة الدول الأفريقية الثلاث وأضفنا أنفسنا فصرنا 3+1. ولكن أبعد من ذلك لدينا علاقات تاريخية مع أفريقيا منذ أيام الرق وتجارة العبيد. ومن هنا نجد هذه العلاقة الحميمة مع الدول الأفريقية ويتكلم واحد منا أحيانا باسم المجموعة. قد تتكلم غيانا باسم «3+1» أو الجزائر أو موزامبيق، وهكذا. من جهة أخرى ما يتعلق بالعشرة المنتخبين، هناك دول خمس دائمة العضوية تمتلك حق النقض وعشر دول منتخبة. طبعا نحن نحتاج بعضنا بعضا، فالفيتو قد يطيح بأي مشروع قرار. والدول العشر قد تطيح كذلك بأي مشروع قرار إذا لم يصل عدد المصوتين إلى الحد الأدنى وهو تسعة أصوات إيجابية. إذن هم بحاجة إلينا بقدر حاجتنا إليهم، وهذا موقفنا القوي وقد نجحت الدول العشر في العديد من المواقف كان آخرها عن غزة حيث تمكنا من اعتماد قرار رغم امتناع روسيا والولايات المتحدة. لقد نجحنا في التصويت على قرار وقف إطلاق النار في رمضان الماضي، ونحاول أن نوازن بين قوتنا كعشر دول منتخبة وبين الدول الخمس دائمة العضوية. نحن الدول العشر متوسطة الحجم وصغيرة وليس لنا مصالح كونية مثل الدول دائمة العضوية إلا ما يتعلق بالعدل والسلام والاستقرار والحرية.
○ الدول الصغيرة والمتوسطة من مصلحتها أن ترى القانون الدولي يحترم من قبل الجميع. لكن هناك دولا تنتهك القانون الدولي باستمرار كما هو الحال في غزة. كيف ترين هذه المعضلة؟ وكيف يمكن مواجهتها؟
• نحن نمر في طريق متعثر بالنسبة للقانون الدولي، لكننا يجب ألا نتوقف ونصمت عندما نرى القانون الدولي ينتهك. رأينا هذا في حالة أوكرانيا وفي حالة غزة بشكل أكبر. وهذا ما يشير إليه الكثيرون على أن هناك «ازدواجية معايير». نسمع ذلك في مجلس الأمن عندما نبحث بعض المسائل نسمعه بلغة معينة، وعندما نبحث مسائل أخرى تختلف الأمور ونسمع دولا أخرى تتحدث بشكل مغاير عن القانون الدولي. في كل خطاباتنا نؤكد على ضرورة احترام القانون الدولي بشكل دائم وليس بشكل انتقائي. في الشهر المقبل سنلتقي في جنيف للاحتفال بالذكرى 75 لاتفاقيات جنيف التي اعتمدت عام 1949. كدول صغيرة ملاذنا وأولوياتنا هي: احترام القانون الدولي والدبلوماسية متعددة الأطراف. لأن قانون: «القوة تصنع الحق» تأخذنا إلى مناطق خطيرة لا رجعة منها.
○ أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا (ما عدا الصين) غير ممثلة في مجلس الأمن بشكل دائم. كيف يمكن إصلاح مجلس الأمن؟ توسيع العضوية الدائمة وغير الدائمة أم ماذا؟
• صوتنا مرتفع في موضوع إصلاح مجلس الأمن منذ مدة طويلة كغيانا ومع مجموعة كاريكوم (دول الكاريبي). ونحن نؤكد أن المجلس يجب إعادة تشكيله بحيث يتم توسيع العضويتين الدائمة وغير الدائمة. أما فيما يتعلق بالفيتو، فغيانا تتمنى أن يتم إلغاء الفيتو. ولكن هناك تحديات فيما يتعلق بنتائج ذلك. وإذا كان ذلك صعبا فيجب ألا يكون هناك نوعان من العضوية الدائمة بفيتو وعضوية غير دائمة بدون فيتو. الفيتو امتياز يمنح وليس حقا ثابتا، ومن يعطون هذا الامتياز عليهم أن يحسنوا استخدامه.
رأينا مؤخرا كيف استخدم الفيتو كقوة «ليست للخير والحق» بل لغير ذلك، كما شاهدنا في حالة فلسطين وهذا ما يحز في قلبي، كما شاهدناه أيضا في موضوع أوكرانيا. أي إصلاح لمجلس الأمن يجب أن يتضمن تضييقات على استخدام الفيتو أو أن يكون مثلا استعماله مرتبطا بعدد الأصوات، مثلا يصبح استعماله لاغيا إذا حصل مشروع القرار على عدد (عال) من الأصوات الإيجابية. يجب أن نجد نوعا من التوازن في استخدام الفيتو. أما بالنسبة للتمثيل فعلينا أن نقر أن كل دول الجنوب تمثيلها في المجلس غير عادل.
