صرخة الغضب… جماليات البلاغة اليومية في شوارع بيروت

مضى زمن على الناس كانوا يرون الحياة من عين السلطة، فالقول ما أنتجته تلكم السلطة، والبوصلة التي تُحدد لعباد الله هي ما تضبطها السلطة، وظل الحال على هذه السجية حتى بدأ الناس يتململون، فما عادت سردية السلطة مقنعة للجموع، فقد شاخت والعالم كله في صيرورة وحَراك. لأجل هذا راح الناس يتطلعون إلى من ينفث في نفوسهم باعثا، يعيد إليهم ألقهم ويحقق مواجدهم وأشواقهم، فهبت رياح التغيير وراحت الشعوب تصنع تاريخها وترسم طريقها، بعيدا عن إملاءات السلطات، فمن تونس إلى القاهرة 2011، فبيروت 2019، آنس صناعُ الغضب نارَ التغيير صوتا ساخطا وقولا اعتراضيا حاد الحواف. رجعُ الصدى لقوتهم الناعمة والمُبينة ما تأخر. انفرج في هتافات الشارع المنتفض و»نحو الجدران»، لا في «النظام» الذي حلموا بإسقاطه، فاستبدلَ بكياسة لبوسَه وتجذر. سقفُ الارتقابات ما تعدى -عربيا- عتبات ترحيل زعماء ومحاكمة آخرين وتغييبهم، ومطالبة لفظية بإسقاط الأزعر وحكمه. وحدها نصوص المكاشفة تماسكت، قلبت المقاييس، حلت عقدةَ الألسن، وأحالت هامش خطابات الاحتجاج َمتنا بليغا. وهي الوحيدة الصامدة بعدما ينفض زخم الساحات، كما علمنا «الربيع العربي».

الانتفاضة: تجاذبات الأدوار وتعثر بلوغ الغايات

في «17 تشرين» ما كان يسيرا ومطلوبا من صناع الغضب ناشطين كانوا أم أناسا مُخَبرا عنهم، ومن واضع الكتاب، ومن اللسانيين والبلاغيين والسوسيولوجيين، أن يقدموا بدائلَ عملية لأزمةٍ بنيوية مستعصية. ولا كان من مهامهم صوغ مشاريع إصلاحية أو استنباط حلول إنقاذية. فهي من شأن الحكام والمشرعين والمتخصصين.
«أصحاب الأرض» نفسوا عن غضب عارم وقدموا ما بوسعهم. ابتدعوا وسائط لهامشهم المسكوت عنه (صرخات وكلمات وهتافات وتعليقات وأهازيج و»بوستات»). صاغوا عناوين إصلاحية عريضة وفضفاضة، وأطلقوا أحكاما إدانية بحق فاسدين. الطبقة الحاكمة العالِمة بالدواخل والممسكة بالمقاليد منذ عقود، أثبتت أنها صاحبة الحل والربط والتسويف. قادة الرأي من المفكرين والمثقفين والاقتصاديين والسياسيين كانوا أكثر من غيرهم معنيين بالتفكر والتبصر، لا بالتعليق على الشاشات وعبر الأثير العنكبوتي. فمن مهامهم إصاخة السمع وتلقف المطالب ودرسها وإدراجها على سكة الحل، والعمل، لاشتراع مخارج وصوغ سياسات إنمائية وإقرارها.
راهن المراقبون والمحللون على أن تُجهض مساعي المنتفضين، وعما قريب ليصبحُن نادمين، وصار خطاب العقلانية «أن تعالوا إلى كلمة سواء بدل التمرد»، وهو نوع من المراوغة التي اعتادها المستبدون ومن يزينون لهم صنيعهم، فما أصاخت الشعوب إلى تلك الوعود العتيقة، التي كشفت الأحداث عجزها وبوارها. قيل الكثير عن تعثُر الانتفاضة وقصورها عن بلوغ أهدافها «النبيلة». فالفشل مؤشرٌ اتهامي للنخب المثقفة، وللمنظومة المهيمنة، ولكن الشعوب شبت على الطوق متسلحة بالكلمة والصوت والشعارات والكتابة على الجدران، خرجت الجموع المعترضة عن النص، وكسرت الجدران والحصون التي بُنيت لوأد صوت الرفض. فقصدت الجموع الساحات للتعبير عن أحلام ورغائب. تمثل دورها الريادي برفع الصوت وتحريك مياه راكدة. شحذت الهمم للعلاء وطرح البديل. غضبُ الشارع اكتنز مواجعَ، لكنه ما أنبت مشاريع إنقاذية لأحوال مأزومة (واقع مأساوي وعيش متعثر ونظام متهالك). ولكن بلاغة الخطاب التغييري بزّت تأثيرَه وقوة إقناعه المأمولتين عند المتلقي.
ثلاثية الغضب: صرخات ومؤلفات فككت خطاب الهامش وقربت «اليومي» من «الأكاديمي»
«صرخة الغضب: دراسة بلاغية في خطابات الانتفاضة اللبنانية» للساني التطبيقي نادر سراج، الذي يُعد قيمة معرفية مضافة في مجالي تحليل خطاب الشعارات وتأصيل بلاغة جديدة. يشكل وسابقاه: «مصر الثورة وشعارات شبابها» (2014) و»الخطاب الاحتجاجي: دراسة تحليلية في شعارات الحَراك المدني» اللبناني (2017)، ثلاثية تقصت درر البلاغة الشعبية من الكلام الاعتراضي في ساحات بيروت والقاهرة ومدن أخرى. فككت مكونات خطاب الهامش، وقربت «اليومي» من «الأكاديمي». وهي لا تقل أهمية علمية عن اثنين صدرا في سياقَات الرصد والتفكيك والنقد: «خطاب الرشوة» (2008) و»الشباب ولغة العصر» (2012).
الكتاب توجه للجمهور – اللبناني والعربي- المتعطش لإعادة قراءة نصوصه ومقولاته المنطوية على مواجعه وآماله. تجديد النظر إليها تم بمبضع اللسانيين، وبعيون علوم العصر. تشابكت الأدوار؛ فالمتلقون تناوبوا في تنكب دورَي المرسِل والمُعدل. بعضهم اهتم بمضامينها ومناهجها وأساليب اعتراضها وارتداداتها السوسيولوجية والأيديولوجية. وبعضٌ آخر تدثر نتاجاتِها القولية ليرفع لواء التغيير ويخوض غمارَ حَراكات في مصر ولبنان وبلدان «الربيع العربي». المتلقون المفترضون لدفق معطيات «الأرض» (ناشطات وناشطون وكتاب وإعلاميون وسياسيون وأكاديميون)، كانوا على درجات متفاوتة لاعبات ولاعبين اجتماعيين، ثمة نجوم لوامع أفسحت لهم أضواء الشاشات؛ فتألقوا وأفصحوا عن وجهات نظرهم، ورددوا مقولاتها وتماهوا برمزيتها.

عبر واستنتاجات

ما انفكت الساحات تنجلي عن نتاج قولي جريء وغير مألوف، يثبت أن 17 تشرين 2019 لم يكن «سحابة صيف»، ولا «نفثات صدر» عارمة؛ بل بات تاريخا مفصليا في الأدبيات السياسية في لبنان. وما بعده لم يعد مماثلا لما قبله كما تثبت الوقائع والمجريات والتصريحات. ويستحق «جردة حساب» مقتضبة.
شكلت الانتفاضة انعطافة واعدة ومتفردة في مسار الحَراكات الشعبية في لبنان ـ بصرف النظر عن مآلاتها ومصائر أبطالها وبطلاتها – ولعل أقل إنجازاتها كان رصيدا بلاغيا ولسانيا ومعجميا وسوسيولوجيا. وقد تحققت مكانا وزمانا وأبطالا. وخلقت خطابها المغاير لخطابات السلطة والفرقاء السياسيين، الذي اكتنف نبضا تعبيريا جديدا يتعالق مع آمال الناس وهمومهم. أزهر الكتابُ الناقلُ نبضَ بلاغة صادقة في قلب الشوارع، واستوى على سُوقه حين تجاوز ردود الفعل الطارئة، إلى كونه نسيجا ناظما يصدح بحناجر العامة ويعبر عن طموحهم، فانطوت تلكم التعبيرات الشفوية أو الكتابية العفوية على خطاب جدير بالتحليل والدرس وتفكيك شيفراته.
وفي سابقة احتجاجية لوحظ أن المساءلة العلنية عن ملفات الفساد ومرتكبيها نوقشت علنا في الساحات والخيم وعلى الجدران، وعلى الشاشات والشابكة. وطالت «كلن»، من رأس الهرم وحتى قاعدته. والاتهامات والملفات لم تستثنِ أحدا من المدانين. وأتاحت – أجهزة الإعلام – للجمهور المشارك أو المتابع أو المناهض، الاطلاع على أرقام وإحصاءات ووثائق وحضور محاكمة افتراضية تدين منتهكي المال العام ومستبيحي الأملاك العمومية.

التقى شاغلو الساحات العامة والجسور والأوتوسترادات على «كلمة سواء». وحدتهم مطالب عامة وهموم جامعة وثوابت ورموز وطنية: النشيد الوطني، علم البلاد، اعتماد «لغة» شبه موحدة بدوالها ودالاتها، تتحاشى البلاغة الإطنابية والتعقيد اللفظي والأسلوب المتكلس. زخم الكلمات ووهج الشعارات هل يعوضان عثرات التعبير الإداني وافتقاد المشروع التغييري؟ جماليات التعبير الاحتجاجي ولمعاته القولية وبلاغته المبتكرة وهتافاته الجريئة جاءت بنت ساعتها. وأغلب الشعارات المرفوعة «شغل بيت»، بمعنى غير معلبة أو معدة أو موحى بها. هي وفق التحليل البلاغي صنيع جمهور غاضب ومحتج، من الجنسين، احتشد وهتف حضوريا وتابع وعلق افتراضيا، لكن العبرة ستكون في الملاحقة والمحاسبة والإدانة التي تفوق بنتائجها سطوة الكلمات وسحر الشعارات.
تمحورت الشعارات في الأيام الأولى في مدار جامع ذي سقف تغييري عال: «ثورة.. ثورة»، و»يلا ثوري يا بيروت» و»كلن يعني كلن» و»الشعب يريد إسقاط النظام» و»يسقط يسقط حكم الأزعر» وسواها. شكلت حافزا لاجتماع الناس العفوي وعبرت عن غضبهم العارم. التمرد وجد سبيله نحو اللغة فتمردت بدورها، وكسرت المألوف وخلعت عنها دثار السلطة ببرودتها وخطاباتها الساكنة. ووجدت روحَ صداها عند جمهور متعطش تلقفها بعدما وجد فيها ضالته. استثارت حميته، فهجر البلكون والصالون والكافيه والتلفزيون. والتحق بالحشد ورفع الصوت.
أهزوجتا «هيلا هيلا» و»ثاو ثاو…» ألهبتا الحناجر. الفريق السياسي الخصم توجس منها شرا، ورأى فيها تعريضا بقادته ورموزه. فعارضها وعدل جزئيا فيها لتستثنيه من شموليتها: «فلان…مِنحبو». أما «كلن يعني كلن» فتسيدت ساحة الاتهامات العلنية. شموليتها الإدانية أصابت كيانات وقادة، ما أوجب استلحاقها على الفور بأدوات استثناء وتفضيل ونفي للتهم: «فلان مَنو مِننن» أو «أشرف…». ردوا اتهامات وصوبوا مفردات: «ثورة مش غنية». صححوا الهدف: «سموها قصة واتساب وهي ثورة ع البرلمان». وجهوا رسائل: «الفساد بدنا نشيلو». حلموا بتوقيف «الأزعر والنصاب والمجرم والسراق» في «الحبوسة»، بعدما اتخموا و»شربوا البحر وأكلوا النهر». أظهر رجع الصدى لصرخاتهم أن الساحات صدحت في جمهور الانتفاضة وأثرت فيهم أكثر مما غيرت في توجهات السلطة. وحدَها الحكومة «طارت». حاولوا عبثا تعديل الأشرعة وإسقاط النظام. وحدها قدراتُهم التعبيرية تقدمت شوطا وبزت أمانيهم التغييرية.
السيل الشعاراتي التوحيدي والتجييشي وسم مطالع الانتفاضة وأدى المطلوب «المرحلي» منه. بين أن خطاب الساحات نُسج بذكاء شبابي ونفس تغييري، عُززا بدفق بلاغي مبتكر. لكن تزاحم المطالب وعدم اتساق مضامينها أديا إلى انفلات عقد الخطابات الشعاراتية والتجمعات وخفوت الهتافات الجَماعية.
لقد أدركوا، متأخرا، أن التغيير عمادُه خطابٌ سياسي متماسك، والخلاصُ قوامُه مشروعٌ إصلاحي مرحلي قابل للتحقق، والاثنان بعيدا المنال. زخمُ الساحات لم يُترجم مشروعا تغييريا، بقدر ما شكل مساحة تعبير حر وفضاء لإبداع فني (أنصبة قبضة الثورة وعروستها) ومنصة متاحة لأناشيد ثورية تعبوية.

النوع الاجتماعي وفضل الريادة

نحسب أن فضل الريادة في مسار الانتفاضة وفي نتاجها الشعاراتي، لم يكن لنوع اجتماعي ما دون غيره. ففي مواجهة سلطة ذكورية بطبيعة تكوينها حملت الانتفاضة وسم «الثورة أنثى»، مؤكدة بذلك على فعالية الحضور النسائي في قلبها لا على أطرافها. وخطاب الهامش الذي ظل عمل اللساني التطبيقي أظهر نموذجا خاصا بالمجتمع اللبناني، يعكس اشكالَ تنظيمه وثقافتَه وتاريخَه، ويفرض النمطَ الذي يشبهه، ويتناغم معه عفويا. لذا فحَراك النساء في ساحات المدن والأطراف ارتدى نكهة خاصة واكتسب تمثلات رمزية. فرفضُ المواجهات الساخنة بين الأفرقاء السياسيين المتنافسين (نماذج التباريس/الخندق الغميق، والشياح/عين الرمانة) جاء جنوسي الطابَع وببادرة أمومية (أمهات الشياح وعين الرمانة) أكثر منها نسائية (مسيرة الأمهات). الأمر لم يقتصر على «الركلة النسوية المشهورة» أو مشاركة «فوج الطناجر» في العرض المدني المُقام في ذكرى الاستقلال. والكتاب لم يخص الناشطات» بفصل، فملائكتهن حضرت في كل الفصول. مواجعهن ومطالبهن المزمنة تكثفت: «بدي صوت بمكان إقامتي مش بضيعة حماتي»، «مقاومة لاستعادة حضانتي ضد المحاكم الشرعية» و»ما عاد بدنا دموع».. الناشطات (مواطنات وحقوقيات وتربويات واقتصاديات) والوزيرتان (الداخلية والطاقة) حضرن من خلال تصريحات وتغريدات وتصويبات وشروح ومداخلات في برامج تلفزيونية حوارية. هذه الشواهد وسواها تؤكد أن مفهومي القولبة والتنميط، استُبعدا باعتبارهما يعكسان رؤية السلطة لا الشارع، الذي تقصد كلا الكاتب والكتاب في جعله مدار الدرس والتفكيك، بل مبتدأ الاعتراض وخبره المرفوعين.

بعين الفنان البصير وبإزميل نحات خبير وبأدوات اللساني التطبيقي الحصيف يأتي هذا الكتاب «صرخة غضب»، يسير في واقع سديمي التحقق، فليس سهلا أن تذيب الجليد عن الأدوات التجريبية المستقاة من فرضيات ونظريات علمية ومنهجية صارمة، ولكن نادر سراج استطاع بكفاية عالية أن يصير هذه المعاينة البصيرة مادة مؤهلة للدرس والتفكيك والتحليل، فلا هو تنازل عن جِدته البحثية التطبيقية، ولا بقي حبيس الفكر المكتبي، بل نزل إلى الشارع، وكذا دأب الباحث اللغوي الاجتماعي، فأفضت هذه المقاربات والمعاينات والمسموعات إلى نتائج وإضاءات لا تقل قيمة عن البحوث المتسلحة بشتى الأطر البحثية في الإجراء والتنظير، ولعل هذا الكتاب يفتح كُوى في جدار البحث اللساني التطبيقي لإعادة الاعتبار لخطاب الهامش، وجعله متنا مستحقا البحث وإسعاد النظر وإمتاع الذائقة.

أستاذ اللسانيات في الجامعة الهاشمية – الأردن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية