في مقالة له بعنوان «حين يرحل شاعر: سخاء التسييس وبخل السياسة» قدم الكاتب اللبناني حازم صاغية مجموعة ملاحظات حول ظاهرة ترافق وفاة شاعر مهم، مع «ظهور رثاء وهجاء تلعب السياسة الدور الأساسي في معظمهما».
يتم، خلال ذلك الهجاء أو الرثاء، التركيز على السياسي، وتوصيف الشاعر بالخيانة، أو تأكيد العظمة والإبداع لديه عبر التذكير بمواقف سياسية له، بحيث يتحول المتوفى إلى «مناسبة جديدة لإبداء مواقف قديمة».
يعتبر صاغية أنه لا بد من الفصل بين الأمرين، لأن «حياة الشاعر كشاعر والفنان كفنان غير حياتهما كفردين» وأنه في الحالة الأولى «تحضر المعاناة ويحضر الأسلوب والتعبير والموقع، في تاريخ الشعر، أو في التاريخ الشعري لبلد الراحل» و«في الحالة الثانية، تحضر الأفعال والمواقف والسلوك».
يؤكد صاغية أن «تسييس كل شيء يغدو خطراً داهماً» وهو «طريق قصير إلى التوحش» لكنه يخلص، بعد التأكيد على ضرورة تحييد مواقف الشاعر عن تقييمه الشعري، إلى نتيجة مؤسية وهي أن «الواقع نفسه يسيس كل شيء، وصولا إلى الوحشية، وإلى الحروب الأهلية وممارسة أقصى العنف، في ما، باليد الأخرى، يصادر السياسة ويمنعها» وبالتالي فإن الواقع وليس «ثقافتنا» هو «ما لا يترك حيزا لمعيار غير هذا المعيار المتوحش». لكن المأخذ على «ثقافتنا» كما يقول، «لا يكون في محله إلا حين يركز على تواطؤها مع هذا الواقع الكالح».
٭ ٭ ٭
كانت السياسة، بما هي قضية من يحكم مَن وكيف، ومن يمتلك السلطة العليا، أو بنظرياتها الأخلاقية، كمبادئ دينية وفلسفية، هي أحد مواضيع اشتغال الإبداع الأدبي على مر العصور، ويصعب، بالتالي، اعتبار تناولها في الشعر، والأدب عموما، نقيصة. قد نجد، لو حفرنا، ملامح هذا الجدل بين الإبداعي والسياسي في ملاحم الخلق الأولى، ضمن الصراع بين الآلهة، في الإلياذة والأوديسة، ثم نجد أفكار الأنبياء والفلاسفة التي تتحدث عن «جمهورية فاضلة» أو في مبادئ السياسة الواقعية و«الوحشية» منذ كونفوشيوس ومكيافيلي. نجد هذا الجدل في كوميديا دانتي، أو معلقة عمرو بن كلثوم ومدائح الرسول (أو الأهاجي له) في قصائد كعب بن زهير وحسان بن ثابت، وفي «كليلة ودمنة» المقفع وآراء الجاحظ حول الشعوبية، وأهاجي أبي نواس للأطلال، ومدائح المتنبي لسيف الدولة وأهاجيه لكافور، سنجد، عبر التاريخ نقدا للسلطات الدينية والسياسية، وستكون كتب مثل «بؤساء» فيكتور هوغو، و«جيفاغو» باسترناك، و«ميرامار» و«طريق» نجيب محفوظ، و«ديكتاتور» شارلي شابلن أيقونات عصرنا الحاضر.
لقد حضرت السياسة، بتنظيراتها المتسامية والحكمية والأخلاقية، أو بأشكالها الدموية الفظة والوحشية، دائما، وبشكل أو آخر، في مجالات الفن والأدب والدين، وتجادلت معها بطريقة لا يمكن فصمها، أو تناول السياق العام للشعر والأدب، من دون التطرق إليها. لا يتناقض وجود مدونة فكرية هائلة لنظريات وممارسات وكتب علوم الجمال والأدب والفن والنقد المتخصص للآداب والفنون، لا مع فكرة انفتاح هذه الحقول المعرفية على حقول معرفية أخرى لإثرائها، بما فيها السياسة، ولا مع مسألة أن مشاغل السياسة هي موضوع أساسي في الأدب والشعر، باعتبارها بؤرة تركيز إنسانية كبرى تعبر عن رؤى متصارعة للعالم.
كانت السياسة، بما هي قضية من يحكم مَن وكيف، ومن يمتلك السلطة العليا، أو بنظرياتها الأخلاقية، كمبادئ دينية وفلسفية، هي أحد مواضيع اشتغال الإبداع الأدبي على مر العصور، ويصعب، بالتالي، اعتبار تناولها في الشعر، والأدب عموما، نقيصة.
صار نافلا القول إن عدم حضور السياسة في الأدب يرتبط، أحيانا كثيرة، بالسياسة، وكما يمكن أن يرتبط بالزهد أو التخصص، فكذلك يمكن أن ينجم عن التغافل المقصود والتواطؤ المرتب، وهو ما رآه شاعر كبير مثل بابلو نيرودا، الذي انتقد الشعراء «الحزينين» الذين يتجاهلون قضايا إنسانية كبرى خاصا بالمثال في قصيدته تلك الشاعر ريلكه، مبديا ازدراءه لشعرهم.