○ في عام 1947 اعتمد قرار 181 لإنشاء دولتين، إسرائيل وفلسطين، واحدة انشئت خلال عام والأخرى ما زالت تنتظر. هل هناك عدل في ذلك؟
• أقول إن في ذلك غيابا للحق والعدل لأقصى درجة. هناك دولة عضو في الأمم المتحدة ولا تفتأ تنتقد الأمم المتحدة ولم يطلب منها أحد أن تغادر المنظمة الدولية. وهناك دولة أخرى تمنع من الجلوس في الأمم المتحدة كدولة كاملة العضوية وتتعرض لكل تلك العقوبات والهجوم، ومع هذا تؤمن بأن الأمم المتحدة مكان للعدل والسلام وتريد أن تكون عضوا كامل العضوية. أريد أن أقول إن وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام قد نشر هذه المظلمة على العالم وعلينا أن نتابع النضال من أجل فلسطين.
○ عقد اجتماع لجمع التبرعات لوكالة إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا» وهي تتعرض للهجوم لأغراض سياسية لأنها تمثل حق العودة للاجئين الفلسطينيين، وبلدك من بين الدول الـ 118 التي وقعت وثيقة «الالتزام المشترك» التي أعلنت التزامها بدعم الأونروا. ما رأيك في هذه الحملة؟
• نعم نحن من الدول الملتزمة بدعم الأونروا ومن أوائل من أيد المبادرة التي أطلقتها الكويت والأردن وسلوفينيا. وفي كلماتنا دائما ندعم الأونروا، لذلك لدي أمل. ففي وجه الهجوم على الأونروا وفي وجه الهجوم على غزة نرى قوة فلسطين كدولة مراقب تتعزز في الجمعية العامة وقد شاهدنا عدد الأصوات. ورأينا كذلك الـ 118 دولة في بيانها «الالتزام المشترك» بدعم الأونروا وعددها في تزايد. ومع كل المآسي هناك فرص، وقد رأينا هنا على الأقل فرصتين إيجابيتين رغم المآسي، نرى إذن من هنا أين يتجه العالم.
○ ما يجري في غزة قد يكون الحدث الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية. في الماضي كانت هناك مذابح مثلا في رواندا وسربرنيتسا، على الأقل هناك اعتراف بأن ما جرى كان «إبادة جماعية». في غزة هناك من ينكر أن هناك حرب إبادة. أليس هذا فشلا ذريعا للمجتمع الدولي للسماح لهذه المجازر بالاستمرار وهناك تقارير تقول إن عدد الضحايا قد يكون أكبر بكثير من الأعداد المعلنة وقد يصل إلى 186 ألف ضحية؟
• لا أريد أن أصف ذلك بفشل المجتمع الدولي، وقد تحدثنا عن القرارات التي اعتمدت بغالبية كبيرة، لكن يمكن أن نتحدث عن العجز في النظام الدولي، نحن نتحدث عن إعادة إصلاح مجلس الأمن. هناك قوى تستطيع، ولأسباب معينة، أن تؤيد دولا بعينها فيما تتخذه من إجراءات. نعم نعتقد أن ما يجري في غزة هو حرب إبادة، انطلاقا من أن مجموعة من الناس أو حكومة تشعر بأنها أعلى وأفضل من مجموعة أخرى، وهذا لا يأتي إلا استنادا إلى شعور عميق بالعنصرية والكراهية.
○ تحدثت عن الكراهية العميقة المتجذرة في النفوس. الناس هنا يشعرون بأنهم مفصولون عن الحقائق، كيف يمكن تجاوز هذه العقبة؟
• لا لنسبة للحالة في فلسطين، هناك من يعتقد أن الأمور يمكن أن تسير نحو تطبيع المآسي وتقبلها. أنا لا أحب استخدام مصطلح الصمود أو الصلابة في مواجهة المصائب، وكأن موت الناس أو قتلهم من الأمور الطبيعية، ونأخذ الأمور كأنها عادية. وكنت أتحدث مع شخص بعد أن صوتت غيانا بـ «امتناع» على مشروع القرار الأمريكي، وهذا الشخص كان منزعجا مني بسبب اتخاذ مثل هذا الموقف من فلسطين، وهو مختلف عن موقفنا من أوكرانيا. وقال لي: غزة قد تختفي غدا، فلسطين قد تختفي غدا وهذا لن يغير النظام العالمي. لكن إذا استطاعت روسيا أن تنتصر في أوكرانيا فهذا سيغير النظام الدولي. أصبت بالصدمة عندما سمعت هذا الكلام من شخص مثقف، وقلت له، وهذا موقف بلادي، العنصرية أيضا ممكن أن تكون ثقافة متجذرة. هذا جزء من الانفصال عن الواقع وعلينا أن نعمل على وصل ما انقطع وهذا موقف غيانا ولن نتردد في قول ما نؤمن به.
○ كيف لدول صغيرة مثل غيانا أن تسمع صوتها للعالم؟
• الأمم المتحدة أحيانا ينظر إليها من خلال مجلس الأمن، لكن الحقيقة أن الأمم المتحدة أكبر من المجلس. عندنا الجمعية العامة واللجان وغيرها، لكننا نعرف أن العيون على المجلس لأنه الجهاز التنفيذي. كنا نتكلم في عدة منابر قبل أن تبدأ الحرب على غزة، كنا نعمل مع مجموعة دول الكاريبي حيث اعترفت جميعها بفلسطين إلا دولة واحدة. ما تملكه غيانا هو هذا الصوت، لا بد أن نتكلم من على كل المنابر ومن بينها مواقع التواصل الاجتماعي. وأمامنا سنتان في مجلس الأمن وسنرفع هذا الصوت عاليا ولن نخشى من رفعه. في غيانا مجتمع مسلم يصل إلى 12 في المئة، في بلادنا قضية الدين ليست مطروحة ونحن فخورون بهذا، لقد أنجزنا انسجاما مجتمعيا، فلا أحد يصنف الناس حسب أديانهم، إننا نستخدم التنوع من أجل أهداف نبيلة.
○ سؤالي الآن حول قرارات محكمة العدل الدولية وآخرها يوم 19 تموز/يوليو. غيانا قدمت مرافعة في المحكمة ماذا نتوقع من المحكمة؟
• انظر ما يجري في غزة. لقد سمعت من قناة «الجزيرة» ما جرى في مدرسة تابعة للأونروا حيث تم الهجوم عليها وقتل نحو 20 فلسطينيا. لا تسمع هذا الخبر في أي محطة أخرى. آمل أن تفتح حدود غزة كي يرى العالم ما جرى فيها خلال هذه الشهور.
○ وقعت فلسطين وغيانا عددا من الاتفاقيات في ميادين الزراعة والصحة وغيرها. هل من تفاصيل؟
• نعم قام سفير فلسطين في الأمم المتحدة، وهو سفير معتمد في غيانا كذلك، بزيارة رسمية للبلاد ووقع عددا من الاتفاقيات كما ذكرت. والحقيقة أن هناك الكثير يمكن أن نتعلمه من الشعب الفلسطيني، إنه من أكثر الشعوب ثقافة وعلما، وهذه ظاهرة مميزة لشعب تحت الاحتلال ويعاني الكثير ومع هذا يكتسب كثيرا من الخبرات ويمكن الاستفادة من تلك الخبرات.
○ يواجه العالم كثيرا من التحديات الكونية، هناك من يعتقد أنه قادر على الوقوف أمام التحديات منفردا، ما رأيك بموضوع التعددية والدبلوماسية متعددة الأطراف؟
• قلت من قبل إن السياسة متعددة الأطراف هي ملجأ الدول الصغيرة. هناك مثل أفريقي يقول: إذا كنت تريد أن تذهب بسرعة، فاذهب وحيدا، أما إذا كنت تريد أن تصل بعيدا فاذهب مع الآخرين، وهذا جوهر الدبلوماسية متعددة الأطراف. الأمم المتحدة أنشئت لمنع ويلات الحروب، والدبلوماسية متعددة الأطراف الآن تخضع للاختبار، فنحن نعيش الآن مجموعة حروب هي الأعنف والأكثر دمارا منذ الحرب الكونية الثانية. هناك من يفضل العمل الانفرادي، وهم مخطئون. لا يمكن أن نحل التحديات المناخية فرادى، ولا يمكن أن نحل الأوبئة وهي لا محالة راجعة، فرادى، ولا يمكن أن ننتصر على الإرهاب. لمواجهة هذه التحديات يجب أن نعمل معا، أنا مؤمنة من كل قلبي بالعمل الجماعي والتعددية وعلينا أن نتجاوز الانقسام، على الأقل علينا أن نواصل الحوار.