بوست فيسبوكي
من خارج الهتاف المتصاعد، ومن الاستعداد للمواجهة المحتملة بين مَن هم هو، ومن هم هي، امتدت يداهما، خلسة وتسرقا، لتتلامسا. كان ذلك كل شيء، إذ سريعا ما عاد الجندي إلى وقفته، مرجعا يده إلى حيث كانت. وهي ابتسمت معلنة عن انتهاء ذلك الاتصال العابر والمفاجئ، إذ بدا لها ما حصل لتوه كأنه حصل لفتاة أخرى سواها، وهي لاحظته، أو رأته. أما هو فخرج، للبرهة القليلة التي استغرقتها تلك الملامسة من جنديته.
ليده وحدها أوكل مهمة التعرف عليها، حيث ممنوع عليه أن يلتفت ليرى، كما إنه زوّد يده تلك بكلمة أو كلمتين لاحظناهما، نحن مشاهدي الفيديو الصغير، تبلغان شيئا، بالضغط المتودد، اليد الأخرى. ذلك كان قليلا وسريعا لكنه، رغم ذلك، أمّلنا بأن الحياة، إن انزاحت قليلا عن مسالكها، يمكن أن تكون جميلة إلى هذا الحد.
جولة عمل للمبنى البيضوي
المبنى الذي ظل عقودا عصيا على التسمية أُطلق عليه الآن اسم «البيضة». ليس لكونه على شكل بيضة، لكنه إن كان علينا أن نشبّهه بشيء، فالبيضة هي أول ما يخطر لنا. كان في سابق الأيام تابعا لمبنى ضخم جرى هدمه، لكن من دونها، هي بيضته، إذ اعتبرت في ذلك الزمن تحفة عمرانية. ما زالت البيضة قائمة، محيّرة من أعادوا بناء بيروت القديمة، إذ ظلوا حتى أيامنا هذه، غير مدركين ماذا يفعلون بها. عندما أقيمت قبيل 1975 سنة اندلاع الحرب الأهلية، كانت صالة سينما، ليس للأفلام المهمة طالما أنني، كلما تذكرتها، أتاني فيلم «عماشة في الأدغال» الذي كنت حضرته فيها قبل أيام من بدء أولى تلك المعارك.
البيضة بناء محير. جرى اصطباغها برمزية حالت دون هدمها، فيما الجميع يتساءل ما الذي يجعلها كذلك. مرات عدة أقيمت في جوفها المهدّم المتروك أنشطة ثقافية، عروض تشكيلية أو تجهيزية أو لقاءات بين مثقفين وفنانين. كان يخطر لكل مُلبّ لأي من تلك الدعوات، أنه ذاهب ليؤكد أن للمبنى معنى ما، وإن لم يعرف بعد.
مؤخرا دعيت إلى حضور أفلام يعاد عرضها تضامنا مع الثورة. وهناك أفلام أخرى ستعرض، لا بد، إن طالت إقامة الشباب هناك في وسط البلد. منذ أيام دعا أستاذ جامعي طلابه إلى درس يقيمه هناك، عند مدخلها. بعضهم يحضّر لأنشطة أخرى ستقام فيها. ها هي البيضة تعود إلى العمل. البيضة تتحرك الآن. آخر ما وصلني عنها رسالة فيسبوكية هذا نصّها:
«سينما الشعب تدعوكم/ لحضور أفلام لبنانية ممنوعة من العرض
الثلاثاء: 7 مساء- 1 ليلا / في المبنى البيضوي- البلد
الرجاء تفهم أن المكان سيكون محجوزا لسينما الشعب خلال هذه الفترة…
تسقط الرقابة»
مشارَكة لكن من الأطراف
على نحو ما يقال «محاربين قدامى» كنا، نحن الثلاثة الذين نزلنا لنشارك في الحراك، متظاهرين قدامى. آخر مشاركة لمن هم مثلنا كانت في 2005، وكنا آنذاك، حتى في تلك المظاهرة، أكبر سنا مما يجب. الآن، طبعا بعدت المسافة التي كانت، في تلك السنة، محتملة إلى حد ما. الآن، في هذا التحرك الذي رحت أطلق عليه عبارة «ميغا مظاهرة»، علينا أن نبقى على الأطراف، ليس خوفا من الازدحام هناك حيث المركز، أو المراكز، بل لأن هذه اكتملت بمن هم فيها. مزيج من متفرجين ومتظاهرين كنا، شيء يرجعنا إلى الوراء وشيء يقدّمنا إلى الأمام. بين هذه الأخيرة، الدافعة بنا إلى الأمام، الأغنيات التي تبثّها، قوية هادرة، الميكروفونات الضخمة المحمولة على شاحنات. كانت أغاني قديمة تلائمنا، بعضها يرجع إلى زمن الحرب الأهلية، حربنا، مثل أغنية «يا حبيبي يا جنوب» أو أغنيات للشيخ إمام وأغانيات أخرى كان لحّنها وأنشدها الراحل زكي ناصيف. نحن الثلاثة رحنا نقول إن هؤلاء الثوار الجدد لم يصنعوا لثورتهم أغنياتها بعد. ما زالوا معتمدين علينا ونحن، ومعنا كثيرون ممن كانت لهم أدوار سابقة، نتنقل بين هنا وهناك، تاركين لهم أن يقولوا لنا ماذا نفعل، وأحيانا نعلي أصواتنا بالهتاف مردّدين ما يدعونا ذلك الشاب إلى قوله.
مبادلة الابتسام بالابتسام
مثلما يمكن أن تكلم فتاة، أو امرأة، وتستجيب بالرد أو تكتفي بالابتسام، يحدث أن يقترب منك أحد ليقنعك بوجهة نظره. على الطريق ونحن ذاهبون إلى المقهى خارج دوائر الحشود، اقتربت منا طالبتان جامعيتان لتناقشانا. ونحن في المقهى أيضا تقدمت نحونا سيدتان لتشاركانا في حديثنا. ربما لن يزيد ذلك على تعليق سريع يستتبعه تعليق آخر، سريع مثله، لكن مع ذلك يبدو الإقبال غير المعتاد على مخاطبة الآخرين، وعدم إدارة فتاة لوجهها إثر تلقيها تحية أو ابتسامة، أشبه بانهدام جدران مازالت صامدة من ألف عام.
٭ روائي لبناني