حيوات أخرى جديدة في مكامن جنود هتلر قرب سواحل الأطلسي الشرقية

آدم جابر
حجم الخط
0

باريس-»القدس العربي»:  ما تزال غالبية المكامن التي أمر أنور خوجة الذي حكم ألبانيا بيد من حديد من عام 1945 إلى وفاته عام 1985 مهجورة. ولابد من التذكير بأن أنور خوجة مطلق مشروع المكامن الألبانية كان الأقرب من حيث تطبيق النظام الاشتراكي إلى ستالين ومنهجه في الحكم مما كان عليه في عهد ماو تسي تونغ في الصين الشعبية والقادة السوفييت الذين خلفوا ستالين بعد رحيله عام 1953. وقد أمر خوجة ببناء هذه المكامن في الجبال والسهول والوهاد والمزارع والحقول لأنه كان يرى أنها قادرة على حماية الشعب الألباني من هجوم أعداء ألبانيا آنذاك والذين كانوا كثرا في حسابات خوجة بدءا بما كان يسمى يوغسلافيا الجارة مرورا بالصين الشعبية والاتحاد السوفييتي السابق وانتهاء بالحلف الأطلسي.

ولكن أعداء الشعب الألباني الافتراضيين لم يشنوا أي هجوم عليها. ولم يكن سكان ألبانيا بحاجة إلى اللجوء إليها. لم يقتل فيها مدنيون أو عسكريون ولم تنطلق منها قنابل أو قذائف أو نيران لقتل الخصوم على عكس ما هي عليه الحال بالنسبة إلى مكامن الجدار الأطلسي الذي شُيد لحماية قوات النظام النازي خلال الحرب العالمية الثانية وبالتحديد خلال الفترة الممتدة من عام 1942 إلى عام 1944. وهذا الجدار عبارة عن نظام تحصين وقلاع ساحلية فيها حيز كبير لمكامن متفاوتة الحجم بنيت على طول أربعة آلاف كلم انطلاقا من سواحل إسبانيا الأطلسية مرروا بسواحل البلدان الأوروبية الأخرى الواقعة على ضفاف المحيط الأطلسي الشرقية. وبنيت هذه المكامن من الإسمنت والخشب والفولاذ. وكان بعضها يؤوي بطاريات للتصدي لقوات الحلفاء الجوية والبحرية. أما البعض الآخر فكان للمراقبة والتجسس.
أما السواعد التي شاركت في بناء مكامن الجدار الأطلسي، فهي سواعد أَسرى الجيش النازي. وفيهم فرنسيون ثاروا ضد المحتل النازي ويهود كانوا قد أفلتوا من معسكرات الاعتقال النازية أو في الطريق إليها. ومن الذين شاركوا في بناء الجدار أيضا جمهوريون إسبان هربوا إلى فرنسا من قمع الجنرال فرانكو أو جنود من مستعمرات فرنسا السابقة في أفريقيا. وإذا كان الجيش الألماني الذي قاد معارك النظام النازي خلال الحرب العالمية الثانية قد سخر قرابة مئتي شركة ألمانية للإشراف على بناء وحدات هذا الجدار من إسبانيا إلى النرويج، فإن هذه الشركات كلفت بدورها في فرنسا وحدها زهاء 15 ألف شركة فرنسية لبناء القلاع والمكامن الممتدة على سواحل فرنسا الأطلسية. ونشير هنا إلى أن مكامن الجدار الأطلسي على سواحل فرنسا تسببت في مقتل أكثر من ألف جندي من قوات الحلفاء أي تلك التي تصدت لهتلر خلال الحرب العالمية الثانية. ولكنها كانت أيضا هدفا لنيران مدفعية الحلفاء وقواتهم الجوية مما تسبب في مقتل كثير من الجنود الألمان الذين كانوا يرابطون فيها.

طعم التاريخ

والملاحظ أن كثيرا من الفرنسيين الذين ولدوا في منطقتي النورماندي ولابروتانيو بعد الحرب العالمية الثانية يحملون في دفاتر ذكريات طفولتهم وشبابهم بصمات هذه المكامن التي لعبوا فيها أو من حولها أو لجأوا إليها مرارا عديدة للاحتماء بها من رياح العواصف العاتية أو من الأمطار الغزيرة. وأصبح كثيرون من المولعين بتاريخ بلداتهم الواقعة قرب المحيط الأطلسي خلال الحرب العالية الثانية حريصين على العودة إلى هذه المكامن بهدف بعث الحياة فيها بشكل مختلف. ذلك مثلا هو حال فرانك أودوار وعائلته الذين يسكنون اليوم في منزل كان مكمنا خلال الحرب العالمية الثانية في أحد ممرات ما يسمى الجدار الأطلسي. فقد رفضت زوجته في البداية فكرة خطرت بباله ولكنه أقنعها في نهاية المطاف بالقبول بها وبمشاركته في تجسيدها من خلال شراء مكمن عُرض على البيع عبر الصحف ذات يوم من أيام عام 2004. وكانت الطبيعة قد حاصرت من كل مكان هذا المكمن وحولته إلى شبه جُحر بعد أن كان جنرالات هتلر وجنوده يفاخرون بعدد كبير من هذه المكامن التي آوتهم أحيانا كثيرة من ضربات العدو وسمحت لهم بتوجيه ضربات موجعة إليه.
يقول فرانك أودوار إنه رأى مع زوجته النجوم في الظهر الأحمر وهو يسعى إلى تحويل مكمن كادت أن تطبق عليه الطبيعة إلى منزل تتوفر فيه كل مرافق الحياة بالإضافة إلى كونه يرمز إلى بصمات مهمة من بصمات الحرب العالمية الثانية. فالمكمن يقع قرب بلدة تسمى فيرمانفيل غير بعيد عن الشواطئ التي شهدت عملية الإنزال التي حصلت في يونيو عام 1944 في سواحل منطقة النورماندي والتي كانت بداية النهاية بالنسبة إلى هتلر والنظام النازي برمته.
ويسعى فرانك المولع بتاريخ الحرب العالمية إلى الرجوع إلى الأرشيف لمعرفة ما إذا كان الماريشال إرفين روميل قد دخل المنزل الذي يقيم فيه اليوم مع أسرته خلال الحرب العالمية الثانية. ولكن ما علاقة روميل بهذا المنزل؟ يرد فرانك فيقول إن روميل الملقب بـ»ثعلب الصحراء» بسبب بطولاته في المعارك التي قادها في شمال أفريقيا، كلّف عام 1943 بتفقد الجدار الأطلسي وتعزيزه لأن هتلر كان مقتنعا في قرارة نفسه بأن قوات الحلفاء كانت تُعِد العدة لعملية إنزال قوية ووشيكة على غرار تلك التي حصلت لاحقا في الرابع من شهر حزيران/يونيو عام 1944. وكان المكمن الذي بنى عليه فرانك منزله يُؤوي سبعة جنود ويقع في مكان استراتيجي. ومن ثم فإنه من الطبيعي جدا أن يكون روميل قد توقف قربه أو ربما دخل إليه لأخذ قسط من الراحة. من يدري؟ هذا السؤال هو الذي جعل فرانك أودوار يعود إلى المراجع التاريخية للتأكد مما إذا كان ثعلب الصحراء قد مر قرب منزله أو أقام فيها لبعض الوقت حتى وإن كان استمر ذلك بضع دقائق. ففي حال تأكد الأمر، عندها سيقوم ببعض الأشغال التي تعيد إلى المكمن هيأته الأولى أو على الأقل جزءا منها ثم يحوله إلى متحف.

هويات جديدة

الواقع أن ما يحلم به فرانك، تمكن مواطن فرنسي آخر من تحقيقه بطريقته في بلدة سان بابو التي لا يتجاوز عدد سكانها الألفين والتي تقع على سواحل منطقة لابروتانيو الفرنسية المطلة هي الأخرى على سواحل المحيط الأطلسي الشرقية. فقد عمد أحد سكان البلدة إلى ردم أحد المكامن الواقع داخل البلدة والذي أقام على جانب منه منزله. ولكن سيرج كوليو الذي اشترى منه هذا المنزل حرص على القيام بأشغال هدفها الكشف من جديد عن وجه هذا المكمن والعناية به عناية خاصة، شأنه في ذلك شأن قرابة 80 مكمنا آخر شيدها الألمان في البلدة عندما كانت شبه خالية من السكان أو من حولها. وأطلق سيرج موقعا خاصا بهذه المكامن باعتبارها جزءا من تراث البلدة وتاريخها الحديث.
مختصر القول إن قصص مكامن الجدار الأطلسي مع الباحثين عنها والراغبين في تحويلها إلى منازل أو متاحف أو فنادق لا رفاه فيها بهدف التأمل أو فنادق فيها كل مرافق الحياة قصص لا يكاد عددها يحصى، على غرار ما هو عليه الأمر بالنسبة إلى عدد هذه المكامن وغير المعروف بدقة حتى اليوم لأن الطبيعة قد ثَأَرت لنفسها من مقيمي هذه المكامن والذين أقدموا على اقتلاع كثير من الأشجار وحفر أنفاق وتغيير تضاريس مساحات واسعة لبنائها. انتقمت الطبيعة من هؤلاء منذ نهاية الحرب العالمية من خلال النمو من حول هذه المكامن وفوقها إلى حد خنقها وحجبها تماما وابتلاعها في كثير من الأحيان.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية