حوار الطرشان في مُسلسلات الصعيد: المُبالغة في التمثيل سر الفشل!

إذا كان الحديث اقتصر طوال الفترة الماضية على مستوى الأعمال الفنية، التي عُرضت خلال السباق الرمضاني، فإن ما فطن إليه الجمهور بعد مشاهدة مختلف الأشكال والألوان من المسلسلات، تم تلخيصه حسب ما تناولته الآراء الحرة على مواقع التواصل الاجتماعي، في ما وصف بالمبالغات المُضحكة لأداء الأبطال والبطلات، بغية إثبات قدراتهم الفنية الخارقة، ومحاولة لفت الأنظار لسرقة الأضواء من المنافسين، وهي الأزمة الكبرى، التي مثلت عنصر الضعف في مسألة الإقناع، وحولت القضايا الجادة إلى مسخرة.
من أبرز ما تم التركيز عليه في عملية التقييم الجماهيري التلقائي هو دراما الجنوب، على وجه التحديد، فقد طرحت أشكالاً وصوراً مغايرة للواقع الصعيدي المصري، واتسمت في مُجملها بالإسراف والمبالغة على كل المستويات، فمن حيث الصراع دارت معظم الأفكار حول صراع المال والأعمال، وعمليات التهريب الافتراضية في مجال المخدرات والآثار والماس، وبموجب هذه الافتراضات الخيالية تمت الكتابة الدرامية فجاءت كل العينات متشابهة وغير منطقية، ورغم جديتها الشديدة، كانت أقرب إلى الرسومات الكاريكاتيرية منها إلى الموضوعات والقضايا، فانقلبت تفاصيلها التراجيدية إلى فصول كوميدية من فرط غرابتها، وانفصالها الكامل عن الواقع الجنوبي، الذي تم تصويره مئات المرات في أعمال درامية وسينمائية مُعتبرة، لا تزال هي الأصدق والأقرب للحقيقة، رغم كل المحاولات اليائسة التي جاءت بعد ذلك في سياقات مختلفة.
أول الأعمال الضخمة والرئيسية، التي نالت القسط الأكبر من التداول وخضعت لعملية النقد التلقائي من جانب المشاهدين العاديين، كان مُسلسل «نسل الأغراب» لأحمد السقا وأمير كرارة وأحمد مالك وأحمد داش ومي عمر وإدوارد وسلوى عثمان، فقد أخذ على معظم هؤلاء الأبطال المجهود الزائد المبذول من جانبهم في عملية الأداء، لتحقيق الإقناع القسري بشكل الشخصيات ومنطق الحوار واللهجة، وعقدة الصراع التي تمثل عادة عنصر الإثارة والتشويق، وربما كان الأكثر مبالغة هو أحمد السقا بشكله وملابسة وماكياجه وأدائه الحركي، إضافة إلى الأسنان الصناعية التي تم تركيبها لتدل على شراسة شخصية عساف وطبيعته العدوانية، وهي محاولات تأثيرية ساذجة، استخدم فيها المخرج الإكسسوارات على نحو مُثير للسخرية والتهكم، فخصمت من قيمة العمل بدل أن تُضيف له، فالمبالغة في تحريك أحمد السقا للفك السفلي وإبراز السنة الصناعية مع الاعتماد في عملية التأثير الخارجي للشخصية على حلاقة الشعر، وتغليظ اللهجة وحشرجة الصوت، كل ذلك مثّل نقاط ضعف جوهرية في شكل البطل الظاهري، حيث صرفت نظر المُتلقي عن المضمون الداخلي والتفاعل الإنساني لشخصية عساف. وكذلك اصطبغ أداء بقية الأبطال بالصبغة نفسها والطلاء الخارجي ذاته، فالعمائم الضخمة الموضوعة فوق الرؤوس لصبية في سن المراهقة لم تكن مُتسقة مع تكوين الشخصيات الصغيرة وتجاربها المحدودة، وهو ما يندرج أيضاً تحت بند المُبالغة المُفسدة للعمل.

وهكذا تتعدد الأخطاء بتعدد الأدوار والشخصيات وتبرز عيوب المبالغة كأهم التأثيرات السلبية المؤدية للإخفاق والفشل وضياع الجهد والوقت والمال وإهدار القيمة الفنية والإبداعية.

ومن حيث الحبكة الدرامية والموضوعية كانت المبالغة أيضاً هي سيدة الموقف في كل الحلقات، إذ لا يوجد في صعيد مصر ما يُعرف بتهريب الذهب والفضة والماس في صناديق خشبية محمولة على ظهور الإبل، تحت الحراسة المشددة، ليتم تسليمها لزعيم المافيا أو إهدائها لحبيبته أو زوجته جليلة في وضح النهار، وعلى عينك يا تاجر كما يقول المثل الشعبي الدارج. ناهيك من بعض التفاصيل الأخرى التي ليس لها محل من الإعراب، إلا في قاموس الكاتب والمخرج محمد سامي، صاحب التحف الموسمية الدرامية وشريك السقا في كل النجاحات السابقة.
ومن بين المُسلسلات التي لوحظت فيها عيوب الأداء والتمثيل، مسلسل «كل ما نفترق» للوجه الجديد ريهام حجاج التي تصدرت البطولة فجأة في هذا العام، وقدمت دوراً من تلك النوعية الدرامية المُنتمية للثقافة الجنوبية مع عمرو عبد الجليل ومجدي عبد العزيز وأحمد فهمي، فقد تم النسج على أسطورة وهمية تحكي حكاية مجتمع قروي بدائي، يعتقد أهله في الخرافات والخزعبلات، ويؤمنون بوجود الغولة التي تتحكم في المصائر، وتهدد أمن القرية، وبامتداد الصراع والحكاية الخرافية تتبلور الفكرة وتتسع مساحة الدور الرئيسي للبطلة فنراها بمستويات عديدة من حيث الأداء ما بين الخوف والرعب الشديدين، والمطاردة والفرار من الموت، من بداية الحلقة الأولى وحتى اقتراب النهاية، وعليه لم يحدث التطور المتوقع، ولم ير المشاهد جديداً في رحلة المطاردة الطويلة العسيرة، اللهم غير العناية بشكل البطلة وملابسها وأناقتها، وآخر صيحات الموضة في تسريحات الشعر المُبتكرة، وتلك هي متغيرات الواقع الجديد في دراما الصعيد، التي لا يعرفها غير صناع المُسلسلات فقط.
في مسلسل «موسى» لمحمد رمضان وسمية الخشاب وسيد رجب، وهو أحد الأعمال التي قدمت رؤية بانورامية لشكل الحياة في صعيد مصر في مرحلة تاريخية معينة، بدأت فيها الأحداث في أربعينيات القرن الماضي، جاءت الصورة مجازية أيضاً، فلم يكن الاعتناء بالتجسيد الدرامي للواقع الصعيدي وافياً، إلا في حدود خاصة جداً، وكالعادة ظهرت عيوب الأداء واللهجة في بعض الحلقات، رغم الاجتهادات الواضحة من جانب الأبطال والممثلين الثانويين، لكن ثمة تركيز على العرض العام اكتنف الصورة الكلية تمثل كما هو معتاد في الملابس الصعيدية والديكورات والإكسسوارات ومناطق التصوير، وهو عرض شكلاني للصورة التقليدية لصعيد مصر في ضوء فكرة مُسبقة يتم توظيفها بشكل آلي لتكون خلفية للأحداث. فمن الأخطاء الشائعة في دراما الجنوب خلط الممثلين بين اللهجات بعضها ببعض، لتقارب الشبه في ما بينها، فالفوارق في المد والجر والتسكين وأصوات الحروف التي تحدد مخارج الألفاظ ليست معلومة لدى الغالبية منهم، بمن فيهم النجوم الرئيسيون للعمل الفني، إذ يكادون يكونون هم أكثر العناصر وقوعاً في الأخطاء لطول مساحة الدور الخاصة بكل منهم، وعدم تدريبهم التدريب الكافي على إتقان اللهجة والأداء.
وهكذا تتعدد الأخطاء بتعدد الأدوار والشخصيات وتبرز عيوب المبالغة كأهم التأثيرات السلبية المؤدية للإخفاق والفشل وضياع الجهد والوقت والمال وإهدار القيمة الفنية والإبداعية.

كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية