حوار سينمائي مفتوح حول تأصيل ثقافات دول البحر المتوسط

تتعدد الرؤى والأطروحات السينمائية للقضايا التي تخص دول البحر المتوسط، ووفق الثقافات التي تربط هذه الدول تتشابه الموضوعات المطروحة، وتبعاً لهذا التشابه تأتي الصور السينمائية بتعبيراتها المُختلفة كمكون من مكونات الحالة الإبداعية التي تعكس الواقع بما فيه من تفاصيل وخصوصيات ومُشكلات.
وتتميز الصورة السينمائية في أفلام دول البحر المتوسط بكشف الزوايا غير المنظورة في الواقع المُعاصر، أو القديم، فالمُشاهد الذي لم يتمكن من زيارة أي من الدول المعنية، يُمكنه الاطلاع على ثقافتها وتاريخها والتعرف على خصوصياتها، وهو ما يُمكن تسميته بالرؤية التعويضية، التي تتيح الفرصة لتقييم الحياة الاجتماعية في العواصم والمُدن الواقعة على ساحل البحر المتوسط، وما يتخللها من وقائع وأحداث وما تُنبئ به من ثقافات متنوعة وثرية.
وقد رصدت هذا الجانب بعض الدراسات العربية السينمائية، فأوضحت المُشتركات الدالة على وحدة العادات والتقاليد والقيم الإنسانية، وربما سلط مهرجان مونبلييه بصفة خاصة الضوء على مُكتسبات التفاعل بين الثقافات السينمائية المُختلفة، منذ انضمام السينما المتوسطية إلى احتفالاته وفعالياته في عام 1979. وبحسب ما ذكر الكاتب والناقد صلاح هاشم في هذا الصدد، فقد استضاف مهرجان مونبلييه السينمائي، خلال السنوات العديدة الماضية الآلاف من الدارسين والمُهتمين بالسينما من صُناعها وجمهورها لمناقشة المُشكلات والقضايا المُشتركة التي تواجه عادة المشروعات السينمائية والإبداعية، وتؤدي إلى عرقلتها في كثير من الأحيان.
ومن الأسماء العربية والمصرية المهمة التي تمت الإشارة إليها في سياق ما أورده هاشم في كتابه «السينما الفرنسية « المخرج الجزائري محمد الأخضر حامينا ومحمود زموري وعكاشة توتيا ومرزاق علواش، ومن لبنان، جان شمعون وليا المصري وروجيه عساف، ومن سوريا ياسمين خلاط ومحمد ملص وعمر أميرالاي وسمير ذكري، ومن فلسطين ميشيل خليفي وإيليا سليمان. ومن مصر، يوسف شاهين وصلاح أبو سيف وتوفيق صالح، فهؤلاء المبدعون تمكنوا من نقل الواقع الاجتماعي والسياسي الحي من بلدانهم إلى دول الغرب، فأفلحوا في أن تكون أفلامهم همزات وصل بين الثقافة العربية الإقليمية والثقافات الدولية والعالمية، إذ لم يركز أي منهم على جوانب بعينها وإنما قدم الواقع بوجهة نظر محايدة، وطرح جُل القضايا السياسية بكل جرأة، بهدف فتح آفاق لمشاهدة جماهيرية خارج النطاق المُعتاد بلا قصد مُسبق، وهو امتياز عائد على السينما العربية بكل أطيافها وجنسياتها ولا يقتصر على دولة بعينها أو مجتمع بذاته.
ويعد مهرجان لقاءات السينما المتوسطية، الذي يُقام سنوياً في مونبلييه أحد أهم المهرجانات الفرنسية الدولية المعنية بثقافة دول البحر المتوسط، حيث يتميز بعرض الأفلام فقط، دون الصراع التنافسي على الجوائز، فلا توجد جائزة كبرى أو صغرى في أي من التخصصات، وإنما توجد فقط مُتعة المشاهدة والتذوق الشخصي أو الجماعي لنوعيات مُغايرة لطبيعة السينما الأمريكية بإيقاعاتها الصاخبة وحساباتها التجارية.
ومن دواعي الاهتمام بمهرجان مونبلييه على وجه التحديد، أنه يجمع بين نشاطات سينمائية مُتعددة غير مسألة المشاهدة والرؤية والتذوق، تختص بالدراسات السينمائية وعلاقتها بالمجتمعات، وهو نوع من الثقافة الإضافية يُثري العقل ويركز على المعلومة، باعتبارها نواة لتشكيل الوعي السينمائي لدى الفرد المُهتم، غير أن الأفلام المُشاركة تُظهر التشابه والتباين بين المُجتمعات الواقعة في المحيط الساحلي للبحر المتوسط. كما أنها تقرب ملامح الرؤية وأنماط التفكير في التعامل مع القضايا الإنسانية، وغير الإنسانية بالنسبة للكُتاب والمخرجين، فتوضح على سبيل المثال الفروق الجوهرية بين أسلوب كل من المُبدع اللبناني ونظيره الإيطالي أو الإسباني أو الجزائري أو المصري للدلالة على خصائص السينما المتوسطية والروابط المُشتركة بينها.
وفي هذه الجزئية يركز الباحث والناقد صلاح هاشم في كتابه على الأدوات التعبيرية المتميزة، التي تنفرد بها سينما دول البحر المتوسط، كالتعبير بالصورة والموسيقى والإضاءة لخلق حالة إبداعية معينة كالحُلم مثلاً بوصفه رؤية نوعية للمشهد السينمائي، تستلزم جوا فنيا خاصا، وهو ما يعتبره محاولة لرؤية الواقع المتوسطي الذاتي.
وفي السياق ذاته نجد ثمة تأكيد لفكرة الذاتية المتوسطية في بعض الأفلام، يشير إليها الناقد السينمائي بيير بيتوا باعتبارها من تأثيرات الطبيعة في المناطق ذات الخصوصية الجغرافية، وهو الاستشهاد الذي يسوقه صلاح هاشم كدليل على ملامح سينما البحر المتوسط، وما يميزها من ناحية النظر إلى واقعها الذاتي أحياناً بحسب رأيه. ومن أمثلة الإبداع السينمائي في هذا المقام فيلم «الصورة الفوتوغرافية» للمخرج اليوناني تيكوس باباتاكيس والفيلم التركي «آه بليندا» للمخرج عاطف إيلماظ وهو أحد المخرجين المهمين في تركيا، ويتحدث فيله هذا عن واقع المرأة التركية وحياتها الأسرية، في إطار محافظ يعتمد على بساطة التناول وسهولة اللغة السينمائية، بعيداً عن التوظيف التجاري للموضوع.
وبشكل عام يُمكن القول إن القضية الفلسطينية تأتي دائماً وأبداً كعنوان مهم في فعاليات مهرجان مونبلييه السينمائي، كملمح لرسالة ثقافية سياسية حاضرة بقوة في سينما البحر المتوسط ذات البعد الإنساني، وفيها تتوحد الرؤى باعتبار القضية الفلسطينية أم القضايا العربية والأفلام المُترجمة لذلك كثيرة منها، «عرس الجليل» لميشيل خليفي و»المخدوعون» لتوفيق صالح و»المنام» لمحمد ملص، وهي مجرد عينات من أفلام كثيرة حذت الحذو نفسه في العرض والتوثيق والتسجيل.

كاتب مصري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية