حين تحاكي اللغة الطبيعة

هناك فكرة قديمة تداولها الفلاسفة والنحاة واللغويون، وكل من تحدث من جانب عن أصل اللغات تقول، إنّ نواة اللغة الأولى التي تكلم بها الإنسان الحديث هي في الأصل كلمات كانت تحاكي الطبيعة؛ وإلى اليوم ما تزال في لغاتنا وفي لهجاتنا كلمات نحتناها من محاكاة الطبيعة وأصواتها، فعلى سبيل المثال، ما زلنا نسمي صوت الماء المنساب خريرا وصوت أوراق الأشجار حفيفا وصوت الأفعى فحيحا وصوت القط مواء وغيرها من التسميات التي تسمّى في اللسانيات اليوم مُحَاكِيات Onomatopoeias.
في كلّ اللغات وفي كلّ اللهجات نصيبٌ من الكلمات التي تحاكي أصوات الطبيعة؛ وارتكز الفلاسفة القدامى على هذه المُحاكِيات لافتراض أنّ أصل اللغات طبيعي؛ في مقابل فرضية أخرى تقول، إنّ المواضعة أو الاصطلاح هو أصل اللغات وأنّ الإنسان هو من ابتدع من عنده وبواسطة المواضعة معجمه مثلما ابتدع لغته.
يعدّ كتاب «كراتيل» Cratyle لأرسطو من أقدم المحاورات في الموضوع، فقد جمعت المناظرة بين سقراط وكراتيل وهرموجين Hermogenes، يرى هرموجين أنّ دقة الأسماء وإحكامها نابع من المواضعة بين البشر على أسماء بعينها، يستخدمونها في تعيين الأشياء في الكون؛ بينما يردّ كراتيل دقّة الأسماء إلى كونها محاكية للطبيعة ومستمدّة منها. وكان سقراط ينسّب الرأيين فلا يركز على الأسماء، بل على معانيها.
انتقل هذا الموقف الفلسفي مثلما انتقل كثير من أفكار الفلاسفة إلى الثقافات الأخرى، ومنها وفي الثقافة العربية أثيرت مسألة أصل اللغات، وتأكّد طرحها بمناسبة الحديث عن الآية 31 من سورة البقرة في قوله تعالى (وعلَّم آدمَ الأسماءَ كلَّها ثمّ عرضَهُمْ على المَلائِكَةِ) فوجد رأي ثالث بالإضافة إلى الأصلين الطبيعي والعقلي، يقول بالأصل الإلهي لخلق اللغات وسمّي هذا الرأي توقيفا في معنى أنّ الله وقّف اللغة على البشر وعلمهم إيّاها. الحقيقة أنّ التوقيف والاصطلاح كانا الرأيين السائدين في تفكير المتكلمين والأصوليين، وكان الموقف الطبيعي أقلّ تواترا منهما؛ وقد شرح النحوي ابن جنّي كيف يمكن لمن قال بأصل طبيعي للغة أن يجد ضربا من التماثل بين كلمات اللغة والأحداث التي تصفها الأسماء يقول: «إنّ كثيرا من هذه اللغة وجدته مضاهيا بأجراس حروفه أصوات الأفعال التي عبر بها عنها، ألا تراهم قالوا: (قضم) في اليابس، و(خضم) في الرطب، لقوة القاف وضعف الخاء ، فجعلوا الصوت الأقوى للفعل الأقوى، والصوت الأضعف للفعل الأضعف». بهذا الكلام الذي فيه مناسبة بين طبيعة الصوت وطبيعة الفعل المرجعي يخرج البحث في الأصل الطبيعي للكلمات من المحاكاة الطبيعية التي تأخذ فيها اللغة ما تسمعه من الطبيعة، إلى ضرب من ربط السمة الصوتية اللغوية وهي سمة النطق بالسمة الدلالية: فالقاف في (قَضَمَ) تحاكي الشدة التي في المأكول والخاء التي في (خَضَمَ) يحاكي لين نطقها لينَ المأكول. وفي هذا السياق يدخل كلام أبو ذرّ الغفاري الشهير: «يخضمون ونقضم، والموعد الله!» وأصل القضم، أكل الشيء اليابس بأطراف الأسنان، والخضم الأكل بكل الفم للأشياء الرطبة هكذا شرح المعجميون الكلمتين متبنين الفروق الصوتية وكأنها معطيات لا تناقش.

في اللسانيات، يدخل الحديث بهذا الشكل عن التناسب بين الأصوات اللغوية وما تحيل عليه الكلمة المؤلفة منها من أحداث في الكون في إطار مبحث يعرف بالترميز الصوتي، وهو مبحث يربط فيه الباحث بين الأصوات اللغوية والدلالة. ويرمي هذا المبحث إلى إيجاد نوع من الربط، أو التحفيز بين الصوت اللغوي والدلالة. وهذا في الحقيقة يسير بعكس ما قاله لنا أبو اللسانيّات الحديثة فردينان دي سوسير، من أنّ الأصل في العلاقة بين الدال والمدلول هو اعتباطي، وأنّ المحاكيات التي لا تمثل شيئا يذكر في المعاجم إذا ما قورنت ببقية الكلمات كانت شيئا كلا شيء وأنّ المحاكاة في اللغة هي شأن حدسيّ، فكل لغة تحاكي الأصوات الطبيعية بطريقتها وهذا ما يمكن أن نلحظه مثلا في الفرق بين اسم الصوت الذي يسند في لغات كالعربية والإنكليزية لمواء القط.
يقول ابن جني في سياق البحث عن رابط بين الدال والمدلول: «قد يضيفون إلى اختيار الحروف وتشبيه أصواتها بالأحداث المعبَّر عنها بها ترتيبها، وتقديم ما يضاهي أوّل الحديث، وتأخير ما يضاهي آخره، وتوسيط ما يضاهي أوسطه، سَوْقًا للحروف على سَمْتِ المعنى المقصود والغرض المطلوب، وذلك كقولهم (بَحَثَ)، فالباء لغلظها تشبه بصوتها خفقة الكفّ على الأرض، والحَاء لصلحها تشبه مخالب الأسد وبراثن الذئب ونحوهما إذا غارت في الأرض، والثاء للنفث والبث للتراب». يظلّ هذا الكلام تأويلا لشكل مادّي من البحث في التراب، ولكنه شكل يكاد ينقرض في عصر يبحث فيه داخل الجيوب والدروج.

أن يحاكي الإنسان الطبيعة فذلك أمر لا نقاش فيه وهو ضرب من النفعية، التي يرى بها الإنسان بقية الكائنات فيصنع مثلها، وهذا مرتبط بأوّل الخلق فحين قتل قابيلُ هابيلَ، حاكى كما يقول الأثر الغراب في دفنه. وحين أراد الإنسان المعاصر أن يصنع الطائرة حاكى الطائر، وبديهي أن يحاكي الإنسان في رحلته من أجل التصويت أصوات الطبيعة. والمحاكاة الصوتية لتعيين الأصوات المرجعية مقبول، ولكنّه لا يقبل بالنسبة إلى الأشياء التي يريد تسميتها ولا وجود لمعين خارجي طبيعي لها مثل الأحاسيس والمجرّدات؛ صحيح أنّ الإنسان يمكن أن يحاكي لكنّه يطوّر أحوال محاكاته ويغيرها مثلما فعل في كثير من العناصر التي حاكى فيها الطبيعة. المحاكيات ينظر إليها بما هي علامات على أنّها إيقونات لغوية أو صوتية لأنّ علاقتها بمرجعها هي علاقة شبه، على النقيض من العلامات التي تكوّن اللغة وعلاقاتها بما تمثّل تكون علاقة اعتباطية وهي الرموز. الرموز لا تشبه فيها العلامات ما تمثّله وهذا ما تسمّيه اللسانيات بالاعتباطية؛ وتشتغل الاعتباطية بالاتفاق أو المواضعة في اللغة أو غيرها. نحن بالمواضعة الثقافية نلبس الأسود في الأعراس وفي المآتم نلبس هذا اللون في مناسبتين مختلفتين دون أن يحدث خلط بينهما.
المحاكيات في اللغة تترك للإنسان في اللغة آثارا من الطبيعة، ولكنّها تترك فيها آثارا من الثقافة، فحين نريد أن نقلّد صوت الغراب في مجتمع تكثر فيه الغربان سوف نقول شيئا يشبه صوته، لكن لماذا نقلّد صوته أو نحاكيه؟ وهل تقليده نابع من إرادة تسميته أم من شيء آخر؟ ولماذا لم نسمّ حيوانات أخرى بأصواتها؟ أراجع ذلك إلى أنّها لم تكن في حيّز إدراكنا حين أردنا تسميتها، أم لأنّه لا حاجة لتسميتها أصلا. في حياة الطفل اليوم ضرب من الاجتهاد في خلق التسميات المحاكية التي يعتادها، لكي يسمّي الأشياء في نطاقه؛ وتظل تلك التسميات أحيانا ضربا من تأويل الكلام العاديّ، فالطفل يقدم نوعا من المحاكاة بأدواته الحكائية البسيطة لكلماتنا نحن التي نستعملها معه. ولم يحاكِ الإنسان الطبيعة دون الآلات التي استعملها؛ فالعربي قديما كان مولها بصوت السلاح واللجام والأكسسوارات، التي كانت لها في أيامه قيمة فسماها مثلما سمّى صوت اللجام صليلا. كانت تلك التسمية احتفاء جماليا بشيء مبهر في ذلك الوقت: لجام يمكن للفارس به أن يتحكم في عنان الفرس تحكما يشبه تحكم الإنسان المعاصر بالمقود في السيارة.
حين تسمّي مثلي القلم قلما في العربية والسوق سوقا والحرية حرّية فهذا هو الذي يسمّى مواضعة، ولكنّ أصل المواضعة ضرب من محاكاة من لا يعرف اللغة لمن يعرفها: يحاكيه في لفظه وليس في كيفية نطقه بالتفصيل، يحاكيه في الأصوات التي تألفت منها الكلمات: إنّه يسمعه ويحاكيه ثمّ يواضعه. أنت ترى أنّ فعل المحاكاة ليس شيئا مناقضا للمواضعة، بل في الأداء اللغوي كثير من تكرير الأشكال واستعادتها ومحاكاتها في ذاتها حتى ننجز بالقليل المكرر والمحاكى الكثير من الكلام. الطابع التكريري في اللغة هو في الأصل طابع مُحَاكٍ فيها، ولكنّنا نغفل عن أنّا، ونحن نعيد الأصوات بعينها، نُسْكِنُهَا حارات ودارات ليست لها في الأوّل هي حارات مراتب الكلام وداراتها.

أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية