ولعل كل هذه مناورة من أحد ما كي يعلمنا جميعاً هنا في المنطقة، بعد سنوات من الغضب والتعالي المتبادلين، أن نهدأ وننظر إلى الداخل. أول أمس نشر في “هآرتس” تقرير عن قوة العمل العربية في مشافي إسرائيل. تحدثوا عن أطباء وممرضات وممرضين، يعالجون في كل يوم مرضى يهوداً في اجتهاد عظيم وولاء مهني، وها هم حين يخرجون يصبحون مواطنين من الدرجة الثانية. تحدثوا عن كل ما كنا نعرفه، عن الفجوة بين المعاملة الاستخفافية من جانب المؤسسة والمجتمع تجاههم. عن دورهم المهم في إنقاذ الحياة.
في غضون وقت ما، نأمل أن يكون قصيرا قدر الإمكان، سنعرف ما سيتبقى من كل هذا. فهل سنتمكن من البقاء على عربة الشراكة والمودة مع الجيران، أم سنسارع إلى هجرها. لسبب ما يبدو أن الإمكانية الثانية هي المعقولة أكثر، وعليه فيجدر بنا أن نوثق اللحظة.
منذ بداية اندلاع المرحلة الحادة للأزمة، مع حلول منتصف شباط، يجري تنسيق وثيق بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، وتنسيق ما، غير مباشر وغير عادي، بين إسرائيل وحماس في قطاع غزة. ويتضمن التعاون بين الأطراف الثلاثة نقل المعلومات، وإعطاء عتاد طبي وترتيبات مشتركة. ما هو الترتيب المشترك؟ مثلاً، الطوق الذي فرضه الفلسطينيون على بيت لحم بعد أن اكتشف فيه انتشار للوباء، كانت هذه خطوة منسقة مع إسرائيل، لقرب بيت لحم من القدس، وبسبب حركة حرس الحدود والجيش الإسرائيلي بين المدن. معلومات طبية نقلت إلى السلطة من الإدارة المدنية، وفي أعقابها طبقت طريقة العزل. ومثله أيضاً الإغلاق على بلدة بيت ساحور المجاورة، الذي فرض الثلاثاء. ثلاثة من سكانها عملوا في بيت لحم وأصيبوا بالعدوى.
السبت الماضي، نقل منسق أعمال الحكومة في المناطق 200 طقم فحص إلى وزارة الصحة في غزة. وفي غضون بضع ساعات، نشر في القطاع بيان عن وجود وسائل فحص لكورونا في مختبر الفحوصات الطبية. لم يذكر في البيان من أين وصلت أطقم الفحص هذه، ولكن دعكم. من ينبغي له أن يعرف، يعرف. على مدى هذا الأسبوع اجتاز حاجز ايرز 200 طقم أخرى. لم يكتشف بعد أي حالة من كورونا في القطاع. نقيصة القطاع (العزل والإغلاق) تتبين حالياً كفضل. ولكن الفرضية هي أن الفيروس نجح في التسلل إلى الداخل من خلال آلاف العمال الذين عادوا من إسرائيل، أو المسافرين الذين عادوا من مصر.
السبت، أعلنت حكومة حماس إغلاق معابر الحدود. وهذا البيان أيضاً نسق مع جهاز الأمن. في إسرائيل وإن كانوا يحتاجون إلى هؤلاء العمال وإلى إخوانهم من الضفة ممن يعززون فرع البناء، ولكنها أيضاً تحتاج لغزة نقية من كورونا. كل اللاعبين في المنطقة يعرفون جيداً أن جهاز الصحة في القطاع لن يصمد أمام انتشار المرض، وسينهار أمام جموع المرضى كبار السن ممن سيحتاجون إلى المستشفى والعناية المكثفة، والفيروس سينتشر بسرعة. ويضيف إلى المشكلة الوضع المالي المتهالك لقطاع غزة.
تتصدر وكالة الغوث شراء أطقم الفحص لسكان القطاع، ولكنها بذاتها تعيش عجزاً بمليار دولار، بسبب المقاطعة الأمريكية. منظمة الصحة العالمية، وحكومة قطر وسويسرا خصصت تبرعات، وبوسعها أن توقف الموجة الأولى فقط، إذا ما جاءت.
قنبلة موقوتة بيولوجية
نجحت السلطة وإسرائيل هذا الأسبوع في حل المشكلة الأساس التي تقفان أمامها. ما العمل بالقوى العاملة؟ عشية الأزمة، عمل في إسرائيل نحو 150 ألف عامل فلسطيني، 100 ألف منهم مرتبون ومسجلون قانونياً، والباقي متسللون غير قانونيين. من بين القانونيين، 84 ألفاً داخل أراضي إسرائيل، والباقي في المستوطنات. ثارت مشكلة: إذا خرج هؤلاء العمال كل يوم إلى إسرائيل وعاوا مساء إلى بيوتهم فهذه وصفة للمشاكل. الآلاف منهم، ممن سيتنقلون كل يوم بين بئر السبع، وتل أبيب، ونتنانيا وحيفا ثم إلى الخليل ونابلس طولكرم وجنين، هم قنبلة موقوتة بيولوجياً.
جلس الطرفان ووجدا صيغة. وحسب الخطة، سيبيت العمال في إسرائيل لفترة طويلة، دون أن يعودوا إلى ديارهم. سينقلون أماكن سكنهم إلى السلطة المحلية في إسرائيل حيث يعملون. على المقاولين أن يجدوا لهم سكناً. وتقرر أن تكون فترة السكن شهراً أو شهرين.
اتفق على هذا الحل بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية. رئيس حكومة السلطة، محمد اشتية، أعلن الثلاثاء عن فترة إعداد من ثلاثة أيام لكل عامل، في ختامها يخرج إلى العمل في إسرائيل، ولا يعود منها إلا بعد بضعة أسابيع. وهكذا تكون إسرائيل والسلطة قد أعلنتا عن إغلاق متبادل بينهما. هكذا تنقذ إسرائيل فرع البناء، والسلطة تخلص صندوقها من أزمته. تشغيل عمال الضفة هو المشروع الاقتصادي الأنجح والأكثر استقراراً بين إسرائيل والسلطة في العقد الأخير. هؤلاء العمال يجلبون عشرات ملايين الشواكل في الشهر للاقتصاد الفلسطيني، نقداً. ومنفعتهم مزدوجة: لما كان معظمهم يعملون قانونياً، يفرز لهم رب العمل الضرائب. وهذه الضرائب تجمعها وزارة المالية في القدس وتنقلها إلى صندوق السلطة، مثلما تقرر في اتفاقات أوسلو.
السلطة كانت راضية أيضاً من المعنى السياسي لهذا الترتيب. وأمس، بدا هؤلاء العمال كمن يطلب الجميل من الاقتصاد الإسرائيلي الراسخ، وها هم يظهرون كمنقذين لفرع مركزي فيه. لقد حرص جهاز الأمن العام على أن يسرب للصحافيين هذا الأسبوع أنه يعارض هذا الترتيب، ولكن رجاله يعرفون بأن معارضتهم ليست سوى بروتوكولية. فإذا ما نفذ أحد العمال عملية لا سمح الله، سيكون بوسع جهاز الأمن العام – الشاباك، أن يأتي ويقول: حذرناكم. هذه القصة تثبت مدى قوة الواقع. فمن حلم بأن تسمح إسرائيل لعشرات آلاف الفلسطينيين المبيت في أراضيها.
مناورة اشتية
سيكون مشوقاً أن نرى إلى أين سيتدحرج كل هذا في اليوم التالي. في هذه الأثناء، قبل لحظة من إطلاق المشروع في صيغته الجديدة، لعبت السلطة لعبتها على ظهر إسرائيل. فقد دعا اشتيه العمال الذين يعملون في المستوطنات إلى عدم الخروج إلى عملهم بحجة أنه ظهر بينهم معدل عالٍ من الإصابة بكورونا. وكان يعرف بأن دعوته ستحظى بالتجاهل، إذ إن الرزق فوق كل شيء، ولكن على أي حال فإن سببها ليس طبياً، إنما سياسي. إن إسناد العمال الذين خرجوا إلى إسرائيل، مقابل التنكر لأولئك الذين يعملون في المستوطنات، جاءا لتذكير الجميع بالفرق بين أقاليم البلاد على جانبي الخط الأخضر.
في الأسابيع القريبة سينتظرنا مشهد تجريدي في مدن إسرائيل. ملايين الإسرائيليين المغلق عليهم في بيوتهم، سينظرون من النافذة ليروا العمال الفلسطينيين الذين يعملون في موقع بناء مجاور. وعند عودتهم إلى الديار في نهاية الفترة، سيدخل عشرات آلاف العمال أولئك إلى الحجر، كي لا ينقلوا العدوى إلى أقربائهم وأصدقائهم. وحتى ذلك الحين، سيقيمون بيتاً في إسرائيل. ليس لأنفسهم، بالطبع.
بقلم: جاكي خوجي
معاريف 20/3/2020