نرى، بهذا المعنى، أشكالا من الحضور «الوحشي» للسياسة، في تجاهل السياسة لدى أدباء عرب مشهورين يتجاهلون تماما ما يحصل في بلدانهم، أو يقومون بحركات بهلوانية وألعاب نارية للتخفي، بالاستفاضة في الحديث عن قضايا لا ترتب عليهم إحراجات، أو مواجهات أو خسائر، فتحضر قضايا العالم كله، لتمويه تغييب الحديث عن التراجيديا التي تجري في أماكن بعينها.
شاع تثقيل شأن السياسة بين المنظرين والنقاد الماركسيين، الذين قاتلت أجيال منهم لربط الأدب بالصراع الطبقي، ونقد مقولات «الفن للفن». لا يقلل هذا نقد ميكانيكية ذلك الربط بالسياسة، مع ذلك، من أهمية رؤية السياق السياسي الاجتماعي والاقتصادي للأعمال الأدبية، وفي سياق مقالنا هذا، تحليل أثر علاقة السياسي بالثقافي.
٭ ٭ ٭
لا يُضير الشاعر سعدي يوسف، إذن، حضور السياسة في شعره، والعكس على الأغلب هو الصحيح، ويُحسب له، لا عليه، انخراطه الكبير في شؤون بلده السياسية، لكن ذلك يستأدي، بالطريقة نفسها، ولكونه شخصية عامة، ساهمت السياسة كثيرا في صعودها، حق الآخرين في مدح أو نقد اجتهاداته الشعرية ـ السياسية. لقد انتقد سعدي يوسف طغيان صدام حسين، ودعا قبيل سقوط النظام إلى «مصالحة وطنية» وهجا الاحتلال الأمريكي، والحكام الجدد الذين استلموا سدة السلطة في العراق، لكنه أيضا عادى الثورات العربية، وأطلق، في شعره ونثره، آراء سياسية متهافتة ومتناقضة وحادة، بينها أفكار عنصرية فاضحة، ولا أخلاقية، وبذلك فقد حث من مستهم أشعاره وآراؤه، في شعره أو طرق تعبيره الأخرى، على التفاعل معه سلبا أو إيجابا.
يعلم شاعر صاحب منجز إبداعي كبير وشهرة واسعة وشخصية عامة مثل سعدي يوسف، أن آراءه تؤثر في الواقع أكثر مما تؤثر آراء شاعر أو مبدع آخر، وهو ما يحول آراء مثل هذه إلى رأسمال رمزي للاستخدام في صراعات سياسية، وإذا كان شاعر بوزن يوسف يستخدم شعره ونثره لترجيح كفة طاغية (وهو الذي بنى مجده على نقد الطغيان) أو حزب طائفي في لبنان (وهو الذي ينتقد أحزابا شبيهة في العراق) ويقبل بالتالي استخدام تلك الآراء من قبل أطراف «وحشية» فهو يخط عقدا يقبل فيه أيضا أن يستخدم المتضررون تلك الآراء لنقده وهجائه، كما هجاهم. لا يمكن لشاعر كبير، مثل سعدي، أن يطالب قارئه بأن يفتش عن العظيم في شعره ويغض النظر عما مسه تهافت السياسة، وبالتالي، تهافت حاملها الشعري.
٭ ٭ ٭
بعد وفاة سعدي يوسف، تناول كثيرون، بينهم عباس بيضون وهاشم شفيق ومنصف الوهايبي وعبد اللطيف الوراري ورامي أبو شهاب، شعر وتراجم الشاعر الراحل، كما قام البعض، مثل محمود الريماوي، بموازنة لطيفة بين حياته وشعره، في ما قام قلة، منهم عمر قدور، بقراءة مفارقات ثقافية سياسية في شعر وحياة يوسف منها توديع الشاعر كثوري وكونه عدوا للثورات.
لا تكمن المسألة المتناقش عليها، في اعتقادي، بقضية الواقع العربي الكالح فحسب. يمكن أن نجد لهذه القضية جذورا ضمن نقاش قديم ـ جديد كان يتمظهر في القرن الماضي بعناوين مثل «الفن للفن» و«الواقعية الأدبية» لكن جذره الأكبر كامن في تلك الهوة الكبيرة، التي حاول البشر حلها بين «أرض الإيمان» و«الجمهورية الفاضلة» و«الفردوس الشيوعي» وأعطاب العالم ومحن المثقفين، بين السرديات كبرى و«الشرط البشري».
تمتحن غرائز البيولوجيا وإكراهات السياسة كل البشر، وهذا موضوع ثقافي كبير حاولت في هذه الزاوية تعريضه للضوء، وكما تعرضت لسعدي يوسف أكثر من مرة قبل وفاته، فقد كتبت عن رذائل ميشيل فوكو وجان جان روسو، وحللت المفارقات السياسية العالمية، التي يمثلها إعطاء جائزة نوبل لأديب مؤيد للإبادة مثل بيتر هاندكه، وكتبت عن مفارقة تسلم محمد الماغوط لرئاسة تحرير مجلة «الشرطة» السورية وهو الكاتب والشاعر الهاجي للسلطات، وعن تصريحات نوال السعداوي حول هيلاري كلينتون والإخوان، وكتبت عن اغتيال لقمان سليم وعن سيد قطب إلخ… وكل ذلك ضمن خط طويل يحاول البحث في ظواهر ثقافية سياسية مهمة، تتناول أعطاب العالم ومحن المثقف، وأعتقد أن وراء ذلك مرافعة ضمنية حول صعوبة، وربما استحالة، فصل الظواهر الثقافية عن السياسية.
كاتب من أسرة «القدس العربي»