كان ـ «القدس العربي»: ثمة سعادة غامرة، أو فلنقل انتشاء ونشوة، يجدها عاشق السينما عندما يجد ذاته أمام تحفة سينمائية، لاسيما إن كان يسبق هذه النشوة السينمائية تشكك وإحساس بأن مخرج هذا العمل، الذي يوشك على مشاهدته قد أصبح خالي الوفاض، بعد أن استنفد كل طاقته السينمائية من سنوات ثم ضل طريقه في غياهب التكرار واجترار الذات.
«حياة خفية» لترنس ماليك هو خير عودة مرجوة من الأمريكي بعد أن ظننا أنه لن يعود. بعد ثمانية أعوام طوال من فيلمه «شجرة الحياة»، المتوج بالسعفة الذهبية في مهرجان كان عام 2011، أنجز ماليك ثلاثة أفلام هي «صوب العجب» (2012) و»فارس الكؤوس» (2015) و»أغنية لأغنية» (2017) ، ثلاثة أفلام ظننا بعدها أنه قد ضل الطريق، أو أن قواه قد خارت. ولكن يأتينا «حياة خفية» هذا العام، المنافس على السعفة الذهبية في مهرجان كان في دورته الثانية والسبعين، ليؤكد لنا أن ما كنا نظن أنه أعوام من الركود لم يكن إلا استعدادا وتمهيدا لعمل يحفل بالإنسانية والشاعرية والجزالة البصرية لفيلم «حياة خفية»، الذي يمر أمام أعيننا كقصيدة بصرية، قصيدة نستشف منها رؤية ماليك للإنسانية وللحياة والإيمان، ليس بالتحديد الإيمان بالإله ولكن الإيمان بالمبدأ، وعدم الحياد عنه.

«حياة خفية» يقدم صورة للإيمان بالمبدأ، لا يمثل ذلك المبدأ أيديولوجيا ما، أو دينا من الأديان، بقدر ما ينتصر للإنسان والوقوف في وجه ما يراه الإنسان طغيانا وشرا. هو فيلم عن الشجاعة التي يتطلبها مثل هذا الإيمان الراسخ بالمبدأ، وعن التضحيات المترتبة عليه. وهو فيلم أيضا عن مساءلة الذات وفهم دوافعها: أترانا حين ندافع عن مبدأ ما نفعل ذلك للإيمان بذلك المبدأ حقا، أو لإثبات تفوقنا الأخلاقي؟ أترانا في إيماننا بمبدأ ما نصدر أحكاما على غيرنا وندينهم لعدم التزامهم بما نؤمن به؟
يبدأ الفيلم كما لو كنا في فردوس على الأرض، وسط التلال والوديان الخضراء والغدران المتدفقة، وقمم الجبال التي تطال السحاب. إنها قرية وادعة في الريف النمساوي، تغفو في هدوء بعيدا عن صخب العالم وصراعاته. يمكن لهذه القرية أن تعيش هكذا بمعزل عن العالم في هدوئها الطيب، إلا أن العالم يأبى ذلك، فالعام هو 1939، وقوات النازي تواصل اكتساحها، وتوشك أن تزج هذه الجنة الصغيرة في صراعات كانت بمنأى عنها.
فرانتز (أوغوست ديل) وفاني (فاليري باشنر) زوجان شابان يعيشان في هذه القرية الوادعة، يزرعان الأرض، ويتبادلان القبلات، ويعنيان بأطفالهما الثلاثة. أسرة سعيدة صغيرة تتنسم رحيق الأزهار وتمرح في الحقول الغناء وتبذل الجهد في زراعة الحقل، ولكن هذه الأسرة توشك على التعرض للاختبار، اختبار لإيمانها ومبادئها وإنسانيتها، ولحب أفرادها لبعضهم بعضا، ولمدى قدرتهم للتضحية في سبيل الثبات على ما يؤمنون به. سينما ماليك تختبرك وتضعك على المحك، فإن صبرت ستكتشف جوهرها العذب وشاعريتها الجزلة. أما إن كنت تبحث عن تطور سريع للأحداث وعن سردية خطية، فلن تجد ذلك في سينما ماليك. مع ماليك يمكننا القول إننا في صحبة ناسك أو متعبد، نتأمل بمعيته العالم والطبيعة والبشر، لنخلص في نهاية هذه الرحلة إلى ما هو أسمى وأكثر روحانية. وفي «حياة خفية» يصحبنا ماليك في رحلة، إن كنا نتتبع خيطها الرئيسي، إلا أن ما يعتمل داخل شخصياته وتطورهم الروحي وما يدور بخلدهم هو ما يعني ماليك ويعنينا.
رغم أن أحداث الفيلم تدور في الحرب العالمية الثانية، في ذروة بطش قوات النازي وتنكيلها وتعذيبها، إلا أننا لا نرى دماء مراقة ولا أوصالا ممزقة.
فرانتز، ذلك الوسيم الباسم الذي يمضي أيامه في سعادة مع أسرته، يوشك أن يوضع في آتون التجربة. قوات النازي تتقدم، ومع تقدمها يعلم فرانتز أن على كل رجل نمساوي بالغ أن يقسم الولاء لهتلر ويوقع على ذلك. ولكن بعد فترة وجيزة من التدريب العسكري، يدرك فرانتز إن قوات النازي تبيد الأبرياء، فيرفض التوقيع على قسم الولاء لهتلر، ويرفض القتال. فرانتز يبدو لنا كغيره من أبناء قريته، يفلح الأرض ويعتني بأسرته الصغيرة، ويتأمل مواكب الأعياد في الكنيسة. ولكن أبناء قريته هؤلاء لا يترددون في التوقيع على وثائق الولاء لهتلر والنازي، فالكل يريد أن ينجو بذاته وأسرته، أما فرانتز فيرفض ذلك، يرفض مع معرفته بتبعات ذلك، يرفض وهو يعلم أن حياته هي ثمن رفضه، ولكنه يفضل الثبات على ما يؤمن به على النجاة بجسده. فرانتز ليس أكثر تدينا من غيره، ولكن ضميره الإنساني لم يسمح له بتأييد ظالم باغ. التضحية ليست تضحية فرانتز بحياته في سبيل إيمانه بمبدأه فقط، بل تضحية زوجته، التي تتحمل نبذ القرية لها وتتحمل الأذى وتتحمل قسوة الآخرين وقسوة الحياة.
فرانتز لا يحركه وزاع ديني، بل أنه حين يذهب للكنيسة ليجد بعض الثبات في محنته واختباره، يجد أن الكنيسة ذاتها أذعنت لطغيان هتلر، إنقاذا لرجالها من بطش النازي. يقول له رسام أيقونات ولوحات الفريسكو الجدارية في الكنيسة، إنه يخلق جمالا في صورة لوحات من آلام المسيح والقديسين، ولكنه لا يقوى على أن يكون له مصيرهم من عذاب وقتل. فرانتز لا تحركه رغبة في الخلود أو رغبة في أن يكون رمزا، أو مثلا أو قائدا. كل ما يريده فقط هو الالتزام بمبدأه الإنساني. ما يحرك فرانتز هو وازع أخلاقي وليس وازعا دينيا. كل ما يرغب فيه هو أن يلتزم بضميره الإنساني وليس بتعاليم الدين. لا نسمع فرانتز قط يردد الصلوات، وحين نستمع إلى زوجته فاني في مناجاتها وتساؤلاتها، فإنها تبدو لنا كمن يبث شكواه لإله لا يسمع أو يلتزم الصمت إزاء ما يواجهه فرانتز وغيره من بطش وظلم.
رغم أن أحداث الفيلم تدور في الحرب العالمية الثانية، في ذروة بطش قوات النازي وتنكيلها وتعذيبها، إلا أننا لا نرى دماء مراقة ولا أوصالا ممزقة. حتى بعد إصدار المحكمة العسكرية للنازي حكمها على فرانتز وسجنه تمهيدا لإعدامه، لا يبدو لنا سجن النازي بالقسوة المتخيلة. ولا يرجع هذا إلى رغبة ماليك في تجميل الحرب أو إغفال قسوتها، بل رغبة منه للتأكيد على أن ما يعنيه حقا العالم الروحي والنفسي لفرانتز وزوجته فاني. يسأل أحد قضاة النازي ( الراحل الكبير برونو غانز في دور قصير ثري) فرانز: «أتصدر حكمك عليّ وتحاكمني»، فيجيب فرانتز: «لا أصدر حكمي على أحد». فرانتز لا تعنيه إدانة أي كان لتأييد النازي، فلكل ضميره وعقله وقلبه وأسبابه لأفعاله، حتى الشنعاء منها. أما فرانتز فيعنيه الالتزام بما يمليه ضميره برفض الظلم والبغي، وبمساعدة من حوله من السجناء، إن كان في وسعه المساعدة أو تخفيف وطأة الألم.
يستهل ماليك الفيلم بعبارة أنه مستوحى من أحداث حقيقية، ففرانتز ياغرشتاتر، الشخصية المحورية في الفيلم، شخص حقيقي دفع حياته ثمنا لرفضه إعلان الولاء لهتلر ورفضه القتال. وكما هو الحال في «أيام الجنة» (1987) و»بادلانز» (1973)، فإن ماليك، حينما يمسك ناصية السرد، وحين يدخلنا عالم لحظة تاريخية ما، فإنه ينجز عملا يندر أن نجد له مثيلا، إنه عمل تتلاقى جميع عناصره لتنتج فيلما جزلا عميقا ذا جمالية بصرية عالية. وهذا ما نجده في «حياة خفية»، وهو عمل تتكامل جميع عناصره لتنتج تحفة سينمائية، تنداح أمامنا على الشاشة في زمن يقارب نحو ثلاث ساعات، ولا نشعر فيه، على طوله، بأي رتابة أو ملل، بل نشعر برهبة ونشوة وتبتل من يشهد معجزة تتحقق.